fbpx

مركز للعلاج النفسي في إدلب .. للتخفيف من وطأة الحرب

سونيا العلي

دمرت نيران الحرب في سوريا كل مناحي الحياة، وتسببت بإسقاط الجرحى والقتلى من المدنيين، ولكن آثارها المدمرة لم تقف عند حدود الجسد، بل طالت أيضاً الأنفس والأرواح، فقد أدت إلى انتشار الأمراض النفسية والعقلية، فتزايد أعداد المصابين بالاكتئاب والقلق وغيرها من الأمراض، وخاصة في المناطق المحررة التي شهدت معارك عنيفة وحالات نزوح متكررة، وعاش أهلها ويلات الفقر والتشرد وفقدان الأمان.

الشاب أحمد من معرة النعمان عانى لثلاثة أيام من الحصار بسبب ملاحقته من قبل عناصر النظام السوري أثناء معارك السيطرة على مطار أبي الضهور العسكري، وذلك بعد إصابته في يده، فاضطر للاختباء وراء تلة صغيرة من التراب، محاولاً عدم التحرك حتى لا يتم  رصده، ليعود في الليل للزحف حتى غاب عن أنظارهم نهائياً .

أحمد يتحدث لأنا إنسان عن أثر تلك الحادثة في نفسه فيقول: ” لم أخش الموت يوماً، ولكن راودني التفكير والقلق بم سيحصل لي لو وقعت بأيديهم، لن أنسى ذلك اليوم الذي يجول في خاطري ليلاً ونهاراً”.

كما زادت الأزمات الإنسانية والاقتصادية وفقدان الأقارب من انتشار حالات الاكتئاب والقلق والاضطرابات النفسية .

أبو سعيد نزح من ريف حماه الشمالي إلى أحد المخيمات العشوائية في إدلب يتحدث لأنا إنسان عن معاناته قائلاً: “كنت ذاهباً للبحث عن عمل أستطيع من خلاله سد رمق أولادي، وأثناء غيابي سقط برميل متفجر على منزلي ولم يبق من أسرتي أحد”.

ويضيف قائلاً: “بعد ذلك توجهت إلى المناطق الحدودية قاصداً أحد المخيمات، لكنني أعاني اليوم من ضغوطات عميقة، حيث لا أستطيع النوم، وأتذكر دوماً كيف فقدت أولادي وزوجتي وبيتي، وتأتيني الأفكار عادة على شكل كوابيس مرعبة”.

من جانب آخر، كان للأطفال في المناطق المحررة النصيب الأكبر من الأمراض النفسية بسبب ضعف بنيتهم وقلة تحملهم لظروف الحرب، وظهرت في حياة معظمهم على صورة خوف وانطواء وتوتر مستمر.

فالطفل السوري عاش أهوال الحرب وتأثر فيها وعاش صدمتها، من فقدان أحد الأبوين أو الأقارب قتلاً أو اعتقالاً أو نفياً، فضلاً عن النزوح والتهجير وتفكك شبكة العلاقات الاجتماعية التي أنشأها الأطفال مع أقرانهم في المناطق التي نزحوا عنها، فنشأ عن هذا الواقع عدد من الأمراض النفسية التي يصعب حصرها.

الطفل أيمن حاج سليمان (١٠سنوات) من معرة النعمان كان شاهداً على مقتل أسرته، تردد قليلاً قبل أن يحكي لأنا إنسان قصة معاناته: “تعرض منزلنا لغارة حربية ليلاً، مما أدى إلى موت أهلي وإخوتي جميعاً، وتم استخراجي حياً من تحت الأنقاض”.

يضيف الطفل بألم: “لا تغيب عن ذاكرتي تلك الليلة وأراها حتى في أحلامي، وأتألم لأنني أصبحت وحيداً في الحياة، حيث انتقلت للعيش في بيت جدي، لذلك أتمنى أن أموت بسرعة لألحق بمن فقدتهم”.

أمام هذا الواقع تم افتتاح دار للاستشفاء من الأمراض النفسية في مدينة سرمدا الحدودية مع تركيا شمال إدلب بهدف استقبال المرضى وعلاجهم ومساعدتهم على التخلص من أمراضهم.

ساهر فضل منسق مشروع دار الاستشفاء يتحدث لأنا إنسان قائلاً: “انتشرت مؤخراً نسبة الأمراض النفسية نتيجة تأثيرات الحرب، أمام قلة عدد مراكز العلاج في إدلب، مما دفعنا الى إنشاء تلك الدار، بالتعاون مع منظمتي الصحة العالمية و uossm، بهدف مساعدة المرضى على استعادة عافيتهم، وإعادة تأهيلهم واندماجهم في المجتمع “.

ويضيف الفضل : “تقدم الدار خدماتها للمرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية وعقلية، حيث يقدم العلاج والدواء بشكل مجاني، إضافة إلى وجود عيادتين متنقلتين تزوران أماكن التجمعات والنزوح،  وتضم كل عيادة طبيباً نفسياً، وعاملين في الدعم النفسي، وعاملين في الصحة المجتمعية، لتقديم المعاينة والتوعية الصحية للنازحين في المخيمات ومراكز الإيواء”.

الدكتور محمد ساطو أخصائي أمراض نفسية وهو أحد العاملين في الدار، يتحدث لأنا إنسان عن المرض النفسي بقوله: “هو عبارة عن مجموعة من الاضطرابات والأعراض غير الصحية التي تصيب تفكير الفرد وتنشأ في نفسه، وبالتالي تتحول إلى سلوكيات تؤثر على قدراته التكيفية مع ذاته ومحيطه بشكل سلبي “.

ويؤكد ساطو : “بأن تشخيص الأمراض النفسية هو أمر مهم، لكونه يساعد  المريض على فهم المرحلة التي وصل إليها، وكيفية السيطرة عليها”.

أبو محمد من مدينة الدانا بريف إدلب قصد الدار بعد تردد شديد خوفاً من نظرات الناس بأنه “مجنون”، تتحدث والدته لأنا إنسان عن مرضه بقولها: “قضى ولدي في معتقلات النظام مايقارب سبع سنوات، تعرض خلالها لمعظم أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، وبعد خروجه من وراء القضبان وقع فريسة للأمراض النفسية، وأصبحت حياته كابوس مرعب، فهو دائماً يردد كلاماً غير مفهوم، ويخاف من كل شيء، وبعد خضوعه للعلاج داخل الدار بدأ يعود تدريجياً لحياته الطبيعية .”

تتسبب الحروب بتدمير الإنسان، وتشعره بالعجز الذي يجعله يستسلم لوساوس قهرية تتعلق بمستقبله وحياته وحياة من حوله، فمن بين نيران الحرب في سوريا والركام المادي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري تظهر في إدلب وريفها الأمراض النفسية التي لا تميز بين صغير أو كبير أمام غياب أفق واضح يحدد مصير أهلها.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع