fbpx

أيتام سوريون بين فخ الجهل وعجز المنظمات الإنسانية

 

 

محمد فراس منصور

يعيش سومر في مدينة دمشق بحي العمارة، بعد أن فقد أبويه جراء قصف النظام في بدايات الصراع المسلح، وفي بداية الأمر غادر مدرسته بعد أن كان في الصف الخامس الابتدائي، وحاول أن يلتجىء إلى أقاربه الذين استقبلوه، ولكن مع توسع الحرب؛ ازدادت الأعباء، مما اضطره للعمل في محل تصليح سيارات. يقول “سومر”: «لم يكن الراتب مجزياً، ولا يكاد يكون يكفيني، كما أن معاملة صاحب العمل كانت قاسية وجافة جداً، فسيطر الحزن عليّ إلى أن تركت العمل، وحاولت الالتحاق بإحدى دور رعاية الأيتام بدافع من عمي».

ليست قصة الطفل سومر استثناء إذ خلفت الحرب السورية المدمرة؛ جيشاً من الأيتام خارج المؤسسات التعليمية، مما جعلهم هدفاً سهلاً للتجنيد والقتال في المعارك، أو عمالاً في الورش والبسطات المتناثرة مقابل حفنة من مال تسد الرمق. الأمم المتحدة في تقارير عدة أشارت إلى أن أكثر من مليون طفل سوري فقدوا أحد أبويهم، في البلاد التي مزّقتها الحرب، ويخاطرون بأرواحهم كي يعودوا إلى المدارس، فيما أكدت اليونسيف في دراسة نشرت أواخر العام 2016 تحت عنوان “أطفال سوريا التي مزّقتها الحرب يخاطرون بأرواحهم كي يعودوا إلى المدارس” أن أكثر من 1.7 مليون طفل خارج المدرسة، و1.3 مليون طفل آخرين معرّضون لخطر التّسرّب، كما أن أكثر من نصف أطفال سورية اللاجئين في لبنان هم بلا تعليم حقيقي أو يغادرون التعليم بناءً على ما أعلنته هيومن رايس ووتش في تقريرها ” تعثّر جهود إدراج الأطفال السوريين في المدارس”.

تعد سورية  الأسوأ من جهة الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال بحسب تقرير لليونيسيف نشرته في آذار 2017 بعنوان “في الحضيض – معاناة الأطفال في سوريا الأسوأ على الإطلاق”، كما أشارت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقرير عن “توثيق 4226 طفلاً لا يزالون قيد الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري منذ مارس/ آذار 2011 وحتى ديسمبر/ كانون الأول 2017”.

وتشير الأخصائية النفسية نورا نحاس إن “من تداعيات الحرب الدائرة في سورية، هم الأطفال الأيتام ؛ إذ لا يتوفر إلى الآن إحصاء دقيق على اعتبار أن الصراع لا يزال دائراً في سوريا”. واقترحت نحاس كحل لهذه المشكلة؛ أن تتطوع الأسرة المستقرة بضم طفل سوري إليها، للتخفيف من الآثار الكارثية الناجمة عما خلفته الحرب، لأن ما تقوم به جمعيات الأيتام غير كاف، ولا يسد الثغرات، فالأطفال يتجهون نحو التسول أو الجريمة، مما ترك أثار نفسية عميقة لدى الأطفال، وقالت موضحةً أن ما يزيد من تأزم وضعية هؤلاء الأطفال، هو “عدم تخصيص الرعاية النفسية والصحية لهم، وترك بعضهم يواجه مصيره بنفسه، كما لو كان مسؤولا عن موت أوليائه، وحرمانه من عاطفة الأم، التي لا يمكن في أي حال من الأحوال تعويضها، وحنان الأب ورعايته المادية والنفسية له”.

كما أعلنت اليونيسيف في دراسة أخرى لها في شباط 2018 أن 85% من الأطفال السوريين في المجتمعات المضيفة في الأردن يعيشون تحت خط الفقر، وبينت الدراسة أن 94% ممن هم دون الخامسة، يعانون من فقر متعدد الأبعاد، وهم محرومون من الحد أدنى من الاحتياجات الأساسية الخمسة وهي: التعليم والصحة والمياه والصرف الصحي والحماية والسلامة.

باسل هيلم عضو منبر الجمعيات السورية، (وهو منبر يضم 50 منظمة سورية) قال لـــ أنا إنسان: «زرنا عدداً من المخيمات في الجنوب التركي، وتفاجئنا بواقع مرير جداً، وقد زرت مخيم “أيدمان” الذي يضم 15 ألف شخص شمال “غازي عنتاب”، وكانت أغلب النساء أرامل، ويوجد عدد كبير من الأطفال الأيتام. وبعد إحصاء قمنا به في جولاتنا؛ وجدنا هناك حوالي 300 ألف أرملة، وكل أرملة لديها طفلين أو ثلاث، وهنا نتحدث عن 600 ألف يتيم».

ويؤكد هيلم أن هناك تقصيراً واضحاً بهذا الخصوص و«نحن أمام نكبة مجتمعية كبيرة، وعلى أهل العقل والحكمة العمل لسد هذه الثغرة»، وعبرَّ هيلم عن قلقه وتخوف الجمعيات الأهلية السورية من الآثار التي قد تنتج عن فقدان كثير من الأسر للمعيل، مما يعرض الأطفال الأيتام لخطر الإتجار بالبشر أو العنف الإجتماعي المتزايد، أو التنمر من أقرانهم، مما يعرضهم لصدمات نفسية قد يصعب علاجها في المدى القصير.

مئات ألاف الأطفال الأيتام يدفعون فاتورة الحروب والمواجهات المسلحة المستمرة في سورية مرتين، مرة عندما يفقدون آباءهم، ومرة أخرى عندما لا تستطيع المؤسسات الحكومية والأهلية المتخصصة استيعابهم، الأمر الذي يجعل معاناة اليتيم لا تتوقف عند فقدان الأب أو الأم، وإنما تمتد طوال الحياة.

أما سومر فلم تطل إقامته في دار الأيتام، فهذه الدور مكتظة، وخدماتها تكاد تكون في حدها الأدنى، ما جعل الطفل الصغير يلتحق بمجموعة من الأطفال المتسولين، ويداوم بشكل شبه يومي في حديقة الجاحظ حيث أدمن شم غراء “الشعلة”.

 

 

 

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع