fbpx

المدرسون في إدلب بين واسطة المديرية «الحرة» وظلم «النظام»

المشاهدات: 515

 

 

بعد فصله من وظيفته التي كانت تشكل المصدر الأساسي لدخله، يضطر المعلم أحمد التناري لاستدانة المال لإطعام أولاده، حيث تتراكم عليه الديون، بعد أن وجد نفسه دون عمل؛ باعتباره لا يتقن مهنة سوى التدريس، فبات واحداً من مئات المعلمين الذين صاروا عرضة للفقر والبطالة.

معاناة أحمد القاطن في معرة النعمان يتحدث عنها لأنا إنسان بالقول: «بعد خدمة خمسة عشر عاماً في الخدمة؛ يكافئني النظام بفصلي من العمل بسبب عدم التحاقي بالخدمة الاحتياطية. وفي الحقيقة أن راتبي الشهري كان يتم توزيعه على الحواجز الأمنية التابعة للنظام السوري، المنتشرة على طول الطريق الواصل بين إدلب ومدينة حماة، عدا عن المضايقات التي كنت أتعرض لها مع زملائي من قبل عناصر الحواجز». وينوه أحمد بأن ما يتبقى من الراتب بالكاد يكفيه لأيام قليلة، ليعود للاستدانة حتى نهاية الشهر، أما المدرسون الذين لازالوا على رأس عملهم، فهم يتبعون لوزارة التربية في النظام السوري، ويتقاضون أجورهم من محافظة حماة كل ستة أشهر.

“غالية” مدرسة رياضيات في إحدى مدارس ريف معرة النعمان الشرقي، تتقاضى راتبها من مديرية التربية في النظام السوري، وتشكو من قلته وغلاء تكاليف الذهاب والإياب إلى حماة، وانقطاع الطرق في كثير من الأحيان، وعن ذلك تقول: «بعد تحرير محافظة إدلب بالكامل، أصبحنا نذهب إلى حماة لنحصل على الراتب، علماً أن دخل المدرس لايمكن أن يكفي الحاجات الأساسية للحياة اليومية، إذ يبلغ معدل الراتب الوسطي حوالي 30 ألف ليرة سورية (حوالي 50 دولار أمريكي)، وهو لا يتناسب مع موجة الغلاء التي تجتاح حياتنا»، تبين بأنها تلجأ إلى الدروس الخصوصية، والساعات الإضافية لتحسين مستوى معيشة أسرتها.

ويتعرض بعض المدرسين في إدلب وريفها للاعتقال أثناء توجههم إلى مناطق سيطرة النظام السوري لقبض رواتبهم، فـ عدنان العمر من ريف سراقب، تم اعتقاله على أحد حواجز النظام، وأكد بأن المرور على حواجز النظام المنتشرة على طريق مدينة حماة رعب حقيقي للمعلم الذي يغامر للحصول على راتبه، حيث أصبحت تلك الحواجز لا تميز بين مطلوب وبريء، كما لا تميز بين امرأة أو رجل.

ويضيف العمر: «توجهت بتاريخ 20/2/2018 لقبض راتبي من مدينة حماة، فقامت قوات النظام باعتقالي بتهمة أنني مطلوب للأمن العسكري، وبعدها تم تحويلي إلى السجن المركزي في مدينة حماة، لأظل فيه خمسة أشهر، حيث أطلق سراحي بعد أن دفع أهلي مبلغ 5 ملايين ليرة لبعض الوسطاء المتعاملين مع النظام»، مؤكداً أنه انقطع بعدها عن الذهاب، وتوقف راتبه الذي يعد مصدر الدخل الوحيد له ولعائلته، فتوجه للعمل في الأعمال الحرة ليؤمن قوت يومه.

في الوقت الذي تواصل فيه مديرية التربية التابعة للنظام إرسال كشوف فصل للمعلمين في المناطق المحررة بتهمة التعاون مع الإرهابيين على حد وصفهم، تعجز التربية الحرة عن احتواء كل المدرسين التابعين للنظام، كما تعجز عن تقديم الخدمات لكامل مدارس المحافظة.

مصطفى الحاج علي مدير الإعلام في تربية إدلب الحرة يتحدث لأنا إنسان عن أعداد المدرسين في إدلب بقوله: «مطلع عام 2011 كان عدد الموظفين في مدارس إدلب حوالي 30 ألفاً؛ موزعين على 1446 مدرسة، ثم بداية عام 2012 بدأ النظام بإصدار قرارات فصل جماعية بحق من وقفوا مع الثورة السورية. تم افتتاح مديرية تربية إدلب الحرة منتصف عام 2013، وقد قامت بتوظيف 6000 مدرس يتقاضون رواتبهم بدعم من المنظمات، فيما بقي حوالي 5000 مدرس يتقاضون رواتبهم من تربية النظام، أما من يعملون بشكل تطوعي فيقدر عددهم 4000 مدرس، إضافة إلى وجود عدد من المدرسين يعملون في المدارس الخاصة التي تقوم منظمات بإدارتها».

أبو عدنان من بلدة تلمنس بريف إدلب؛ ترك وظيفته لدى تربية النظام، وتقدم بطلب توظيف للتربية الحرة، وعن معاناته يتحدث لأنا إنسان: «خضعت لمسابقة في تربية إدلب الحرة، ورغم نجاحي فيها لم يتم تعييني، لأن التوظيف عادة يخضع للمحسوبية».

وفي السياق تتكفل بعض منظمات المجتمع المدني بتقديم الدعم للمدارس والمجمعات التربوية في إدلب، ودفع رواتب المعلمين، فيما يعمل عدد كبير منهم بشكل تطوعي دون أي أجر، حيث يعيش المعلمون الذين يعملون بشكل تطوعي ظروفاً صعبة في ظل الغلاء الفاحش في الأسعار.

أما محمود العبيد من معرة النعمان مدرس للغة العربية، فيتقاضى راتبه من مديرية التربية الحرة، وعن الصعوبات التي تواجهه يقول: «عملنا رهن المنظمات وتوقيع العقود، علماً أن العقود التي يتم تجديدها مع المدرسين هي لمدة تسعة أشهر كل عام، حيث يحصل كل منا على مبلغ 120 دولار أمريكي شهرياً، لكننا لا نتقاضى أي مبالغ مالية خلال فترة العطلة الصيفية التي تدوم ثلاثة أشهر».

وليد القاسم من بلدة جرجناز فيعمل بشكل تطوعي منذ سنتين، لذلك يضطر للعمل بعد دوامه في محل تجاري لبيع الأدوات المنزلية لقاء راتب شهري، ويبرر ذلك قائلاً: «قبلت بالعمل التطوعي بدافع أخلاقي لإرضاء ضميري، وحتى لا يمر بي العمر بلا فائدة، ولكن الأوضاع المعيشية سيئة للغاية، لذلك نحتاج لتوفير لقمة العيش».

لا يعاني المعلمون من الفقر فحسب، بل من فقدان الهيبة والاحترام أيضاً، نتيجة عدم إيلاء الاهتمام الكافي بالمعلمين ودورهم الوظيفي الهام، بالإضافة لانتشار ثقافة الفساد والمحسوبية والواسطة في ظل عدم قدرة المعلمين على مواجهة هذه الآفات المجتمعية، كما أن الطالب الذي يرى معلمه يعمل في مهنة أخرى غير التعليم، ينظر له بازدراء، ويقلل من شأن العلم، ويترك الدراسة ولا يضيع وقته في التعليم، في الوقت الذي ازدهرت فيه مكانة المعلم في العديد من الدول، بل كانت أحد أسرار تقدمها، تتراجع مهنة التعليم في سوريا، فكانت النتيجة عزوف الكثير من الشبان عن الالتحاق بالمهنة، وتفضيل المهن الأخرى التي تضمن دخلاً مادياً يساعدهم على مواجهة متطلبات الحياة اليومية، والحفاظ على كرامتهم.

 

سونيا العلي

 

 

 

 

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع