fbpx

أطفال المستقبل السوري مشوهين جسدياً .. الحمل الزائد لا يصنع وطناً معافى

المشاهدات: 360

أمين محمد شاهين

في حقيبة كبيرة، مليئة بكل أصناف العلوم والفنون، ومجموعة من الدفاتر المرافقة، والأقلام الملونة، تخرج نايا من منزلها الذي يبعد عن مدرستها نصف كيلو متر، منحنية الظهر والرأس، لتصل إلى أسوارها وهي تلهث من التعب، وتبدأ يومها بتحية الصباح التي تمجد الأمة، غير عالمة أنها تخسر نموها الطبيعي، وتحمل بداية ديسك وتقوس في الرقبة والعمود الفقري الذي سينهك قواها فيما بعد.

وقصة الحقيبة المدرسية السورية التي تزيد عن ثماني كغ؛ تدعو للدهشة والخيبة، فكل سنة تتحفنا وزارة التربية بكتب جديدة لا تغني ولا تسمن، لأهداف لا تمت إلى العلم بصلة؛ وعلى حساب المواد الترفيهية التي تنمي العقل والروح، دون أي تفكير بضرر تلك المواد، ولا بالحمل الزائد على عقل وجسد الأطفال الصغار، فالمهم هو التجديد وصرف الأموال المنهوبة من الشعب، وتغيير المنهاج كلما وصل وزير جديد للحكومة العتيدة، أو اكتشف عبقري ما في لجان المناهج خطأ كارثياً، فالتجريب بات لغة الإدارات المتعاقبة على أهم قطاع يمكن أن ينتشل سوريا من محنتها، ويجعلها تمشي على السكة الصحيحة في يوم ما.

ولا يخلو علم في العالم إلا وأدخله جهابذة التربية في المنهاج المدرسي، دون أي دراسة لتأثيره وفائدته وعائديته على الطلاب الصغار الذين تحولوا مع الوقت إلى آلات للحفظ والاستعانة بالدروس الخصوصية التي أثقلت كاهل الأهالي الرازحين تحت خط الموت والفقر وعبثية الحياة.

وتنادت الأصوات مراراً وتكراراً مطالبة بالتخفيف من المواد، وحذف بعضها، وزيادة الحصص الترفيهية المتعلقة بالموسيقا والرسم والرياضة، وإنشاء كتب تتحدث عن الأخلاق بدلاً من كتب التربية الدينية التي أثبتت الدراسات العديدة أنها وراء التطرف الذي تقوده وزارة الأوقاف، وكذلك كتب القومية التي تخالف دستور البلاد المشوه خلقاً وفصولاً، فالمسألة الأكثر أهمية بنظر المسؤولين التربويين تتمثل في جعل طلائع البعث هم القادة للدولة والمجتمع، وصولاً إلى (شبيبة الثورة) فالحزب القائد، وكل ما عداها من حشو ليس مهماً.

ولا يكتف عباقرة التربية بذلك؛ بل يبحثون في المناهج الغربية ويجلبونها دون أي بنية تحتية ممكن أن تساعد المدرس والطالب على الاستيعاب، ويخرجون كل يوم بتعداد انتصاراتهم على الجهل والتخلف، حتى أن مدير المناهج العامة كان خريج كلية البيطرة وليس له علاقة بالتربية.

الدكتور معتز ناصر أخصائي العظام أكد أنه من المهم أن يكون حجم الحقيبة المدرسية متناسباً مع حجم الطالب؛ فثقل الحقيبة وحملها بطريقة غير صحيحة له تأثيرات سلبية في العمود الفقري، ويسبب اعوجاجاً فيه وتحدباً في المنطقة الرقبية والظهرية، أما حملها على كتف واحد، أو جرّها بوساطة العجلات، فمن الممكن أن يسبب انحناء وتقوساً جانبياً للعمود الفقري واختلالاً لتوازن الجسم. مشيراً أن مراحل النمو عند الإنسان تمتد منذ ولادته وحتى العشرينيات من عمره، أي حتى نهاية فترة التحصيل العلمي، وخلال هذه الفترة هناك مرحلة تسمى مرحلة النمو السريع، وحمل الطالب لأي ثقل من الأثقال في هذه المرحلة قد يؤثر سلباً في الجهاز الحركي عنده، ويسبب العديد من التشوهات، ويؤدي إلى ظهور جيل قزم.

حول هذا الجيل المتقزم قامت وزارة التربية بدراسة على صفوف الأول والثاني والثالث والرابع من مرحلة التعليم الأساسي، وتبين أن الوزن المثالي يجب ألا يتعدى 12 إلى 15% من وزن التلميذ، ويجب أن تكون الحقيبة أكبر من ظهر الطفل وملتصقة بشكل كامل بظهره، وألا تكون كبيرة الحجم حتى لا يضع فيها الطالب حاجات غير ضرورية، وألا تحتوي على جيوب كي لا يضع فيها الطالب أوزاناً زائدة.

وأشارت الدراسة إلى ضرورة أن يكون متوسط وزن الحقيبة وهي فارغة 500غ في مرحلة التعليم الأساسي من الصف الأول وحتى الرابع، أما وزنها وهي ممتلئة فيختلف حسب كل صف ومتطلباته من دفاتر أنشطة ودفتر نهاري 100 صفحة، فمثلاً إذا كان وزن التلميذ في الصف الأول الابتدائي 22.456 كغ فإن وزن حقيبته وفق المعايير العالمية هو 3.135 كغ، أما للصف الثاني الابتدائي فيجب أن يكون متوسط وزنه 25.290 كغ ومتوسط وزن الحقيبة وفق المعايير العالمية 3.694 كغ، وفي الصف الثالث نجد أن متوسط وزن الطفل 27.600 وحقيبته وفق المعايير العالمية 3.735كغ، أما متوسط وزن طالب الصف الرابع فهو 30.941 ووزن حقيبته 4.64 كغ.

وقد برر مسؤولي التربية عدم التطابق مع ما وصلت إليه الدراسة، والتي تختلف بشكل كبير عن الواقع، حتى تصل إلى ضعف الحجم، حيث ادعوا أن ذلك يعود لعدة أسباب منها وجود أكثر من مقلمة وعلبة ألوان أو مسطرة ومطرة ماء وعلبة أو كيس للسندويش والفواكه وكنزة أو جاكيت، وأن بعض الطلاب لا يتقيدون بالبرنامج المدرسي فيصطحبون معهم دفاتر وكتباً إضافية، وأكثر من دفتر نهاري، وقد يتركون دفتر الرسم والموسيقا في الحقيبة بشكل دائم، ويتحمل الأهل جزء من المشكلة عند شراء الحقيبة غير المناسبة. مسؤولي التربية وضعوا أخطاء مناهجهم وطرقهم في الحمل المضاعف للحقيبة على الأهل وعلى المدرسين الذين لا يرشدون الطلاب بشكل صحيح لما يجب أن تحتويه الحقيبة التي تسبب الخلل والضعف في أجسام الطلبة الصغار، متناسين أن مناهجهم لا تتناسب مع الواقع السوري بشيء، والأهم ألا يكون أي اقتباس أو معلومة أو قصيدة شعرية تتعلق بالمعارضين في الخارج.

وفي دراسة جريئة قامت بها الصحة المدرسية في السويداء وشملت 190 مدرسة في الحلقتين الأولى والثانية، واستهدفت 37500 طالب بعد شكاوى الأهل من الحقيبة المدرسية، حيث تم التركيز على سؤالين فقط: هل الحقيبة المدرسية ثقيلة؟ وهل تشكو من آلام عند حملها؟. وبعد الفرز واعتماد 35300 ورقة تبين أن نسبة 83.42% من الطلاب حقيبتهم ثقيلة، ونسبة 58.7% لديهم آلام متنوعة، والعدد الأكبر كان من صفوف الحلقة الأولى أي من الصف الأول إلى السادس والذي بلغ عددهم 21600 طالب.

وخرجت الدراسة بتوصيات تركزت على مراعاة وزن ومساحة الحقيبة المدرسية مع عمر الطالب، وضرورة توجيه الطالب ماذا يضع في حقيبته وكيف يحملها، أما الأمر المهم فهي قيام مدير المدرسة بتوجيه المعلمين لوضع برنامج يومي يراعى فيه توزيع المواد، والتنبيه على عدم إحضار الكتب التي لا يحتاجها الطالب في المدرسة.

ومع حصول الدراسة العملية على جائزة، إلا أن كل ذلك يذهب أدراج الرياح مع وصول وزير جديد للتربية، حيث يقتحم سوق تغيير المناهج ليزيد حصة الكتب المطلوبة، وكلها على حساب الحصص الترفيهية والفنية التي تنمي مواهب الطلاب وتحمي عقولهم من التشوه.

ملاحظة لا بد منها: دخلت وزارة التربية في سوق التعليم التفاعلي والذي يستخدم فيه التقنيات التكنولوجية الحديثة دون أي وجود لبنية تحتية قادرة على ذلك، خاصة من حيث البناء والأدوات والشبكة، وحتى المدرس، فخسرت الطالب والمعلم، وربحت جيلاً غير قادر على الاستيعاب ومليئاً بالأمراض الجسدية والنفسية، ما يؤهله لكي يكون جيل الحرب ببراعة، فهل تعلم القيادة الحكيمة أن معدلات التسرب من المدارس على أشدها، وأن طلابها يحملون السلاح الأبيض كل يوم، ومنهم من أدخل المسدسات إلى المدرسة؟! وهل باتت المدارس سوقاً لتصريف المخدرات، أم أنها جزء من اللعبة التعليمية القادمة؟.

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع