اطفال بلا نسب … يملؤون شوارع دمشق

المشاهدات: 1317

مها عبد الكريم – دمشق – خاص أنا إنسان 

تتذكر أمينة كيف جاء صوت قريبها على الهاتف “اعتقلت الأم و”تركت الطفل ذَا الأسبوع الواحد و لم نعرف احدا من أقربائه”

الطفل الرضيع الذي قاده القدر إلى أيدي أمينة السيدة ذات الأعوام الستين لترعاه وتعتني به بعد اعتقال والدته على نقطة القطيفة أحد نقاط التفتيش العسكرية بريف دمشق في أيلول عام 2015 أثناء تنقلها بسرفيس مدني، العسكري الذي نادى الوالدة لأنها مطلوبة لم يكترث لكلام السائق الذي أخبره بأن الطفل الصغير الذي تركته لا أقارب له في السرفيس ولا أحد يعرف شيئا عن الأم المعتقلة الذي وضعته بين يدي السيدة الجالسة في المقعد المجاور لها، بل على العكس تماما انهال على السائق والركاب بالشتائم لتدخلهم بما لا يخصهم.

لم تعرف أمينة ماذا ستفعل بالطفل فالحياة لم تحضرها لتكون أما في نهاية سنواتها الخمسين، لكنها استطاعت تربية الطفل بعد أن اختارت له اسم “عبد الرحيم” لان لله هو صاحب الرحمة فقد أرسله إلى أم محبة تقوم برعايته وكأنه ابنها الذي لم تلده يوما.

بدأت أمينة رحلة البحث عن والدة الطفل عام 2016 وحاولت جاهدة الوصول الى ضباط حاجز القطيفة لتعرف اسم الأم المعتقلة في ذاك اليوم، وبعد محاولات كثيرة لم تخل من الإهانات ودفع مبالغ من المال تم التعرف على الموقوفات في ذاك اليوم وتم حصر اسم الأم بخيارين، كما بحثت عن اسم السائق الذي استطاع تذكر الحادثة بعد معاناة طويلة وأخبرها عن المكان الذي  صعدت الأم المعتقلة منه إلى السرفيس، فقامت بإرسال أخبار عديدة للمنطقة التي حدثها عنها السائق كما حاولت البحث في السجون والأفرع الأمنية عن الأم، لكنها وبرغم جهودها لم تتمكن من معرفة أي معلومة تقودها لوالدة عبد الرحيم.

يتقاسم عبد الرحيم المعاناة مع العديد من الأطفال مجهولي النسب في سورية هم ليسوا أبناء زنى بل هم أطفال شرعيون فرقتهم الحرب عن ذويهم، أثناء الصراع والنزوح الاعتقال والضياع وربما لصغر سنهم الذي منعهم من الدلالة على أهلهم وقد يكونوا أبناء لأمهات كن ضحايا اغتصاب في ظل الحرب الدائرة وبالتالي أصبح من الصعب إثبات نسبهم.

مع ارتفاع عدد الاطفال فاقدي النسب وعدم وجود احصائيات دقيقة تقدر عددهم، يواجه هؤلاء الأطفال صعوبات عديدة أبرزها عدم حصولهم على قيد في السجل المدني نتيجة لظروف الحرب وخاصة في المناطق الواقعة خارج سيطرة الحكومة السورية وبالتالي عدم قدرتهم على دخول المدارس او الجامعات ما سيؤدي إلى حرمانهم من التعليم أو العمل لاحقا في وظائف ضمن مؤسسات حكومية أو خاصة.

يتم تسجيل الطفل مجهول النسب وفقا للقانون الخاص بالأحوال المدنية السوري بعد تسليمه إلى “وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل” التي تنظم له شهادة ولادة ويسجل في السجل المدني بعد أن يقوم أمين السجل المدني باختيار اسم له ولكل من والديه واسم جد ونسبة له دون أن يذكر أنه لقيط في الوثائق التي تمنح له، ويعتبر عربيا سوريا مسلما ما لم يثبت خلاف ذلك ويعتبر بحكم اللقيط الطفل مجهول النسب ولا يوجد من يقوم بإعالته شرعا إضافة إلى الطفل الذى يضل الطريق ولا يملك المقدرة للإرشاد عن ذويه لصغر سنه أو ضعفه العقلي أو لأنه أصم أبكم ولا يحاول أهله استرداده.

وبعد تسجيلهم في السجل المدني يتم تحويله إلى دار للرعاية تتولى مهمة العناية بهؤلاء الاطفال حتى يتموا الثامنة عشر عاما، كمعهد “لحن الحياة” لرعاية الأطفال (زيد بن حارثة للقطاء سابقاً) في دمشق الذي يدخله ثلاثة أطفال شهرياً ممن هم دون سن الثالثة عن طريق مخافر الشرطة في مختلف المناطق السورية بحسب مصادر في المعهد الذي يؤوي قرابة 130 طفلا منذ بداية الحرب عام 2011,وبحسب “وزارة الداخلية” السورية فإن عدد الأطفال مجهولي النسب من بداية الحرب وحتى عام 2017 بلغ نحو 284 طفلا فقط 36 طفلا منهم هم نتيجة علاقة غير شرعية لكن هذا الرقم هو لأطفال تم تسجيلهم في السجل المدني عن طريق أسرة وقعت على عقد الحاق او تم تحويلهم إلى دار الرعاية لكن لا يمكن معرفة بقية الاطفال الذين لم يتم تسجيلهم في السجل المدني، فضلاً أن هذا الرقم لا يتطابق مع اعداد الاطفال المنتشرة دون نسب في شوارع مدينة دمشق.

 

قد يختار من يجد أي طفل مجهول النسب ان يربيه وبسبب عدم وجود نظام التبني في القانون السوري فان “وزارة الشؤون الاجتماعية” المسؤولة عن هؤلاء الاطفال تنظم (عقد كفالة) بينها وبين العائلة الكفيلة، ولكن كل هذا ضمن شروط شبه مستحيلة كأن تكون عائلة لزوج سوري من دون أطفال لديها سكن ودخل مناسب. هذه التعقيدات منعت أمينة من تسجيل عبد الرحيم فلو أرادت تسجيله في السجلات المدنية سيتم أخذ الطفل منها إلى دار الرعاية وستحرم منه.

القاضي الشرعي الأول محمود معراوي أكد لنا ضرورة إصدار قانون مجهولي النسب الذي تتم مناقشته حاليا، والذي جمع أحكام مجهولي النسب الموزعة بين عدة قوانين كالقانون المدني والاحوال الشخصية والأحوال المدنية في قانون واحد أعطى امتيازات لمجهولي النسب وذلك بتوفير كل أساليب الرعاية لهم.

لكن مشروع القانون قوبل بهجوم شديد من أعضاء مجلس الشعب حين تم عرضه عليهم منذ قرابة العام فبعضهم اعترض على إعطاء الجنسية السورية للأطفال الناتجين عن جهاد النكاح بحسب تعبيرهم “كيف نعطي الحقوق لطفل لا أحد يعرف نسبه الحقيقي”، واعترض بعضهم الآخر على إعطاء مجهول النسب حقوقا بموجب هذا القانون تفوق حقوق الطفل معروف النسب على حد وصفهم.

بعد مضي أكثر من عامين بقي مصير الأم مجهولا ونسب عبد الرحيم غير معروف، سيكبر عبد الرحيم ليواجه مصيرا محفوفا بالمخاطر كغيره من أطفال سوريين حرمتهم الحرب من عائلاتهم وسلبتهم أحلاما كبيرة.

المؤلم ان شوارع دمشق بدأت تغص بالاطفال المشردين نتيجة الحرب، النسبة الاكبر منهم هم من مجهولي النسب او فاقدي الاوراق الثبوتية وفاقد الاهل، جيش يكبر كل يوم مع قدوم العائلات الهاربة من نار الحرب المشتعلة، دون اي حل ودون اي رؤية ولو منظورة لمصيرهم، نحن فعلياً امام كارثة تكبر لتصبح مع الايام معضلة يصعب حلها، قد يكون هؤلاء الاطفال وقودا لحرب قادمة، او ارضاً خصبةً لاي تنظيم متطرف يملك المال والقدرة على جذبهم ليتحولوا من ضحايا الى مجرمين نحن كنا السبب في اجرامهم نتيجة اهمالنا لهم ورميهم دون حل في وشوارع وازقة دمشق التي انتشروا بها ويزداد انتشارهم كل يوم.

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع