fbpx

هل ينتقم النظام من “السلمية” بإهمالها؟

أهملت حكومة النظام مدينة السلمية بريف حماة منذ سنوات طويلة، حيث باتت تعيش واقعاً خدمياً سيئاً، وتفاقم الأمر مع الموقف المعارض الذي اتخذه كثير أبناء المدينة في بداية الثورة السورية، ومنذ ذلك الحين يعاقب النظام المدينة بالخدمات الأساسية من كهرباء وماء ومحروقات، بالإضافة إلى تحكّم قوات الدفاع الوطني المقاتلة الى جانب قوات النظام في المدينة، وتصرفاتهم السيئة بحق أهالها.

 

مشاكل المياه والكهرباء

تعتبر مشكلة المياه من أطول المشاكل عمراً في المدينة، فمنذ أكثر من عشر سنوات تعاني المدينة من هذه المشكلة دون وجود حلول جدية من قبل الجهات المختصة في حكومة النظام، التي كانت تدعي في بداية الثورة السورية أن سبب قطع المياه على المدينة هو فصائل المعارضة المتواجدين بالقرب منها، بينما كانت تعمل على خفض نسبة ضخ المياه لمدينة السلمية وزيادته لمدينة حماة مركز المحافظة.

مع تقدم المشكلة عمراً، ادعت حكومة النظام أنها تسعى لوضع حلول لهذه المشكلة من خلال تسليم موضوع المياه لشركات خاصة محسوبة عليها، التي عملت بدورها على توزيع  صهاريج مياه على الاهالي، و تفعيل عملية ضخ منظمة لأحياء المدينة، الأمر الذي خفف نسبياً من مشكلة انقطاع المياه لأشهر، لكنه لم يكن الحل النهائي للمشكلة في الوقت ذاته، حيث تعمد حكومة النظام اليوم على ضخ المياه للمدينة في الساعات التي يكون فيها التيار الكهربائي مقطوع، الأمر الذي يحول دون وصول المياه إلى الخزانات بحسب ما أوضح “مازن الحسن” (اسم مستعار) أحد ابناء المدينة، ورب لأسرة فيها.

وبهذه الطريقة يصبح الأهالي مضطرين إلى شراء المياه من الصهاريج المتنقلة، التي يتحكم بها أشخاص تابعين لقوات الدفاع الوطني، وهي مليشيا رديفة لقوات النظام من أبناء المدينة، حيث قالت “ورد الأكرم” (اسم مستعار) إحدى نساء المدينة، ربة منزل فيها : “في عام 2014 قُطعت المياه لمدة خمسة أشهر متواصلة، الأمر الذي تم استغلاله من قبل قوات الدفاع الوطني، لتسير صهاريج مياه وبيعها، والاستفادة من الأسعار الكبيرة، وإلى اليوم المشكلة قائمة لكن بدرجة أخف،  كما أنه منذ وقت قريب  شهدت الحارة الشرقية لمدينة السلمية تلوث كبير بمياه الشرب، نتيجة اختلاطها مع مياه الصرف الصحي، دون أي اهتمام من قبل الجهات المختصة”

وليست مشكلة الكهرباء في المدينة أحسن حالاً من مشكلة المياه، حيث تعيش المدينة ساعات تقنين كهربائي طويلة، الأمر الذي انعكس سلباً على حياة الناس بشكل عام، وبالأخص أصحاب المحال التجارية والورشات.

حيث يقول “فادي أبو علي” أحد سكان المدينة: “مع بداية فصل الشتاء تبدأ معانتنا مع مشكلة الكهرباء، حيث يتم وصلها لمدة ساعتين وقطعها لمدة أربعة ساعات، على عكس مدينة حماة مركز المحافظة التي تقطع فيها الكهرباء لمدة ساعتين، وتوصل لمدة ست ساعات، وخلال عملية الوصل الساعتين، لا يمكننا الاستفادة منها بشكل حقيقي، لأنها تستمر في الانقطاع والعودة، الأمر الذي شكل عائقاً كبيراً لدينا، فأصبحنا مضطرين لشراء البطاريات والأضواء التي تعمل على البطاريات (اللدات) لتأمين حاجتنا من الضوء”

في حين يضطر اصحاب المحال والمن المختلفة للاعتماد على مولدات الكهربائية التي تعمل على الديزل، للاستمرار في عملهم وتأمين قوت يومهم، الأمر الذي يفرض عليهم رفع تكلفة أجور العمل على الأهالي، نتيجة ازدياد كلفة عملهم من ديزل وصيانة للمولدات بحسب ما أوضح’’ مصطفى أبو محمد’’ (اسم مستعار) صاحب محل صيانة أدوات كهربائية في المدينة.

 

مشاجرات وقتل 

في بداية العام الحالي، قتل شاب وجرح اثنين آخرين بإطلاق رصاص في حي المنطار بالمدينة، نتيجة مشاجرة ما بين أحد المقاتلين التابعين للدفاع الوطني من عائلة “دبو” وشاب من عائلة “نصرة” وذلك أثناء وقوفهم على دور الغاز.
وتعيش المدينة حالة من النقص المستمر في المحروقات من مازوت وبنزين، حالها كحال جميع المناطق الخاضعة لسيطرة قوات النظام، لكن المعاناة الأصعب التي يعيشها سكان المدينة هي الحصول على مادة الغاز المنزلي، حيث تصل المدينة شهرياً كميات قلية جداً، تكاد أن تكون معدومة في بعض الأحيان.

يقول “علي العلي” (اسم مستعار) أحد المدنيين الذي اضطر لمغادرة البلد منذ أكثر من عام ونصف، متذمراً من هذا الحال: “يتم توزيع اسطوانات الغاز على الأهالي بشكل شهري في الكثير من الأحيان، ويكون مخصصات كل حي من أحياء المدينة ما يقارب ال 200 أسطوانة غاز، بينما يضم كل حي أكثر من 2000 عائلة، الأمر الذي يدفع الأهالي إلى شراء الغاز المنزلي من السوق السوداء والتجار المتحكمين بالمدينة”

 

مظاهر مسلحة 

تعيش المدينة واقعاً أمنياً سيئاً، نتيجة الانتشار الكبير لعناصر الدفاع الوطني المقاتلين الى جانب قوات النظام، والانتشار الكبير للحواجز العشوائية في المدينة وعلى أطرافها، فمع تحول الثورة السورية من سلمية إلى مسلحة، عمدت قوات النظام عبر عضو مجلس الشعب في مدينة السلمية “فاضل محمد وردة” إلى تجنيد شباب من المدينة تحت مسمى قوات الدفاع الوطني، بذريعة حمايتها من الفصائل المسلحة المتواجدة في أرياف المدينة، ومنذ ذلك الحين تنتشر المظاهر المسلحة بالمدينة بشكل كبير.

حيث ذكر لنا عدة أشخاص من سكان المدينة “أنه منذ تشكيل مركز الدفاع الوطني في المدينة عانينا ما عانينها من عمليات الخطف مقابل طلب فدية مالية تتجاوز المليون ليرة سورية في بعض الأحيان أي ما يعادل (الألف وخمسمئة دولار أمريكي بسعر صرف 660 ليرة للدولار)، بالإضافة إلى المضايقات المستمرة على الحواجز، وفرض أتاوات على سيارات البضائع الخاصة وحتى على الأشخاص بشكل مزاجي، وفي حال الاعتراض يتم ضرب الشخص واعتقاله، وابسط أمر لديهم هو تلفيق تهمة بأنه معارض”.

بينما أصبحت ظاهرة إطلاق الرصاص في الهواء إحدى طرق التعبير عن مشاعر الفرح والحزن من قبل هؤلاء العناصر، فقد شهدت المدينة سقوط عدة ضحايا مدينين جراء إطلاق رصاص طائش في الهواء، والتي كان اخرها مقتل الشابة “سراب الشيخ سليمان” جراء إطلاق رصاص عشوائي احتفالاً بهدف التعادل الذي أدخله لاعب المنتخب السوري “عمر السومة” في مباراة فريقه مع أستراليا.

وعدا عن حالات الرعب والخوف التي يعيشها الناس وبالأخص يوم الخميس، نتيجة كثرت الأفراح في المدينة، التي تتزامن مع إطلاق رصاص عشوائي كثيف، كما أنه في الأوقات التي تشيع فيها هذه القوات قتلاها، تتحول سماء المدينة لساحة مكتظة بالرصاص العشوائي، الذي يصل في بعض الأحيان إلى استخدام الرشاشات الثقيلة والمتوسطة والقنابل، كما أوضح “فؤاد عبود” (اسم مستعار) أحد هؤلاء الأشخاص الذين تحدثوا لنا عن المشكلة.

 

شبكة “الأغا خان” التي تقدم الخدمات للمدينة

تعتبر شبكة “الآغا خان” المملوكة لرجل الاعمال “شاه كريم الحسيني” الذي يعتبر الإمام التاسع والأربعين للطائفة الإسماعيلية، هي المؤسسة الخدمية الخاصة التي تعمل على تقديم الخدمات لمدينة السلمية منذ سنوات طويلة، حيث عملت خلال السنوات الماضية على تقديم العديد من المشاريع الخدمية والطبية والتي كان أبرزها توزيع خزانات مياه للأهالي، و مشاريع زراعية أخرى، إلا أن أفرع النظام الأمنية عملت منذ بداية الثورة على اعتقال موظفي الشركة الذين شاركوا بالحراك السلمي،  ومن ثم تم اخراجهم بوساطة الأغا خان وهجرتهم بعدها إلى خارج البلد.

الأمر الذي اتاح المجال أمام مخابرات النظام باستغلال الفرصة وتعين اشخاص محسوبين عليها في الشبكة، والعمل على إقصاء ما تبقى من الموظفين، وتعين أشخاص آخرين على أساس الواسطة والقربة، دون الاكتراث للتحصيل العلمي أو الإجازات الجامعية بحسب ما صرح “عيسى الجبل” (اسم مستعار) موظف في الشبكة من أبناء مدينة السلمية.

وذكر “الجبل”: ” تشهد الشبكة وجود عدد كبير من الموظفات اللواتي لا يحملن الشهادة الثانوية حتى، بينما يعمل خريجو الجامعات في حملات تنظيف الطرقات، لعدم وجود واسطة لهم، بالإضافة لعمليات السطو والغش في المشاريع التي تنفذها الشبكة، حيث تكون الأرقام على الأوراق تفوق أضعاف ما هو على أرض الواقع”.

 

إهمال مقصود

في الوقت الذي تعاني منه المدينة كل هذه المشاكل الخدمية والأمنية، تنوي حكومة النظام إصلاح بعض الطرقات وإعادة تفعيل الحياة في بعض المدن والبلدات التي سيطرت عليها مؤخراً في ريف حماة الشمالي، كمدينة “مورك” وبلدة “كفرنبودة” بالرغم من خلو هذه المناطق من السكان بشكل كامل، نتيجة نزوحهم باتجاه الشمال السوري، هرباً من بطش قوات النظام، الأمر الذي دفع ناشطو المدينة لاعتبار إهمال حكومة النظام لمدينتهم إهمال مقصود.

وبحديث لـ “أنا إنسان” مع الهيئة الإعلامية لمدينة السلمية وريفها، قال “وسام عطفة” عضو الهيئة: “أن حقد نظام الأسد الأب والأبن على التوالي على مدينة السلمية ابتدأ من حقد حافظ الأسد وخوفه من تيار الراحل “عبدالكريم الجندي” الذي كان يريد محاسبة حافظ الأسد على خيانته، وخاص في حرب 67 وزاد ذلك بعد نجاح حافظ الأسد بانقلابه العسكري، الذي سمي لاحقاً بـ “الحركة التصحيحية” على حد وصفه”.

كما ذكر بأن ذلك تجلى خلال اعتقاله أهم رموز سلمية في تلك الفترة “مصطفى رستم” و “علي حسن الضحاك” ثم أظهر حقده بشكل كامل على مدينة السلمية في عام 1982 باعتقاله لـ “عبد الكريم الضحاك” وإخفاء “حسين الشيحاوي وعبدالعزيز شربا وعقاب يحيى و حسين خلف” والكثير غيرهم من “حركة البعث الديمقراطي”، ثم تابع حملة اعتقال لتطال شباب سلمية في حزب العمل الشيوعي وحزب البعث الديمقراطي، وحزب البعث العراقي، واستمرت هذه الاعتقالات لغاية 1997، واستمر هذه النهج حتى بعد توريث بشار الأسد للسلطة وظهور ما يسمى ربيع دمشق، الذي تمخض عن ولادة إعلان دمشق بحسب “العطفة”.

وأضاف “العطفة”: “مع بداية الحراك الشعبي العفوي في سوريا في درعا، بعدها مباشرةً تحركت المظاهرات في مدينة السلمية، وشكلت بهذا التحرك ضغطاً سياسياً على النظام، لأن المدينة من الأقليات الطائفية وبالأخص الطائفة الإسماعيلية، معتبراً أن هذا التحرك زاد من حقد نظام الأسد على مدينة السلمية، وتجلى ذلك بالاعتقالات التي طالت أبناء هذه المدينة، والسماح لعناصر النظام بضرب المدينة بالصواريخ والإشاعة على أن مسلحي المعارضة هم من قاموا بذلك، لترويع الناس وتخويفهم من الفصائل المعارضة، بالإضافة إلى السماح إلى عناصر تنظيم الدولة (داعش) والتواطؤ معهم بالوصول لأطراف المدينة، وذكر أنهم سمحوا له بارتكاب مجازر ترويعيه مثل مجزرة “المبعوجة” ومجزرة “عقارب الصافي” في ريف المدينة.

تعمل حكومة النظام على خنق سلمية بالإهمال الخدمي والفساد المؤسساتي، والتسلط الأمني، ولعل أبرز وصف لحالها اليوم، ما قاله يوماً ابنها الأديب “محمد الماغوط”: “سلمية نقطة زيت كبيرة في ماء الوطن، ولقد فكرت السلطات المتعاقبة جدياً في تقطيعها كالحية هي وكهولها وشبابها ومقابرها ووضعها داخل كيس ثم قذفها إلى الجحيم”.

 

محمود أبو راس

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع