الصيدليات العشوائية.. تنتشر في إدلب دون رقيب

المشاهدات: 1848

سونيا العلي

كاد الطفل أحمد يفارق الحياة بعد لجوء والديه إلى إحدى الصيدليات رغبة بالحصول على الدواء المناسب لحالته، ولكن خطأ بائع الدواء تسبب بتدهور حالة الطفل الصحية .
عائلة الطفل أحمد من الكثيرين الذين وقعوا ضحية افتتاح الصيدليات المخالفة التي تدار من قبل أشخاص ليسوا صيادلة ولا يمتون لمهنة الصيدلة بأية صلة، الأمر الذي كان له أثره السلبي المؤدي إلى نتائج كارثية لم تحمد عقباها على صحة الأهالي .
أبو أحمد من ريف إدلب الجنوبي يتحدث لأنا إنسان عن معاناته قائلاً: “أصيب ولدي البالغ من العمر ستة أشهر بالزكام، وعند عرضه على الصيدلي الموجود في قريتنا الصغيرة التي تخلو من الأطباء والمشافي وصف لنا دواء خاطئاً أدى إلى ازدياد مرضه، وإصابته بذبحة إنتانية، فقمنا بإسعافه إلى المشفى، حيث بقي تحت إشراف الأطباء حتى استقرار وضعه الصحي .”
اكتشف أبو أحمد بعد تلك الحادثة أن بائع الدواء لم يكن سوى ممرض تعدى على مهنة الصيدلة لجني الأرباح، لذلك ينتقد ظاهرة الصيدليات المخالفة التي يعتبرها استخفافاً بحياة الناس لتحقيق الأرباح المادية، ويضيف: “ما كان الأمر سيمر بسلام لو أن مكروهاً حدث لولدي، ولكن اعتذار الصيدلي وكونه أحد أبناء القرية هو ما منعني من تقديم شكوى ضده .”
الصيدلي الأكاديمي بديع الحاكورة من معرة النعمان يتحدث عن أسباب انتشار الظاهرة بقوله: “الفلتان الأمني جعل أي شخص يمتلك خبرة ولو بسيطة بمجال الأدوية يعمد إلى فتح صيدلية، إضافة إلى قيام طلاب كلية الصيدلة الذين لم يكملوا دراستهم بممارسة المهنة، أو الممرضين الذين يكون لديهم معرفة بأسماء بعض الأدوية، علماً بأنهم لا يتقنون اللغة الانكليزية، وغير ملمين بالتركيبات والاختلاطات الدوائية والآثار الجانبية للأدوية .”
ويلفت الحاكورة إلى أن تفاقم انتشار الظاهرة جاء نتيجة هجرة الكفاءات العلمية من أطباء وصيادلة إلى خارج البلاد بسبب الحرب، الأمر الذي جعل من النادر وجود صيدلاني مختص يمارس عمله في الشمال المحرر، إضافة إلى قلة فرص العمل، وانتشار ظاهرة تأجير شهادات الصيدلة مقابل مبالغ مالية فضلاً عن انتعاش سوق تزوير شهادات الصيدلة .”
الطبيب أيمن صفية من جبل الزاوية يقول: “التعامل مع الأدوية يجب أن يكون دقيقاً حتى لايصبح سماً قاتلاً عند حصول أي اختلاطات، فالأطباء يصفون الأدوية للمرضى بعد الكثير من الفحوصات والتحاليل المخبرية، ومراعاة الوزن والعمر، والصيدليات المخالفة تبيع الأدوية عشوائياً مايؤدي إلى أخطاء جمة قد يقع فيها بائعو الدواء دون الأخذ بالحسبان وجود أدوية تتشابه بالاسم ولكنها تختلف اختلافاً كلياً بالمفعول والخصائص، كما أن البعض لاينتبه إلى مدة صلاحية الدواء وضرورة فحصه قبل إعطائه للمرضى.”مؤكداً أنه اضطر لإجراء عدة عمليات غسيل معدة لمرضى تناولوا دواء خاطئاً لجهل عامل الصيدلية بصرف الوصفة، لذلك أصبح يطلب من المرضى إحضار الدواء بعد صرفه من الصيدلية للتأكد من صحته، وتجنب صرف دواء قد يودي بحياة المريض .
أبو عدنان من قرية تلمنس بريف إدلب يشتكي من افتتاح الصيدليات العشوائية وعن سبب ذلك يقول:” اشتريت دواء لمعالجة عيني المصابة بالتحسس، وبعد استعماله للمرة الأولى لاحظت غباشاً في عيني وحرقة شديدة، وبعد مراجعة الطبيب، أكد بأنه تم صرف دواء خاطئ، وهو لمعالجة الالتهابات الجلدية بدلاً من الدواء المناسب .”
أما الأكثر خطراً فهو قيام الكثير من القائمين على الصيدليات المخالفة ببيع الأدوية المخدرة التي لا يمكن صرفها إلا بموجب وصفات طبية من قبل الأطباء، وبذلك أصبحت تجارة الأدوية المخدرة ظاهرة رائجة في عموم المناطق المحررة، وامتهن عدد من التجار بيعها مستغلين عدم وجود رقابة على أصناف الدواء التي تدخل السوق من حيث نوعها وجودتها وفاعليتها .
الشاب وليد العوض من بلدة جرجناز بريف إدلب أدمن على الحبوب المخدرة بعد تعرضه لحادث سير بتاريخ ١٣/٨/٢٠١٧ وعن معاناته يتحدث والده بقوله: “تعرض ولدي لبتر في أصابع اليد اليمنى، واستئصال جزء من الأمعاء، لذلك قام طبيبه بوصف بعض الأدوية المخدرة بعناية لتخفيف الألم، وبعد فترة من الزمن بدأ أخي يزيد جرعات تناولها من حبتين في اليوم إلى ثمان حبات، وكان الصيدلي يزوده بالأدوية باستمرار دون وصفة طبية، وبعد فترة أصبح يعاني من نوبات صرع تجعله يكسر كل ما تقع عليه عينيه حين ينقطع الدواء عنه .”مشيراً إلى قيامه بقطع الدواء المخدر عن ولده، وعرضه على طبيب مختص دون أن يشفى من إدمانه بعد .
أبو جابر من ريف معرة النعمان الشرقي افتتح مستودعاً لبيع الأدوية يتحدث لأنا إنسان عن عمله قائلاً: “٧٠ بالمئة من الأدوية في إدلب يتم تهريبها من  مناطق سيطرة النظام، و٣٠ بالمئة تكون تركية الصنع، ما أسفر عن ارتفاع وتفاوت في سعر الأدوية، وافتقاد الصيدليات لأنواع كثيرة من الأدوية لا تتوافر غالباً إلا في مناطق سيطرة النظام، الأمر الذي جعل بعض تجار الأدوية يتحكمون بأسعارها.”
بهدف تنظيم عمل الصيادلة وأمام خطورة هذا الوضع قامت مديرية الصحة الحرة في إدلب بوضع خطة عمل لمعرفة الصيدليات المخالفة المفتوحة دون إدارة صيدلي فيها، إضافة للصيدليات ومستودعات الأدوية غير المرخصين.
الطبيب علاء أحمدو مدير قسم الرقابة الدوائية في مديرية صحة إدلب يتحدث لأنا إنسان عن الإجراءات التي تم اتخاذها لضبط عمل الصيدليات قائلاً: “قمنا بتوجيه إنذارات للصيدليات المخالفة للسماح للصيادلة بتسوية أوضاعهم وترخيص صيدلياتهم وفق الشروط والقوانين التي تم وضعها من قبل مديرية الصحة، كما قمنا بإغلاق عدد من الصيدليات بالشمع الأحمر بالتعاون مع إدارة مدينة إدلب والجهات التنفيذية فيها .”
في ظل ظروف الحرب القاسية التي يعيشها الأهالي في إدلب وغياب آلية الرقابة الدائمة على عمل الصيدليات أصبحت الصيدليات المخالفة وسيلة قتل إضافية تهدد حياة الأهالي بالخطر، وتؤثر سلباً على الواقع الصحي المتدهور أصلاً .

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع