أطفال سوريون يزرعون الحشيش في لبنان

المشاهدات: 4408

كريم مشمش – خاص لبنان – أنا إنسان

منذ أربع سنوات وأنا أعمل في زراعة الحشيش في البقاع اللبناني وتحديداً في المناطق الحدودية مع سوريا، حيث لجأتُ إلى لبنان مع أسرتي بعد اندلاع المعارك في سوريا، فعندما وصلت إلى لبنان كان عمري 11 عاماً واليوم أبلغ 15 عاماً، وأعمل مع إخوتي الثلاثة في هذه المزارع تحت إشراف رجل كبير السن ” أبو خليل ” الذي  يمتلك أكبر حقول زراعة الحشيش، في الواقع لسنا وحدنا في هذا العمل ففي نفس المنطقة التي نسكن فيها يوجد معنا 19 عائلة سورية وجميع أطفالهم يعملون في حقول الحشيش بأجر يترواح بين 2 – 4 دولار في اليوم الواحد وأحياناً أقل، وجميع العائلات تسكن في الخيم وكل خيمة موجودة في أرض مختلفة ومهمتها زراعة الحشيش ومراقبة الأرض و خدمة أصحاب الأرض أحياناً.

 

صورة طفلين سوريين يعملان في احد مزارع البقاع اللبناني

هذا جزء من حكاية محمد ( اسم مستعار) حيث استطعنا الحصول على تفاصيلها بعد انتظار طويل له حيث أتى لزيارة أقرباء له خارج المنطقة التي يتم فيها زراعة الحشيش، كون دخولنا إلى مناطق زراعة الحشيش وإجراء لقاء معه يعتبر من المستحيل ويعرض حياتنا للخطر، وقد استطعنا الدردشة معه لوقت قصير فقد كان خائفاً أن يعرف أحد أننا نجري لقاءً صحفياً معه، وخلال حديثنا معه طلبنا منه معرفة أوضاع المقيمين هناك وهل يتم تهديدهم أو إجبارهم على العمل حيث يتابع (محمد) قائلاً: لايوجد إجبار من أحد على هذا العمل نحن نعمل بكامل إرداتنا، ووالدي على علاقة جيدة بأصحاب الأرض وقد رفض طلبنا عدة مرات في الذهاب إلى المدرسة، لكن هناك بعض العائلات تم تهديدهم بالترحيل إلى سورية بعد أن حاولوا الخروج والانتقال إلى مخيمات البقاع اللبناني التي تقع خارج سيطرة أصحاب الأراضي وجميعهم رضخ للتهديد ومازال يتابع عمله حتى اليوم، أما من ناحية التعامل فهي معاملة عادية حيث تصلنا مساعدات الأمم ولا ندفع ثمن إيجار الخيم التي نسكن فيها ولا فواتير الكهرباء كما يحدث في باقي المخيمات، لكن بالمقابل العمل شاق ومتعب جداً، وقد اعتاد بعض الأطفال تدخين الحشيش وهم لم يتجاوزوا سن 13 أو  14 عاماً”.

قصة محمد هي عنوان لحالة استغلال من قبل مزراعي الحشيش في مناطق تتبع سيطرتها لمجموعات مسلحة خارج سيطرة الدولة اللبنانية،  حيث تستغل ضعف قدرة الدولة اللبنانية على بسط نفوذها على كامل الشريط الحدودي، والمؤلم بالأمر أن النسبة الأكبر لديهم من الأطفال، أغلب هؤلاء الأطفال من اللاجئين السوريين ويوجد هناك أطفال لبنانيون لكن بنسبة بسيطة، والمؤسف أيضاً أن عمل هؤلاء الأطفال يتم برضى ذويهم، ونسبة قليلة جداً تلك التي تعمل رغماً عنها.

صورة لاطفال سوريين من مخيمات البقاع اللبناني

أما نسبة الأطفال السوريين العاملين في زراعة الحشيش فلا توجد احصائية رسمية نستطيع الاعتماد عليها، فضلاً عن أننا لا نمتلك الجرأة للدخول وتعداد الأطفال، ومن خلال اعتمادنا على مصادر داخل منطقة بعلبك قبلت أن تتعاون معنا بشرط عدم ذكر اسمها أكدوا لنا أن عدد الأطفال السوريين في منطقتهم فقط يتجاوز 300 طفلاً سورياً وهذا الرقم مجرد إحصاء مبدأي قابل للزيادة.

حزب الله اللبناني وهو أحد الأحزاب التي حصلت على عدد من المقاعد في المجلس النيابي الذي تم انتخابه مؤخراً ويشارك في تأليف الحكومة المقبلة في لبنان ويمتلك قوة عسكرية يعتبرها البعض أنها تفوق قوة تسلح الجيش اللبناني، فحزب الله هو أكثر المتهمين في حماية تلك المناطق التي تتم زراعة الحشيش فيها بحسب ما صرّح المحامي (نبيل الحلبي) مدير مؤسسة لايف المختصة بتوثيق الانتهاكات حيث يقول:” المناطق التي تتركز فيها زراعة الحشيش في لبنان كما هو معروف هي مناطق حدودية مع سورية وهذه المناطق بالكامل تحت سيطرة حزب الله بالتعامل مع مجموعات مسلحة لها نفوذ وسيطرة على مناطق ( بعلبك – الهرمل) حيث تتركز أغلب الأراضي التي تزرع فيها المخدرات، وقد استطاعت الدولة دخول هذه المناطق وإتلاف وحرق الكثير من مزارع الحشيش بناءً على رغبة دولية وأمريكية بشكل خاص، لكن  بعد مشاركة حزب الله في القتال في سورية واعتماده على هذه المناطق كونها حدودية واستخدامها كخطوط للدخول إلى سورية لم تستطع القوى الأمنية اللبنانية الدخول مرة أخرى إليها ولم تعد قادرة على مصاردة وإتلاف مزارع الحشيش.

أمّا عن نسبة الأطفال السوريين اللاجئين الذين يتم استخدامهم في زراعة الحشيش، يقول الحلبي:” ليس لدينا احصائية واضحة عن عدد الأطفال لكن يتم نقل عشرات الأطفال من اللاجئين السوريين عبر شاحنات من مخيمات اللجوء إلى مناطق زراعة الحشيش يومياً، حيث يقوم الأطفال بعمليات القطف بالإضافة إلى مشاركتهم في عمليات التوضيب في المصانع لقاء أجر زهيد لا يتجاوز 1000 ليرة لبنانية (أقل من دولار واحد) ومن ثم تتم إعادتهم عبر الشاحنات إلى مناطق تواجد مخيمات اللاجئين في مناطق بعلبلك الهرمل، وهي مناطق تخضع لمجموعات تعمل على تجارة المخدرات”.

ويتابع الحلبي:” مؤسسة لايف أصدرت في حزيران 2015 تقريراً عن الانتهاكات التي يتعرض لها اللاجئون السوريون في لبنان وكان هناك باب خاص عن انتهاكات الأمومة والطفولة ومن ضمنها استغلال الأطفال في زراعة المواد الممنوعة ومنها الحشيش، وهذه المجموعات كما ذكرنا تتمتع بحماية حزب الله حيث مارست استغلالاً كبيراً بحق الأطفال السوريين، وقد استغلت وضع اللاجئين الغير قانوني بعدم امتلاكهم أوراق قانونية نتيجة وضع الحرب واللجوء، وكونها مناطق لا تخضع لسيطرة الدولة وبالتالي لايمكن للدولة القيام بمداهمات لتلك المناطق وملاحقة اللاجئين الذين لا يمتلكون أوراقاً نظامية مما جعل أغلب اللاجئين يفضلون البقاء في تلك المناطق والرضوخ لشروط تلك المجموعات مثل المشاركة في زراعة الحشيش”.

وعن إمكانية إيقاف هذا الاستغلال يؤكد الحلبي أنه لايمكن حالياً إيقاف هذه الظاهرة نتيجة عدم قدرة الدولة على السيطرة على تلك المناطق وعدم قدرتها على إتلاف المزراع أولاً ومنع استغلال اللاجئين ثانياً، وبالتالي تقع المسؤولية على المجتمع المدني من خلال العمل التوعوي ونشر ثقافة عدم الاستغلال.

 

 

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع