fbpx

أطفال سورية في مرمى رصاص العنصرية السياسية اللبنانية

 

 

كيف لتغريدة من وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل أن تشعل ناراً في هشيم عنصرية بعض اللبنانيين، لتحرق اللاجئين السوريين البسطاء الذين فقدوا المأوى والموارد، وهربوا بحثاً عن أمان لا تقدمه خيم كثير من مخيمات اللجوء في لبنان؟. أليس هذا تحريضاً صريحاً؟. ألا يعرض هذا اللاجئين وأطفالهم وعائلاتهم للخطر، فإن كانت التجاوزات من مسؤول رفيع في الدولة اللبناية، فكيف بالحري من قبل بعض الموالين المشحونين؟.

حوادث لا تنتهي، وفي كل مرة تقوم قائمة الاعلام ليرفع الصوت أمام هذه العنصرية، إلا أن الموضوع أشبه بزوبعة تخمد ما أن تندلع أخرى، لتترك سابقتها وحيدة أمام معاناتها.

آخر قصص الضحايا كانت عن «زكريا خليل شاب سوري يعمل في قهوة بمدينة صيدا وقتلته رصاصة زبون، لتأخره بإحضار فنجاني قهوة للقاتل وصديقه»، ونقلها ناشطون سوريون عن الزميل صخر ادريس. يا للسخرية المريرة!.

وإمعاناً في السخرية من المأساة المتفاقمة تأتي النكتة لتنال من هذه العنصرية، إذ انتشرت في الفترة الماضية نكتة تقول إن «جماعة لبنانية توزع مناشيراً تدعو لطرد السوريين من لبنان، فما كان من بعض السوريين إلا أن سألوهم: هل تحتاجون من يوزع لكم هذه المناشير؟». للأسف. النكتة تحكي الكثير من واقع المرارة الأسود.

إلا أن التأثير الأكبر يبرز في تعامل هذه العنصرية مع الأطفال، إذ شعرت سارة الأم لطفلين (11 عاماً و8 أعوام) باليأس بعد مرور شهور طويلة دون تمكّن ابنيها من الالتحاق بالمدرسة سوى لأيام قليلة، حيث طلبت منهما المديرة المغادرة، لأن أسمائهما غير موجودة  في القائمة التي استلمتها من وزارة التربية اللبنانية، وعندما حاول البكر الاستفسار عن السبب، صفعته وطردته من المدرسة، الأم اللاجئة في البقاع تسأل: «ألا يستحق أن يعرف على الأقل لماذا لا يُسمح له بالذهاب إلى المدرسة. حاولت تسجيلهما في مدارس أخرى من دون طائل، كان ابني طالباً جيداً من قبل، لكنه لا يتذكر جدول الضرب الآن، ولا يستطيع ابني الأصغر القراءة حتى!».

هذه واحدة من القصص التي وردت في دراسة (لبنان: موظفو المدارس يضربون الأطفال) صدرت مؤخراً في مايو/أيار الماضي 2019 عن منظمة هيومن رايتس ووتش تتحدث عن سوء المعاملة من قبل المدرسين اللبنانيين بحق الاطفال في المدارس بشكل عام، وتم تحديد الأطفال السوريين اللاجئين بأنهم الأكثر عرضة لسوء المعاملة التي تصل الى الضرب والتعنيف اللفظي والجسدي.

 

خارج المدارس

وبالنظر إلى الرقم الإحصائي عن واقع التعليم لأطفال اللاجئين فإن أقل من نصف الأطفال اللاجئين البالغ عددهم 631 ألف طفل يتابعون دراستهم، حيث يدرس في المدارس الرسمية ما يقارب 210 آلاف طفل في المدارس الرسمية المدعومة من المانحين، و63 ألف طفل في المدارس الخاصة، أما حجة بقاء حوالي 300 ألف طفل خارج منظومة التعليم فهي بحسب وزارة التربية اللبنانية تعود إلى «تقييد التسجيل في المدارس، وخفض التكاليف بسبب عدم كفاية التمويل من الجهات المانحة الدولية»، وذلك بحسب تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش» منشور بتاريخ 13 ديسمبر 2018، إذ لم تتمكن المنظمة من تحديد ما إذا كان أي من المانحين الفرديين قد أخفق في تنفيذ أهداف التمويل المتفق عليها، لكنها وثقّت أن الافتقار إلى التمويل الشفاف في الوقت المناسب من الجهات المانحة قوّض هدف وصول الأطفال السوريين اللاجئين إلى التعليم.

كما تأتي بعض الطلبات التعجيزية لبعض مسؤولي المدارس كي يتقدم الأطفال اللاجئون بوثائق لا تطلبها وزارة التربية للتسجيل، مثل إثبات الإقامة القانونية، أو دفع المال مقابل تسجيل أطفالهم، لتزيد المعاناة، حيث وثقت «هيومن رايتس ووتش» عدم امتثال بعض موظفي المدارس الرسمية لسياسات التعليم، ومن الأمثلة أن هددت إحدى المدارس بتسليم عائلة سورية إلى الشرطة في حال أصرّت على الشكوى ضدها، كون العائلة لا تملك إقامة قانونية في لبنان.

 

عن الكرامة ولقمة العيش

وفي ظل عدم التحاق كثير من الأطفال بالمدارس بسبب حجة نقص التمويل، وجد عدد كبير من الأهالي، أن عمل أطفالهم قد يسد زاوية من الاحتياجات الأساسية المفقودة لديهم، رغم الأجرة الضئيلة التي يتقاضها الأطفال، وحجم التعب والساعات الطويلة والإهانات التي يتعرضون لها من أصحاب العمل.

تقول تانيا تشابيسات ممثلة «اليونيسف» في لبنان: «من الصعب جداً التصدي لعمل الأطفال. إذ غالباً ما يكون هذا العمل هو مصدر الرزق الوحيد للأسرة السورية، إضافة إلى الدعم الذي تحصل عليه من الأمم المتحدة، ومن المنظمات غير الحكومية. وما يمكننا أن نقوم به هو التدخل في الحالات القاسية لعمل الأطفال، وأن نطالب بتقليص ساعات العمل، وأخيراً وليس آخراً، أن نجعل من الممكن للأسر السورية أن ترسل أطفالها إلى المدارس؛ بدلاً من إرسالهم إلى العمل في المزارع وفي المواقع الإنشائية».

وقال السوريون الذين رفضت المدارس الرسمية تسجيل أطفالهم لـ هيومن رايتس ووتش: «إن برامج الحضانة التي تديرها منظمات غير حكومية لا يمكنها قبول الأطفال، إما لأن الصفوف قد امتلأت أو لأن أطفالهم قد تخطوا السن المسموح في برامج الحضانة.

وضمن هذا الواقع المفزع الذي يعانيه الأهالي مع تعليم أبنائهم، قرر عدد من السوريين المغامرة والتفكير بالعودة إلى سوريا، رغم المخاطر، وإن آخرين قد غادروا بالفعل رغم المخاوف المتعلقة بالسلامة.

وفي تقريرها الأخير قالت «هيومن رايتس ووتش» إنها لا تملك أدلة على أن السوريين الذين عادوا مؤخراً كانوا مجبرين على ذلك، إلا أن الظروف المعيشية القاسية، نتيجة السياسات اللبنانية التي قيّدت الإقامة القانونية والعمل وحرية التنقل، وضعت كثيراً من الضغط غير المباشر على اللاجئين، الذين يعتقد البعض أنه ليس لديهم خيار سوى العودة إلى بلد يواجهون فيه مخاطر كبيرة.

 

جبران باسيل

يبدو وزير الخارجية اللبناني ممثلاً ممتازاً لخطاب الكراهية العنصري، إذ وصف اللاجئين السوريين بأنهم قوى احتلال، ولم يترك مناسبة أو وسيلة إعلامية إلا وبث سمومه فيها بوجه السوريين، فقال في واحدة من تغريداته على تويتر: «كل أجنبي قابع بأرضنا من غير إرادتنا، هو محتل .. من أي جهة أتى»، وفي كلمته بالاجتماع الوزاري العربي الأوروبي في بروكسل، قال: «إن “مليون ونصف نازح سوري أرهقوا لبنان مادياً بخسائر وصلت إلى 40% من ناتجه القومي، وهم يهددون وجوده بتمزيق نسيجه الاجتماعي».

وأضاف باسيل، في الاجتماع، مخاطباً الأوربيين الذين تقبل بلادهم لجوء السوريين إليها: «إن أزمة النزوح التي تواجهنا سوياً هي أكبر تحد لنا سوياً، … ، والسبيل الوحيد لعدم ذهابهم إليكم هو في عودتهم». وهو تحريض علني على الدفع باتجاه تسفير السوريين إلى بلادهم عنوة؟. إلا أن الرد جاء من “ديفيد بيسلي”، المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، في حديثٍ أمام لجنة خاصة ضمن البرلمان البريطاني، إذ قال: «إن برنامج المساعدات النقدية، التي قُدمت لدعم اللاجئين السوريين في لبنان، قد أنقذ الاقتصاد اللبناني من الانفجار».

“بيسلي” أكد أن فوائد دعم اللاجئين السوريين على الاقتصاد اللبناني كبيرة: «تُستخدم ثلث الأموال المقدمة لشراء المنتجات المزروعة محلياً، والثلث الثاني يُستخدم داخل الاقتصاد اللبناني، بينما الثلث الأخير فقط يأتي على شكل منتجات قادمة من السوق الدولي».

 

أموال اللجوء والاقتصاد اللبناني

أنفق برنامج الأغذية العالمي 600 مليون دولار، بشكل تحويلات نقدية حتى الآن، وتتضمن خططه المستقبلية، حسب “بيسلي” إنفاق 2.2 مليار دولار. كما أن لدى الوكالة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة برنامجاً مماثلأ، مشيراً أن التكلفة المالية لدعم اللاجئ السوري تصل إلى 100 ضعف عن تكلفة دعم السوري المحتاج داخل سوريا، وقال: «دعم السوري في دمشق يُكلف البرنامج 50 سنتاً في اليوم الواحد، مقابل 50 يورو لدعم اللاجئ خارج الحدود».

وفي كانون الثاني 2018 أصدر معهد «عصام فارس» للسياسات العامة والشؤون الدولية، دراسة عن فوائد اللجوء السوري على الاقتصادي اللبناني، حيث أشارت الدراسة أن كل دولار أميركي تم إنفاقه في الاقتصاد اللبناني لدعم اللاجئين السوريين كان له مضاعف اقتصادي؛ يبلغ 1.6 دولار أميركي. أي أن قيمة حزمة المساعدات التي قُدمت للبنان منذ عام 2011 وحتى بداية عام 2017، والتي كانت قيمتها 1.258 مليار دولار قد ضخّت في الواقع 2.01 مليار دولار في الاقتصاد اللبناني.

وأكدت الدراسة؛ أن غياب المخيمات الرسمية للاجئين السوريين، دفع معظمهم للتوجه لاستئجار المنازل في المدن والبلدات اللبنانية، وأن 80 % من اللاجئين السوريين يدفعون قيمة إيجاراتهم بأنفسهم، وقد أنفقوا 378 مليون دولار خلال عام 2016، أي أكثر من 1 مليون دولار يومياً. كما أن أكثر من 87 مليون دولار هي قيمة العقارات التي اشتراها السوريون في لبنان، خلال الفترة نفسها، وهو ما يمثل 14 في المئة تقريباً من قيمة العقارات التي أشتراها الأجانب في لبنان، بالإضافة إلى 73 مليون دولار تم استثمارها في 240 بلدية واتحاد بلديات، في جميع أنحاء لبنان، في العام ذاته، بهدف تعزيز الخدمات، كنوع من الدعم للمساعدة في تحمل أعباء اللاجئين السوريين.

أما فيما يتعلق بالتعليم، ففي شباط 2016، التزم المانحون والبلدان المضيفة للاجئين السوريين بضمان تفادي “جيل ضائع” من الأطفال، وتخصيص 1.4 مليار دولار سنوياً لدعم التعليم، لا سيما في الأردن ولبنان وتركيا.

وفي مؤتمر “بروكسيل”، قدّم لبنان نسخة محدثة عن خطة التعليم الوطنية تحت اسم “الوصول إلى جميع الأطفال بالتعليم II”، 350 مليون دولار سنوياً من دعم المانحين لمدة 5 سنوات، وهو رقم إجمالي يتضمن تكاليف التسجيل في الدوامين الأول والثاني، وغيرها من التكاليف.

تؤكد “ليزا أبو خالد” المسؤولة الإعلامية للمفوضية السامية أن المساعدات النقدية لا تصل إلى كل النازحين بالطريقة نفسها، لأن الإمكانيات المادية محدودة. وتضيف: «حالياً وضمن برنامج المساعدات النقدية نساعد 30% من العائلات اللاجئة. قيمة المساعدة 173 دولاراً شهرياً للفئات الأكثر حاجة، ويقدرون بنحو 280 ألف شخص» وتؤكد أن برنامج الأغذية العالمي يدعم ٦٩٥ ألف شخص بالمساعدات الغذائية. وكل شخص يحصل على مبلغ 27 دولاراً. وثمة نحو ٨٥٧ ألف لاجئ يحصلون على مساعدة بقيمة 370 دولاراً  للتدفئة وغيرها في فصل الشتاء.

كما قدمت المفوضية الأوروبية 580 مليون يورو من التمويل الإنساني للبنان من أجل الاستجابة للأزمة السورية،

وخصصت قطر 50 مليون دولار للنازحين السوريين في لبنان 24/1/2019. إضافة إلى ودائع السوريين في المصارف اللبنانية والمقدّرة ب 20 مليار دولار أمريكي، بحسب صحيفة النهار اللبنانية في عددها بتاريخ 20/4/2017.

 

في مخيمات عرسال

إلا أن كل ما سبق لم يشفع للاجئين، عندما جاء قرار المجلس الأعلى للدفاع اللبناني بهدم المنازل العشوائية ليثير الجدل من جديد حول خطة الرئاسة اللبنانية طرد اللاجئين السوريين والتضييق عليهم، وهو ما اعترضت عليه المنظمات الدولية كونه يشكل خطراً اجتماعياً وإنسانياً على حياة اللاجئين المهددة أصلاً في كثير من جوانبها، خاصة المعيشية، ففي عرسال وحدها هناك 5680 منزلاً بحسب المنظمات الدولية والتي تضم ما يقارب 25 ألف شخص أكثر من النصف منهم أطفال، وقد أمهلت السلطات اللبنانية القاطنين في البيوت البيتونية حتى العاشر من حزيران للإخلاء، ورغم أن الإنذار موجه لأصحاب البيوت البيتونية المخالفة، ولا يشمل الخيام والبيوت الخشبية والبلاستيكية، إلا أنها مقدمة لأحداث قادمة بالتأكيد، فالبيوت البيتونية كانت حتى العام 2015 لا تعتبر مخالفة بحسب رئيس بلدية عرسال، لكنها الآن مخالفة ويجب إزالتها، وهي 1400.

حجة التوطين وراء قرار الهدم، لكن أبو أحمد السوري الذي علا صوته نحو كاميرات الإعلام وهو يقول أمنوا لنا أي مكان ونحن نذهب إليه، لكن إلى أين نذهب، فيما أوضح رئيس البلدية باسل الحجيري بالقول: «إن إزالة المخالفة تتم بطريقة مدروسة دون خلق مآسي إنسانية، وسوف يتم هدم السقف، والجدران حتى مسافة طولية تعادل المتر».

اللاجئين بدأوا بهدم خيمهم على إثر وعود أممية من قبل مفوضية اللاجئين للمساعدة بالأخشاب لكي يعيدوا ترتيب حياتهم من جديد، لكن أحداً لم يحضر، وتقاعس الجميع عن ذلك؟. وقد بات غالبية هؤلاء في العراء. يقول الطفل عمر 12 سنة الهارب من ريف القصير في حمص: «أحلم أن أصبح طبيباً بيطرياً لكي أساعد أهلي، ولكن الآن لا أريد شيئاً سوى العودة إلى قريتي». فهل يبقى آلاف اللاجئين مع أطفالهم في العراء؛ بعد أن لفظتهم الأرض نحو بلاد لم تستطع تحمل وجودهم لأنهم فقط سوريون؟.

 

سامر النجم أبو شبلي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع