اختفاء منظم للآثار في السويداء … بإشراف حكومي

المشاهدات: 6948

رامي أبو إسماعيل – خاص أنا إنسان

 

بكل بساطة إذا أردت أن تبني عقاراً فوق منطقة أثرية في السويداء ماعليك سوى أن تتوجه إلى مديرية الأثار والمتاحف وتحصل منها على ترخيص رسمي موقّع وفق الأصول، وبعد ذلك تذهب وتردم منطقة العقار الخاص بك بكل ما تحتويه من أثار وبشكل طبيعي دون أي تدخل من أحد، مع اختفاء لكل الآثار التي يُقال أنّه تم ردمها.

هذه البداية ليست مجرد كلام ضمن مادة صحفية، هذا الكلام مثبت بالدليل وبمستندات من مؤسسات الدولة نفسها (مرفقة أسفل هذه المادة)، وسنبدأ بسرد تفاصيل هذه الجريمة المنظمة وفق ما هو متوفر من مستندات.

في تاريخ  23/7/2008 صدر القرار رقم/397/آ عن وزارة الثقافة بدمشق، يقضي بعدم السماح بهدم المباني الحجرية الواقعة في مدينة السويداء القديمة التي تحتوي على آثار قديمة يعود معظمها للعصر الروماني واليوناني بالإضافة إلى منطقة (التلة) التي تقوم عليها الأوابد الأثرية الواقعة ضمنها في عداد المدن التاريخية والمواقع الأثرية.

خلال السنوات الخمس الماضية منحت المديرية العامة للآثار والمتاحف رخص بناء بنسبة 100% وهذا يخالف المادة /3 د/ من قرار التسجيل, وعلى خلفية الرخص الممنوحة لأصحاب العقارات والمقاولين تم هدم الكثير من الأعمدة والقناطر وطمس المعالم الأثرية دون أدنى مراقبة ومحاسبة من قبل الجهات المعنية، في حين يرى المختصون والمهتمون بالآثار أن هذه الرخص مُنحت بشكل غير شرعي في ظل الحديث عن رشاوى بملايين الليرات السورية لأصحاب القرار بشأن الرخص في المواقع الأثرية لم يتسنَ لنا التّأكد من صحتها.

صورة من الاثار الرومانية في محافظة السويداء خلال عملية الردم

 

 

 

 

أثارت الرّخص الممنوحة في المناطق الأثرية بالسّويداء موجة استياء وانتقاد لمديرية الأثار، وبدأت تنتشر معلومات عن تلقي رشاوي بملايين الليرات مقابل كل ترخيص بناء، ونتيجة لذلك شكَّل رئيس مجلس محافظة السويداء بتاريخ 12/3/2018 لجنة لكشف واقع الرخص الممنوحة ومطابقتها مع الأنظمة والقوانين النافذة، وتكونت هذه اللجنة من 8  أعضاء من مجلس المحافظة وتتكون من : (صورة قرار تشكيل اللجنة مرفق بالمادة)

السيدة سهى الجرماني (رئيسا)ً

السيد بسام الشاطر (عضواً)

السيد أيمن أبو حلا (عضواً)

السيد بسام قطيني (عضواً)

السيد ابراهيم طحطح (عضواً)

السيد لؤي صعب (عضواً)

السيد كنج خيو (عضواً)

السيد معن نصار (عضواً)

ومهمتهم الكشف عن العقارات الأثرية الواقعة بجانب دوار المشنقة وسط السويداء وكيفية منح الرخص فيها، حيث باشرت اللجنة عملها بعد أيام من قرار مجلس المحافظة تقرر فيه إجبار مديرية الآثار إيقاف منح التراخيص في الأماكن الاثرية وإيقاف عمليات الصب والحفر بهذه العقارات التي منحت لها تصاريح البناء ريثما تنتهي مهمة اللجنة.

احد العقارات التي تم بنائها فوق المعالم الاثرية في محافظة السويداء

وقد صُدِمَت اللجنة بكمية الأبنية التي تم بناؤها فوق أهم المناطق الأثرية، وبعد ختام الجولة الميدانية على المواقع الأثرية قدَّم أعضاء اللجنة تقريراً مفصلاً عن مخالفات الأبنية بالمناطق الأثرية وأكدَّ معدّو التقرير أنَّ الرّخص الممنوحة على العقارات في دوار المشنقة مخالفة لقرار تسجيل مدينة السويداء لكون دائرة الآثار منحت رخص بنسبة 100% عدا عن موافقات لبناء طابق ثاني ضمن هذه العقارات، حيث تم ردم كل الآثار فضلاً عن اختفائها وعدم معرفة مصيرها.

تقرير هذه اللجنة أوضح الكثير من الانتهاكات بحقّ الآثار وأرفق المخالفات ووثقها بأرقام العقارات والرخص الممنوحة في الأماكن الاثرية، ( مرفق صور بالمادة صور من العقارات التي أُعطي ترخيص لها فوق الاثار) وبدلاً من فتح تحقيق في الموضوع جاء ردّ من مديرية الآثار والمتاحف يعتبر عمل هذه اللجنة غير قانوني ضمن كتاب صادر عنها بتاريخ 18 / 3/ 2018 جاء فيه :” إن اللجنة المشكلة بالقرار المذكور أعلاه يخالف نصاً وروحاً قانون الآثار رقم ٢٢٢ لعام ١٩٦٣، ولاسيما المادة الثانية منه التي تنص على أنه: للسلطات الأثرية وحدها الحق والصلاحية بتقدير المواقع الأثرية والمباني التاريخية وما يجب تسجيله من مواقع أثرية، لذلك هذا القرار جاء مخالفاً لأحكام قانون الآثار لأنه أوكل مهمة تبيان الصفة الأثرية للجنة لا تملك هذه الصلاحية، فتبيان الصفة الأثرية محصور فقط بالسلطات الأثرية، ومن هذا نستنتج أن ما جاءت به اللجنة يعد باطلاً لأنها خالية من العناصر الأثرية، وهذا ما نوهنا به سابقاً، لأنه كان من المفترض بمعدّ قرار اللجنة ألا يغفل البيت الشرعي للمواقع الأثرية كي لا نصل إلى ما وصلنا إليه من ثغرات سجلت على اللجنة”.

 

بعد هذا الكتاب الذي صدر عن مديرية الآثار والمتاحف، جاء كتاب آخر من وزير الثقافة الحالي في الحكومة السورية كان من المتوقع أن يكون مسانداً لعمل اللجنة التي كشفت التجاوزات، إلا أن الكتاب استعجل بطلب إلى محافظ السويداء بإلغاء عمل اللجنة بحجة عدم صلاحيتها القانونية في كشف الصفة الأثرية بغطاء من المادة الثانية من قانون الآثار رقم (222) والتي تنص على “حصر المشرع بالسلطات الأثرية وحدها صلاحية تقرير الأشياء والمباني التاريخية والمواقع الأثرية وما يجب تسجيله بالآثار” بحسب ما جاء بكتاب وزارة الثقافة, وبالتالي ألغى محافظ السويداء عمل اللجنة وأندفن تقريرها في درج مكتب محافظ السويداء مع كل التجاوزات التي تم توثيقها من قبل اللجنة.

الجميع يعلم أن سورية أصبحت ساحة مفتوحة للجميع، وأن تراثها وتاريخها بمعظمه يتم نقله خارج البلاد ولم يعد بالإمكان إيقاف نزيف بيع تاريخنا للآخرين و(تدمر) أكبر مثال حاضر أمامنا، والأمل يبقى على أشخاص مثل أعضاء هذه اللجنة التي تم طي قرارها ووضعه في أدراج النسيان، هم وأمثالهم الوحيدون الذين مازالوا يحاولون الحفاظ على ما تبقى من هذا الوطن.

 

 

 

صور المستندات المتعلقة بالمادة 

قرار وزراة الثقافة بمنع تراخيص البناء في المناطق الاثرية 1

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع