fbpx

المخترعون السوريون .. ضياع العقول بين فساد السلطة والإفلاس المادي

سامر النجم أبو شبلي

أصيبت المخترعة «غادة الخانجي» بمرض الصدفية، وبعد أن عجزت عن إيجاد حل جذري له؛ ابتكرت علاجاً خاصاً يعتمد على العسل وبعض الزيوت، لكنها فوجئت برفض اختراعها دون أي مبرر مقنع من الجهة الدارسة، وبقيت وراء حلمها بتثبيته وعائديته المجدية لمدة عشر سنوات؛ حتى طلبت تحكيماً خارجياً، وجاء الجواب بأن هذه الخلطة تستخدم في عدة مجالات؛ من كريمات الحلاقة إلى التجميل، لكنها غير مسجلة لاستخدامها في علاج الصدفية، وعلى هذا الأساس منحت براءة اختراع.  كان همها الأساسي الحصول على البراءة، ولم تفكر أن تحاسب أحداً على السنوات التي أمضتها بحربها لإثبات فاعلية ما اكتشفته، حتى أنها كانت مستعدة لأن تعطي الخلطة لمن يرغب دون مقابل.

هي حال آلاف المبدعين السوريين منذ الاستقلال؛ وحتى اللحظة، فكل ما تصنعه عبقريتهم يذهب أدراج الرياح، أو يسرق، أو يموت بالتقادم ما لم يكن وراء المخترع واسطة أو صدفة ينال على إثرها براءة اختراع، أو في ظروف أفضل يهرب خارج الوطن؛ لتتلقفه أيد العالم المتحضر، وننقل أخباره كالغرباء.

أرقام رسمية والمخفي أعظم…

يجزم غالبية المخترعين الذين تواصل معهم موقع “أنا إنسان”، بأن الضربة القاضية التي أصابت جمعيتهم كانت الفساد، وخصوصاً مع احتكار رئيس الجمعية للاختراع والبحث العلمي “محمد وردة”، الذي ظل مديراً للجمعية رغم خسارته الانتخابات الأخيرة؛ بفضل دعم وزيرة الشؤون وأحد أعضاء القيادة القطرية لحزب البعث، اللذين ألغيا الانتخابات التي فاز بها المخترع الدكتور عماد الدروبي بالأكثرية الساحقة، وكانت السبب المباشر في رحيله النهائي عن البلد، -رغم أنه واحد من أهم القامات العلمية السورية-  فانفض غالبية المخترعين عن جمعيتهم، وعن آخر أمل لهم بأن يروا نتاج إبداعهم. غير أن ما أورده “وردة” عن عدد براءات الاختراع الممنوحة في “سوريا” منذ استقلالها حتى نهاية عام 2013 لا يتجاوز 1500، وأن ما تخصصه الحكومة لدعم وتشجيع الاختراعات لا يعادل 0,001، ممّا توفره لدعم الموسيقا والرياضة والفنون والسينما، وذكر “وردة” مثالاً صارخاً عن عدد مشاريع التخرج لطلاب الكليّات والمعاهد الهندسية والعلمية والتطبيقية في “سوريا”؛ حيث يفوق 25 ألف مشروع سنوياً، وعدد براءات الاختراع الناتجة عنها لا يزيد على 25 براءة.

وكان أعلى معدل تسجيل للاختراعات في سوريا قد بلغ 68 اختراعاً سنة 2002 فقط، وتعد سوريا في أسفل قوائم الدول العالمية باهتمامها في البحوث العلمية بحسب أحد الباحثين الذي ذكر أن عدد براءات الاختراع لعام 2013 عشر براءات فقط، واستمرت حتى العام 2018 لترتفع قليلاً دون أن تصل إلى نصف المعدل. «وبالمقارنة مع إيران، فنحتاج إلى 188 سنة لنسجل ما تسجله سنوياً، فهي تسجل ما يعادل وسطياً 11 ألف اختراع»، بحسب الرجل الذي فضل عدم ذكر اسمه.

 الجدول المرافق يبين عدد الاختراعات بحسب منظمة “الوايبو” المتخصصة بالاختراعات والبحث العلمي، والتي نال عدد لا بأس به من السوريين جوائزها بعد أن وجدوا طريقة للوصول إليها.

ويقسم أحد أهم المخترعين السوريين الذين كانوا من ضحايا الجهات العلمية (مركز البحوث، ووزارة الصحة، ووزارة التموين) أن الدارسين للمشاريع لا يقدمون سبباً مقنعاً للرفض رغم كمال الدراسة والتجربة، فهم أكاديميون ولهم حضورهم النظري فقط، ولكن تنقصهم التجربة. ويقول: «أن 70% من الطلبات المرفوضة تستحق براءات اختراع, ولعدم معرفة المخترع بالزوايا والدوائر؛ يسلم بالأمر، ولا يعود لتسجيل اختراعاته مرة أخرى. فالردود التي تسمى علمية؛ أقسم بأنه لم يقرأها أحد، لأن الدراسة العلمية مخالفة تماماً لما ذكر في تفاصيل التسجيل. ولذلك بعد فترة من الزمن تجد اختراعاتنا قد ظهرت في مكان آخر، وسرق تعبنا بطرق ملتوية، دون أن نجد طريقة واحدة لمحاسبة هؤلاء اللصوص».

 معارض التكريم وتوزيع الجوائز

في آخر معرض للاختراع بالعام 2018، لم تشارك الأسماء التي اعتادت أن تأتي بشكل دائم لاستلام جوائزها النقدية دون أي وجه حق، (فقط لأنها مدعومة ومن لون واحد، ولا يستطيع أحد تجاهلها)، وبالمقابل يحصل باقي المخترعين على شهادات تكريم أو التجاهل، غير أن في هذا المعرض الذي تفاءل الحضور بعدم تكرار ما يحصل كل عام؛ اصطدموا بشخصيات جديدة تمثل الأسماء المدعومة، وتوزعت الأموال عليهم، ما زاد من نقمة الحضور، وخاصة الشباب الذين أعلنوا على الملأ أنهم راحلون عن وطن لا يعترف بكفاءتهم. والشيء الذي أثار غضب الحاضرين أن هناك مشاريع مرفوضة علمياً أخدت جوائز كبرى. وهو ما دعا الوزير “عبد الله الغربي” لإقامة حفل تكريم خاص لمائة وخمسين مخترعاً بعد مهزلة المعرض الأخير، لأنه شعر بعدم العدالة بتوزيع الجوائز بعد أن أطلعه أحد المخترعين على السر؟!.

«هناك أشخاص تفرض من العام 2009، وحتى الآن جوائزهم النقدية محجوزة بكل معرض، وليس مهماً ما قاموا به. كان مجرد أن يحضر الدكتور “خالد عوف”، ومدير الطرق والجسور في “دمشق” نعرف أن الجائزة الكبرى لهم». كما أكد أحد المخترعين الذي وصلت أعماله إلى العراق والأردن ومصر التي احتفت به وباختراعاته الكبيرة.

يقول الرجل الذي فقد عمله ومنشأته خلال الحرب في “حمص”: «نحن نمثل حالة من آلاف الحالات، وكان العائق الكبير لنا في تسجيل عدد كبير من براءات الاختراع هو سرقة الأفكار التي يتم إيداعها أو الدفاع عنها في بلدنا، وحتى بعد الحصول على البراءة لا يوجد من يدافع عنك. حتى القوانين التي سنت؛ كانت جائرة بحق المخترعين، وهذا ما سبب لنا خسارات هائلة على الصعيد الفردي والوطني بهجرة المخترعين أو الاختراعات، أو سرقتها علناً».

اليافعون السوريون .. مخترعون كبار

قبل أيام قليلة، تحدثت وسائل الإعلام المحلية عن فوز الشاب الصغير “مصطفى حمدي” بدرع معرض الاختراع العالمي في بلغاريا عن اختراعه لجهاز التعقيم الطبي المخصص للرحلات والتخييم. ولديه أربعة اختراعات أخرى، غير أن مستقبله مع الاختراع غامضاً، على الرغم من الجو الذي يتمتع به، والدعم الذي يتلقاه من والده المخترع عصام حمدي، فالأخير تقبع براءاته العديدة في الأدراج، ولم يحصل إلا على شهادات التقدير.

وهو ما ينطبق على الشاب السوري “محمد فراس السقا” الذي غطت أخباره السماء السورية؛ ليس بفضل اختراعاته العظيمة؛ بل من أجل ورقة صغيرة من وزارة الخارجية، وجمعية المخترعين تعترف فيها بأنه مخترع سوري، وهو الحاصل على ميداليتين فضية وبرونزية من منظمة «الوايبو» للاختراعات في معرضها الأخير بدولة “الكويت”.

قرارات وقوانين ومراسيم … ولكن؟.

على الرغم من القوانين التي صدرت لحماية ومساعدة المبدعين السوريين، إلا أن غالبيتها كانت وبالاً عليهم، فالحكومات المتعاقبة ما زالت تعتبرهم شغيلة، وليسوا أصحاب أفكار منتجة، ولذلك فإن ذلك لم يخدمهم.

ويتحصن المخترعين باتفاقية “باريس” لحماية الملكية التجارية والصناعية، وهي الاتفاقية المؤرخة في

20/3/1883 المنضمة إليها “سوريا” منذ العام 1939 والمعدلة بموجب “وثيقة استوكهولم” لعام 1967، وبموجب المرسوم التشريعي رقم / 47 / لعام 2002.

وتضمن المرسوم الذي يحمل الرقم 1715 لعام 1977، منح مكافآت لعاملي الدولة عند قيامهم بالاختراع هو أول اعتراف حقيقي بعمل العقول السورية.

وجاء القانون رقم 18 لعام 2012، لحماية براءات الاختراع ونماذج المنفعة ومخططات التصميم للدارات المتكاملة والمعلومات غير المفصح عنها. وأنشأت على إثره محكمة مختصة بالنظر في قضايا الملكية التجارية. حيث كان من القوانين التي فصلت بشكل كامل واقع الحال، وكل ما يتعلق بالمخترعين وابتكاراتهم وطرق التسجيل والمنح، وكذلك بنوداً خاصة برفض الاختراع.

 وجاء القرار رقم 160 الصادر عن وزارة الإعلام لعام 1995، الذي يتيح للمخترعين السوريين المعتمدين من الجهات المختصة الإعلان عن ابتكاراتهم في الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة مجاناً 12 مرة سنوياً لكلّ اختراع، ولكن هذا القرار لم يطبق؟. ولم ينسى المشرع للقانون الأساسي للعاملين في الدولة لعام 1985 المخترعين، إذ نصت المادة 29 على حق المبدعين بالترفيع الاستثنائي، الذي لا يقل عن 6%، ولا يزيد عن 24 % من الراتب الشهري.

وختاماً وبعيداً عن فلاس وإفلاس المخترعين السوريين وهجرتهم نحو الغرب، أو انكفائهم في ورش صغيرة يعتاشون منها، تبقى هذه الفقرة التي صاغها القانون في عدم منح براءة الاختراع للسوريين، وهي تثبت أن كل ما يبدعونه يبدو أنه مخالف ويوهن عزيمة الأمة.

وأوضح القانون في إحدى فقراته أنه لا تمنح براءة اختراع  من شأن استغلالها المساس بالأمن القومي أو الخلل بالنظام العام أو الآداب العامة أو الأضرار بالبيئة، والإضرار بحياة أو صحة الإنسان أو الحيوان أو النبات.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع