fbpx

أربعة سوريات يحكين عن الاغتصاب والاختناق والوشاية وتضميد الجراح

المشاهدات: 170

 

محمد العلي

 

 

امتلكت سناء من الشجاعة الكثير لتقول ما لم تجرؤ على قوله كثيرات، عندما تحدثت عن الاغتصاب في السجون، وأثر هذه الانتهاكات في الروح. للأسف المعاناة استمرت خارج السجن، مع نظرات مجتمع لا يرحم، وكأن ما عانته النساء داخل تلك الأقبية غير كاف حتى يتم معاقبتها مرة أخرى. أربعة حكايات فيها من المرارة والألم والأسى الكثير. تحكي فيها النساء عن معاناتهن داخل أقبية السجون، ورحلة الخلاص من الموت اليومي. لكل حكاية خصوصية، ولكل قصة الكثير من لحظات الصمت التي يصعب أن يبوح بها إنسان.

 

الحكاية 1: سلاح الاغتصاب

«معظمنا تمنى الموت داخل المعتقل، إذ لا يوجد شعور أصعب من انتهاك جسد المرأة بشكل مستمر». هذا ما قالته “سناء. م”، البالغة من العمر 43 سنة وهي أم لثلاثة أولاد، كانت معتقلة سابقة في سجون نظام الأسد لمدة ثلاثة أعوام وسبعة أشهر.

اعتقلت سناء بعد اعتقال زوجها بفترة شهر تقريباً، في حي صلاح الدين في مدينة حلب، في شهر أيار من عام 2013، على حاجز يتبع للمخابرات العسكرية، وتم «سوقي إلى الفرع الكائن في حي الميدان بحلب، وأمضيتُ أربعة عشرة يومًا في قسم التحقيق بتهم مختلفة وجّهت إليّ منها مساعدة الإرهابيين حسب وصفهم، والمشاركة في قتل عناصر اللجان الشعبية الذين ينتمون لعشيرة آل “بري”. تعرضت للكثير من الضغوطات إلا أنها كانت عادية مُقارنة مع الأفرع الأمنية الأخرى».

رحلة العذاب الحقيقية بدأت «بعد سوقي إلى العاصمة دمشق، باعتباري -حسب ما قال لي المُحقق- أملك ملفاً كبيراً من التُهم، ومطلوبًة لـــ فرع فلسطين، حيث كُنّا ثمانية نساء معتقلات في السيارة التي تقلنا الى العاصمة، وكنتُ الوحيدة التي سيقت إلى فرع فلسطين، في يوم الجمعة عند الساعة التاسعة -ذاك التوقيت الذي لا يُفارق ذاكرتي».

وأردفت سناء: «زجّ بي عناصر الفرع بغرفة صغيرة تبلغ مساحتها 9 أمتار من بينها دورة المياه، حيث يتواجد في تلك الغرفة نحو أربعة وثلاثون معتقلة لا راحة لهم لا عند الوقوف ولا حتى الجلوس لضيق مساحتها، وفي اليوم التالي تم استدعائي الى غرفة التحقيق، وحسب ما أذكر أن المُحقق كان يدعى حيدر وهو من الساحل السوري حسب لهجته التي يتكلم بها أهالي المنطقة هناك، وهناك وجّه لي الاتهامات نفسها، لكن هنا كان الفرق كبيراً من حيث الضرب والشتم والإهانة الجسدية للمرأة، لكن هيهات من ذا الذي يسمع أو يساعد!. التوسل كان يزعجه ويدفعه للإهانة أكثر، مردداً عبارات مثل: خلي الحرية تنفعك».

تصمت برهة ثم تنفجر بكلام مؤلم جداً: «الاغتصاب كان أصعب أمر في فترة الاعتقال، فبعد التلذذ الساديّ بالتعذيب والضرب والشبح، والصعق بالكهرباء الذي أعطبَ عيني اليمنى؛ كان يتم اغتصاب البعض من قبل المحققين أو العناصر، في اغتصاب ممنهج يظهر حقداً أعمى، وإحدى تلك المآسي حدثت لامرأة تشاركنا الغرفة من منطقة القصير اسمها نجوى. تم اغتصابها أمام زوجها من قبل ثلاثة عناصر بالتناوب حتى سقط الزوج ميتاً من القهر، كما طالت تلك المأساة أيضًا امرأة من دوما، وهي طالبة جامعية تبلغ من العمر 21 عامًا، إذ حملت وأثناء الولادة تم نقلها -بحسب قولهم إلى المستشفى- لكننا لم نرها بعدئذ».

وتابعت حديثها: “ماذا أقول لا أعرف! كل يوم أمضيته خلال فترة اعتقالي، كان بمثابة مسلسل رعب، بعد مضي ثلاثة أشهر على اعتقالي في فرع فلسطين تم تحويلي إلى الفرع 215 لمدة خمسة عشر يوماً، وبعدئذ تم تحويلي إلى الفرع 227 لمدة اثنين وعشرين يوماً، ثم عدت إلى مكاني الذي إن مُتّ ألف مرة لن أنساه، أي فرع فلسطين والوضع اليومي الذي كان، حيث التعذيب والإهانة والاغتصاب والجوع والبرد والخوف والمرض، أما الطعام فكان رديئاً جداً، وهو عبارة عن بطاطا مسلوقة نسبة نضجها بعد الطهي لا تتجاوز ثلاثين بالمئة، وكل ثلاثة معتقلات يحصلن على رغيفين خبز يومياً فقط».

قصة سناء انتهت في شباط من العام 2017، ضمن عملية التبادل بين مؤسسة (شؤون الأسرى) وقوات نظام الأسد، وقتها «لم أصدق ان الكابوس انتهى، وصلتُ إلى قلعة المضيق في حماة ضمن سيارات الهلال الأحمر السوري، وخلال أقل من شهر اجتمعتُ بأطفالي الثلاثة، بعدما شاهدوني في صورٍ منشورةٍ على مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك ضمن عملية التبادل المذكورة، والآن أنا مقيمة في ريف إدلب وحدي دون زوجي المعتقل الذي لا نعلم أي شيء عنه».

 

الحكاية 2: أنا أختنق

بالسخرية استقبل عناصر الأمن السياسي المُعلمة هدى الحسين (اسم مستعار) حين ذهبت إلى حماة لتقاضي راتبها الشهري، وتقول لـ أنا إنسان: «بعد سيطرة المعارضة على مركز محافظة إدلب، أصبحنا مجبرين للذهاب إلى مدينة حماة، للحصول على الراتب، لم أكن أتوقع أن أعتقل، وذلك لعدم مشاركتي في أي نشاط ثوري».

اعتقلت هدى في شهر شباط 2016 على حاجز دوار سباهي بمدينة حماة، وفي التفاصيل تقول: «تم انزالي من الحافلة بطريقة مهينة، وعندما أجبتُ العنصر عن طبيعة عملي بأني معلمة مدرسة، بدأ بضربي وشتمي وهو يردد معلمة مدرسة قلتِ لي، وبعد حوالي 3 ساعات تم نقلي لفرع الامن السياسي بسيارة مصفحة معصوبة العينين، مع ضرب وشتائم أغلبها تحمل طابعاً طائفياً»، وأضافت «أثناء التحقيق معي كانت التهمة دعم المسلحين واختطاف عناصر للنظام، لم ينفع البكاء والتوسل أني لم أشارك بأي نشاط، على العكس كان الضرب يزيد أكثر، تعرضت لأبشع أنواع التعذيب والإهانة الجسدية واللفظية، كلمات مازالت تدور في مسامعي ” بدكن حرية؟. أي عنصر ستعجبيه رح يعطيكِ جرعة حرية على كيفك».

كان جل ما يدور في رأس هدى وهي في الزنزانة هو «الندم. لماذا لم أشارك في الحراك الثوري، تخاذلي أنا ومن مثلي جعلني الآن بين أيديهم، لا يمكن لامرأة أن تتحدث ما جرى معها، هذا هو الألم الحقيقي، نخفي انتهاكات مجرمين خوفاً من حديث الناس، خرجت من المعتقل بعد 3 أشهر بعد دفع مبلغ 5 آلاف دولار عن طريق محامية، واليوم أحاول ان أكون موجودة لكن في الحقيقة الجرح عميق في داخلي. أنا أختنق».

الحكاية 3: وشاية في المدينة الجامعية

«في العام 2013 تم اعتقالي من قبل ميلشيا الدفاع الوطني من داخل حرم الجامعة، بعد وشاية من زميلة تنحدر من قرى السلمية الموالية، نتيجة خلاف في الرأي حول حق الشعب في اختيار من يحكمه». سوسن .ج ابنة الغوطة الشرقية طالبة جامعية في كلية العلوم بجامعة تشرين، تروي قصة اعتقالها حيث تم «تسليمي لفرع المخابرات الجوية في اللاذقية، وبعدها تم نقلي إلى فرع التحقيق في المزة. التهم كثيرة لكن الأهم أني مواليد دوما، كانت كفيلة بزيادة التعذيب والاهانة، وبعد 19 يوم على وجودي في الفرع، وحوالي الساعة 12 ليلاً تم استدعائي للتحقيق. كنت خائفة لأن من يذهب في هذا التوقيت مصيره الموت، كنت معصوبة العينين، دخلت إلى غرفة كانت رائحتها مفعمة بالدم، لكن بعدها أزالوا القماشة عن عيني، لأرى 27 جثة عارية، مقلوعة الأعين وكل الجثث تعود لرجال. أغلق الباب، وبدأت الصراخ لكن دون جدوى».

بعد 3 أيام مع الجثث نقلت إلى مهجع مخصص لبنات من درعا ودير الزور والغوطة، وتعرضت لأبشع أنواع المعاملة، لكنها كانت كنت كافية لتغرس صور الرجال في مخيلتها للأبد. لا تعرف سوسن كيف خرجت بعد اعتقال 3 سنوات وخمسة أشهر. هكذا وصفت تجربتها، لكنها اختتمتها بالقول: «ليتني لم أخرج. تنكر لي القريب قبل البعيد، تحملت ذنباً ليس لي فيه ناقة ولا جمل، وأعيش مع والدتي التي لم تتركني. يقال أن البنت لا تخفي عن أمها سراً، لا أنني أخفيت أسراراً وأوجاعاً لو وزعت على أهل الأرض لكفتهم»، إلا أن ما يواسيها اليوم أنها مهجرة في ريف حلب الشمالي، وأغلب الجيران لا يعرف قصتها ومعاناتها.

 

الحكاية 4: التهمة تضميد الجراح

ولاء أحمدو معتقلة سابقة، أمضت أكثر من 3 سنوات ونصف في سجون النظام، كانت بداية رحلتها في سرية المداهمة 215 التابعة للأمن العسكري، بتهمة مساعدة الثوار والمتظاهرين، في تضميد جراحهم ونقل الأدوية والمستلزمات الطبية، عبر حواجز النظام وإيصالها للنقاط الطبية في منطقة داريا والمعضمية بريف دمشق، ثم خرجت في صفقة تبادل بين فصائل الثوار وقوات النظام، وهنا كان التحدي الأبرز «كنت أمام تحدٍّ كبيرٍ أن أعيش حبيسة المنزل والنظرة السوداوية للمجتمع تجاهي كامرأة معتقلة، لكن من المحن تولد المنح، أنشأت مركز (حررني) الخاص بالناجيات من الاعتقال والعنف الأسري، والهدف منه هو إعادة دمج المعتقلات في المجتمع من خلال التمكين الاقتصادي، ومن خلال التدريب على مهن يدوية مثل تصنيع الحلويات وتأمين عمل لعدد من النساء وبإشرافهن بشكل كامل كي يصبحن معيلات لأنفسهن منتجات لا عالات على ذويهن، والتمكين السياسي والدعم النفسي للأطفال في تعريفهم بحقوقهم وواجباتهم، من خلال محاضرات وبرامج تأهيل وتدريب».

وعن النشاطات أوضحت أنه قد تم تسجيل «أكثر من 39معتقلة بعدة برامج تجاوزنا العديد من الحالات النفسية من خلال الإصرار والتحدي والخلاص من الواقع الاجتماعي المزري تجاه المعتقلات، بالإضافة إلى توسيع عمل برنامج المركز لاستهداف الناجيات من العنف، ودعم الأطفال نفسياً ومعنوياً، من خلال كادر يعمل في ثلاثة مراكز منتشرة في الشمال المحرر، مدينة كفر نبل ومدينة كفر تخاريم بريف إدلب، ومدينة عفرين شمالي حلب، وتضيف ولاء طموحي أكبر من الأنشطة الحالية على أمل الوصول بالناجيات من الاعتقال والعنف الأسري إلى بر الأمان والعودة إلى الحياة الطبيعية قبل الاعتقال والتعنيف، بل أقوى مما كن عليه، بالإضافة إلى تحدي الحياة بكل مصاعبها».

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع