fbpx

إدلبيات.. يقدن الحافلات إلى مناطق النظام

المشاهدات: 292

نهى الحسن

تنطلق السيدة نجاح (٤٠ عاما) من معرّة النّعمان في الصّباح الباكر تقود سيارتها الأجرة لتجمع الركاب المتوجهين إلى مناطق النظام، مبادرة منها في كسب الرزق وإعالة أبنائها الستّة بعدما فقدت معيلها في ظلّ الحرب الدائرة.

ففي ظاهرة جديدة من نوعها، شهدت منطقة إدلب وريفها قيادة المرأة للحافلات باتجاه مناطق النّظام، حيث يقلن الموظفين والموظفات وغيرهم ممن يضطرون للذّهاب إلى مناطق النظام، سواء لقبض رواتبهم أو لإخراج الأوراق الرسميّة والثبوتية كدفاتر العائلة أو الهويّات الشخصيّة أو جوازات السفر وغيرها فضلا عن طلاب الدراسة.

“حدثت هذه الظاهرة بالتزامن مع غياب الرجل الذي بات في معظم الأحيان مهدّدا بالاعتقال من قبل الحواجز الأمنيّة لسبب أو لآخر” تقول نجاح موضّحة بأنّ النساء أقلّ عرضة للاعتقال من قبل الحواجز الأمنيّة الممتدة على طول الطريق.

ثمان سنوات من الحرب كانت كفيلة بتغيير نمط حياة المرأة السورية، فبعدما كانت تعيش وسط أسرتها وتنحصر مهمتها بالاعتناء بشؤون زوجها وأبنائها، أو بمنصب أو وظيفة تشارك بها في بناء المجتمع، أصبحت مضطرة لتحمّل أعباء عدّة فقط لتوفير لقمة العيش لها ولأبنائها بعدما فقدت معظم النساء معيلها لتصبح الأبّ والأمّ معا.

إيمان العلي (٣٩ عاما) من ريف إدلب سائقة لإحدى سيارات الفان المحمّل بالركّاب إلى مناطق النظام تتحدث لـ “أنا إنسان” عن جانب من معاناتها مع هذه المهنة الشاقّة قائلة: “أخرج باكرا كلّ يوم تاركة أطفالي الخمسة أصطحب الركّاب وأمضي مسرعة لأحجز دورا بين طوابير السيارات التي تقف أمام الحواجز الأمنيّة لعدّة ساعات، يتمّ من خلالها تفييش الهويّات الشخصيّة وتفتيش السّيارات” وتتساءل إيمان بحزن وامتعاض: “إلى متى سيظل الوضع كذلك؟ لم نعد نحتمل”.

ينتاب كثير من السائقات الشعور بالإحباط جراء استمرار الحرب وغياب بوادر حلّ الأزمة في البلد، حيث لجأن إلى مزاولة هذه المهنة الشاقّة كخيار وحيد أمامهن، خاصّة من ليس لديها وظيفة أو عمل آخر تلجأ إليه.

من جهتها، تتحدّث أم حسن (٤٢ عاما) من أهالي إدلب عن الظّروف التي أجبرتها لمزاولة مهنة قيادة الحافلات فتقول “بعدما كنت أعمل مدرّبة في إحدى مدارس تعليم قيادة السيّارات للمرأة في إدلب، تمّ استهدافها في إحدى الغارات الجويّة، فأغلقت المدرسة وليس لدي وظيفة أو أي عمل آخر أستطيع القيام به لأعيل أبنائي التسعة بعدما فقدت زوجي، إلا مهنة قيادة السيارة ونقل الركاب وعلى الرغم من الواقع المتعب الذي نعيشه إلا أنّ أملنا بالله كبير”.

لم تسلم هؤلاء النسوة من نظرة المجتمع الناقدة، فهنّ برأي البعض يخرجن عن عادات وتقاليد المجتمع الإدلبي المحافظ الذي يرفض قيادة المرأة للسيارة، ويعتبرها مهنة خاصة بالرّجال لاسيما في ظلّ الوضع الرّاهن، حيث يصعب تنقّل المرأة من منطقة إلى أخرى مع وجود الحواجز الأمنية المكثفة.

أبو رفعت (٤٠ عاما) من ريف إدلب يعبر باستياء عن رأيه المتشدد في هذه الظاهرة قائلا: “إنّ ما تقوم به المرأة من خلال قيادتها للسيارة إلى مناطق النظام ما هو إلا مخالفة لتقاليد مجتمعنا الشرقيّ، من خلال مخالطتها للرجال وتعرّضها لمضايقات الحواجز الأمنيّة، فضلا عن عودتها المتأخّرة إلى منزلها ليلا بسبب الإجراءات التي يفرضها النظام على الدخول إلى مناطقه أو الخروج منها”.

ويرى البعض أن تجد المرأة بديلا لهذه المهنة التي وصفوها بـ “الخطيرة والتي لا تناسب أنوثتها” وتبحث عن أعمال ومهن تضمن كرامتها وفي السياق تقول مها الخالد (٢٩ عاما) عضو في إحدى منظمات دعم وتمكين المرأة: “تسعى منظمتنا من خلال مشروع تعليم المهن اليدوية كالخياطة والنسيج لتأهيل المرأة وتدريبها، لتستطيع تأمين متطلبات الحياة اليوميّة، بما يحفظ كرامة المرأة وأخذ دورها في المجتمع دون أن تعرّض نفسها للمخاطر”.

في حين يرى البعض الآخر ومنهم أم عامر (٤٥ عاما) إحدى المعلّمات في مدينة كفرنبل أنّ قيادة المرأة للسيّارة بات أمرا طبيعيّا جدا، حيث أنّ معاناة نساء إدلب في الحرب السورية لم تقتصر على ظروف النزوح ومشاعر الخوف من عمليّات القصف، بل تزداد قساوة في ظل انقطاع الخدمات العامة ممّا يدعوهنّ للقيام بمهمّات شاقّة في ظلّ انشغال الرجال بالحرب، مضيفة أنّ المرأة هي نصف المجتمع ويحقّ لها القيادة مثلها مثل الرجل بعيدا عن العادات التقليديّة المتعصّبة.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع