اللاجئون السوريون في لبنان … بين التهديد والعنصرية والترحيل

المشاهدات: 286

كريم الزهري 

الأصوات تتعالى في لبنان على الصعيدين السياسي والاجتماعي، ضمن موجة تصاريح إعلامية ادلى بها العديد من المسؤولون اللبنانيون، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية السيد ميشال عون، الذي حمَل اللاجئين السوريين في لبنان تبعات التدهور الاقتصادي الذي تشهده البلد، وفقاً لعون “إن اللاجئين السوريين في لبنان قد تسببوا بخسارة الميزانية العامة مبالغ مالية ضخمة تُقدَر بحوالي تسعة مليارات دولار أمريكي”، و دعا إلى عودة اللاجئين إلى بلادهم بأسرع وقت، حيث أصبحت هناك الكثير من المناطق الآمنة التي تستطيع استقبالهم، بينما ارتفعت حدة الجدال منذ بداية العام الحالي بين وزير الخارجية جبران باسيل ومفوضية الأمم المتحدة، التي اتهمها باسيل بتخويف اللاجئين من العودة، وردت المفوضية بأنها تقوم بعملها الطبيعي باستخدام نفس الأسلوب في لبنان، والذي تعمل وفقه في جميع البلدان التي يتواجد فيها اللاجئون حول العالم.

في العام 2017 أدت التسوية بين حزب الله وجبهة النصرة إلى عودة حوالي سبعة آلاف لاجئ من عرسال إلى ادلب “تحت سيطرة المعارضة”، رغم أن معظمهم ينتمي إلى منطقة القصير في ريف حمص “المفرغة من سكانها منذ 2013” والقلمون في ريف دمشق “التي سيطر عليها النظام في العام 2015″، بينما أكدت مفوضية اللاجئين بأن عملية الترحيل تمت دون التنسيق معها، وبعدها عاد عدد قليل من اللاجئين إلى بلداتهم في القلمون بوساطة من طرف حزب الله اللبناني، وفي العام 2018 عاد حوالي خمسمئة لاجئ سوري من منطقة شبعا اللبنانية عبر معبر المصنع الحدودي إلى بلدتهم بيت جن في ريف دمشق بعد سيطرة قوات النظام عليها وخروج قوات المعارضة، أما في الأشهر القليلة الماضية، خرجت الدفعة الأولى من مهجري القلمون من عرسال إلى بلداتهم عبر بوابة وادي حميد “منفذ غير رسمي” ويقدر عددهم بين 350-450 شخص، حيث أفادت المديرية العامة للأمن العام اللبناني بتقدم حوالي ثلاثة آلاف لاجئ بطلبات العودة، قامت بتقديم أسمائهم إلى النظام السوري الذي يقوم بدراسة ملفاتهم تمهيداً لعودتهم، حيث يُشترط عدم عودة المنشقين عن النظام أو الأفراد الذين شاركوا في القتال ضده أو المطلوبين، تزامناً مع استصدار القانون رقم 10 في سوريا، الذي تطلب من خلاله السلطات من المواطنين التقدم بأوراق إثبات ملكياتهم، كما عادت دفعة من اللاجئين تقدر بالمئات إلى منطقة ريف حمص الشمالي بعد خروج قوات المعارضة منها إلى إدلب، بينما تستعد الدفعة الثانية من اللاجئين للعودة في الأيام القليلة القادمة، كما حدثت بعض حالات العودة الفردية و من دون تنسيق مع السلطات على معبر العريضة الحدودي شمال لبنان.

شهد مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت عدة حالات منع لدخول سوريين، كانوا قد خرجوا من لبنان في السنوات السابقة، كما يتم منع عودة للاجئين المعاد توطينهم في أوروبا عن طريق الأمم المتحدة لمدة خمس سنوات، ويتم فرض قيود على عودتهم إلى لبنان، كما يتم منع عودة اللاجئين المسافرين عبر المطار ممن دخلوا إلى لبنان بطريقة غير شرعية من سوريا بشكل دائم. على المعابر الحدودية مع سوريا فرضت السلطات اللبنانية مجموعة من الشروط التي من شأنها استبعاد القادمين من سوريا بغرض اللجوء، وذلك عن طريق فرض إجراءات مكلفة نسبياً مثل إمكانية الدخول تحت بند امتلاك أو استئجار عقار في لبنان، أو الدخول بغرض السياحة مع اشتراط حجز فندقي ومبلغ نقدي يتم معاينته من قبل إدارة المدخل أقله ألفين دولار أمريكي، ولعل الشرط الأسهل إجرائياً هو الدخول عن طريق بطاقة نقابية تثبت أن القادم يمارس عملاً في سوريا يقتضي عودته ضمن مدة لا تزيد عن شهر، كما يمكن دخول الطلاب السوريين المسجلين في الجامعات اللبنانية بعد اثبات تسجيلهم ودفع أقساط الدراسة المرتفعة الكلفة. في الحالات السابقة يُعطى القادم إقامة مؤقتة بمدة زمنية تتناسب مع سبب الدخول لا تتجاوز غالباً الخمسة عشر يوماً، وفي حال رغبة القادم بالتواجد لمدة أطول فعليه التقدم إلى طلب إقامة جديدة والخوض في إجراءات أكثر تشدداً.

بالنسبة للإقامات للسوريين المتواجدين في لبنان، فإن السوري بحاجة إلى كفيل لبناني ودفع مبلغ مالي بدل إقامة ستمئة دولار أمريكي بالإضافة إلى اثبات سكن، أو استصدار الإقامة بناء على استئجار عقار وتعهد بعدم العمل، أو عبر اثبات التسجيل في مفوضية الأمم المتحدة مع دفع مبلغ نقدي مئتي دولار أمريكي، وتشهد مراكز الأمن العام اللبناني تفاوتاً في الإجراءات بين مركز وآخر، وقد تستغرق مدة استصدار الإقامة وقتاً يتراوح بين شهر وستة أشهر.

طالب وزير الخارجية جبران باسيل بتصنيف اللاجئين تمهيداً لعودتهم إلى بلادهم، وهذا من شأنه التضييق على اللاجئين أصحاب الموارد المحدودة لإجبارهم على العودة في أسرع وقت، بينما يتم منع السوريين من العمل في لبنان إلا ضمن مجالات الزراعة والبناء والتنظيف، في ظل عدم تمكن عدد كبير منهم على تسوية أوضاعهم وتجديد اقاماتهم بسبب الشروط المكلفة، كما قطعت المفوضية نسبة كبيرة من المساعدات التي كانت تقدمها في السنوات الماضية للاجئين على شكل بطاقات تغذية وتدفئة، بسبب نقص التمويل وتزايد الضغوطات عليها من قبل السلطات لتخفيف الدعم للاجئين بطريقة لا تشجعهم على البقاء.

في ظل الفراغ الحكومي الحالي في لبنان والتجاذبات السياسية بين جميع الأطراف، تظهر مسألة اللاجئين السوريين كأداة بيد بعض الأطراف التي تدفع نحو عودة العلاقات بشكل كامل مع النظام في سوريا، بينما يتمسك الطرف الثاني بضرورة العودة الآمنة للاجئين إلى بلدهم تحت رعاية مفوضية اللاجئين وتنسيق دولي، الأمر الذي يتطلب توافر العوامل الملائمة لذلك، والذي يحاول بعض السياسيون تجاهله تحت مبرر التخلص من الضغوطات التي يتسبب بها اللاجئون للدولة اللبنانية.

إن ارتفاع موجة الأفعال العنصرية من قبل بعض اللبنانيين بحق الأجانب، وقيام بعض البلديات بمنع تواجد السوريين فيها، وارتفاع حدة التصريحات من قبل المسؤولين من شأنها زيادة الضغط على اللاجئين والمواطنين اللبنانيين على حد سواء، مع استمرار تجاهل الأسباب الحقيقية لأزمة اللجوء والازمة الاقتصادية في البلد المضيف، التي صرح مكتب الدراسات في الجامعة الامريكية في بيروت بقيام اللاجئين السوريين بالتخفيف من آثارها، حيث أدت موجة اللجوء إلى استحداث اثنا عشر ألف وظيفة جديدة في لبنان ودعم قطاع العقارات عبر المبالغ الكبيرة التي يدفعها السوريون من استئجارهم لها، مما يظهر عدم رغبة الجهات الرسمية بتبني موقف إيجابي من اللاجئين وتضخيم أعدادهم بشكل مبالغ فيه، بينما تؤكد المفوضية على تراجع عدد اللاجئين في لبنان إلى أقل من مليون، ويصر البعض على تقديرهم بما يتخطى ضعف هذا العدد، مع تحميلهم لتبعات مشاكل تعاني منها الدولة لأسباب غير مرتبطة بتواجد اللاجئين على أراضيها.

 

 

 

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع