fbpx
أخبار

المعاناة مع الدواء في سوريا حرب من نوع آخر

سجلت الصناعة الدوائية في سوريا تراجعاً كبيراً بعد توقف العديد من المعامل، وفقدان المتبقية منها للعاملين المؤهلين، فيما جاءت هجرة نسبة كبيرة من الأطباء، والصيادلة لتزيد من مشكلات هذا القطاع الذي شهد تردياً واضحاً من ناحية الخدمات.

في تقرير لها قالت منظمة الصحة العالمية أنّ أكثر من 11.3 مليون سوري بحاجة إلى مساعدة صحية، منهم 3 ملايين شخص تقريباً يعيشون في مناطق محاصرة أو يصعب الوصول إليها، وأكدت المنظمة الدولية أنها سلمت منظمة الصحة العالمية 14 مليون معالجة طبية إلى المحتاجين في عام 2017، منها 3 ملايين معالجة تم تسليمها عبر الحدود.

وأكدت المنظمة في تقريرها على النقص الحاصل في الكادر الطبي، حيث أعادت المنظمة تأهيل ستة مراكز صحية أولية في أربع محافظات، وأعادت تجهيز مستشفى واحد في حلب، وقسم الطوارئ بمستشفى المواساة للإحالة في دمشق في عام 2017، ودرّبت منظمة الصحة العالمية العام الماضي أكثر من 27 ألف عامل صحي.

 

أهم الأدوية التي شهدت نقصاّ

ومع الوضع الصحي السيء الذي يعاني منه عموم السوريين، ترافق ذلك مع نقص كبير ببعض صنوف الأدوية الهامّة، نتيجة قلّة انتاجها من جهة، وضعف استيرادها من جهة ثانية، وللحديث حول ذلك يقول الصيدلاني سمير أحمد (اسم مستعار): “منذ بدء الثورة السورية بدأت مستودعات الأدوية تشهد طلباً على بعض أنواع الأدوية، مقابل قلّة بالإنتاج المحلي، حيث بدأ الكثير من أصحاب معامل الأدوية بالهرب خارج البلاد وإغلاق معاملهم”، ويضيف: “وعندما اتجهت الأحداث للعسكرة أكثر، أصبح تأمين الدواء للصيدليات وخصوصاً تلك التي تقع في مناطق المعارضة، أمراً خارجاً عن القانون بنظر الدولة، مما تسبب بنقص حاد بكثير من الأدوية الهامّة في تلك المناطق”.

ويؤكد أيضاً أنّ تجّار الحرب استغلوا الأمر ليبدأوا تجارتهم المشبوهة بالدواء بين مناطق النظام والمعارضة بتسهيل من بعض القيادات داخل النظام، حيث بدأوا ينقلون كميات من الدواء إلى مناطق المعارضة مقابل أن تتضاعف أسعارها لمرّة وأحيانا تتضاعف لمرتين.

وعن أنواع الأدوية التي شهدت النقص قال: “أهم الأدوية كانت أدوية القلبية، والضغط والسكري، ومواد التخدير عموماً، إضافة لأدوية الأمراض المزمنة مثل مرض السرطان، أو أمراض الكلى وغيرها”.

وأشار أن الطريقة الوحيدة لتأمين الدواء هي الاستعانة بمنظمات دولية أو متبرعين من خارج البلاد، وذلك لتأمين أهم صنوف الأدوية المفقودة بمناطق المعارضة حينها، وعلى الرغم من الفترات الزمنية الطويلة التي كانت تتطلبها العملية، حسب وصفه، إلا أنّها كانت الطريقة الوحيدة.

أما مناطق النظام وبحسب الممرض “يوسف” (اسم مستعار)، فقد شهدت نقصاً مماثلاً لكنّه أقل حدّة، حيث فقدت بعض أدوية القلب والسرطان، وبعض الأدوية التخديرية، وبعض الأدوية الخصّة بالأمراض العصبية، بينما كانت البدائل المتوفرة من شركات الإنتاج المحلية هي الحلّ الوحيد، على الرغم من شكوى قلّة فاعليتها مقابل الأدوية التي كانت تتوفر سابقاً.

 

قلّة فاعلية الدواء السوري

أصبح الدواء المنتج في سوريا هو الحلّ الوحيد، مع وجود عقوبات اقتصادية تمنع دخول الدواء الأجنبي إلى البلاد، وحتى الدواء المتوفر يعتبر بديلاً عن الدواء الذي كان متوفراً في وقت سابق، وعن هذا يتحدث “منير” (اسم مستعار)، وهو أحد مرضى القلب ويقول: “أصبحت اليوم استعمل بديل البديل للدواء الذي كنت استعمله سابقاً، وقد اضطر الطبيب تغيير دوائي لمرتين بعد فقدان الدواء الأصلي في الصيدليات”.

ويضيف: “لم أعد أتذكر اسم دوائي حتى، نتيجة التغييرات التي تطرأ على الأسماء التجارية للمستحضرات، فكلّ مدّة يقول لي الصيدلاني بأنّ الدواء نفسه لكن الاسم تغير، ويعطيني البديل، وتختلف الأسعار بشكل طفيف بين كل دواء وآخر”.

وكان قدّ بلغ عدد الشركات الدوائية في سوريا قبيل الحرب 79 شركة، كانت تغطي حاجة السوق المحلية في 2010، وتصدر بنسبة 27.3%  إلى 37 دولة، بإنتاج 78 معملًا، تغطي معامل حلب بمفردها نسبة 50% من احتياجات السوق الدوائية، وذلك حسب مركز “فيريل” الألماني للدراسات

من جهتها قالت نقيب صيادلة سورية الدكتورة “وفاء كيشي” في حديث لصحيفة تشرين: “أنّ الدواء المنتج محلياً يضاهي الدواء الأجنبي من حيث الفعالية، والدواء المهرّب غير آمن”، لافتةً إلى أنّ جميع أصناف الدواء للأمراض المزمنة متوافرة باستثناء بعض الأصناف السرطانية وبعض اللقاحات.

أيضاً وردت تصريحات لمدير صحة السويداء “حسان عمرو”، نقلتها صحيفة “الوطن” في تقرير لها، “أن الأدوية المصنعة محلياً كانت تصدر لأكثر من 80 دولة وهي أدوية فعالة وأي ملاحظة حول أي دواء يمكن توجيهها إلى الوزارة التي تقوم بمراقبة وتحليل ودراسة جميع الأنواع الموجودة مطالبا الصيادلة الالتزام في عمل صيدلياتهم”.

 

الدواء المهرّب حلّ مؤقت

الطبيب “يوسف” (اسم مستعار)، هو طبيب أمراض نسائية، مقيم في دمشق، يقول: “فقدنا الثقة الكبيرة في الدواء المنتج محليّاً منذ فترة دويلة، ووجدنا بعض شركات الأدوية تسعى للربح فقط من المنتجات، بغض النظر عن فاعلية الدواء أو أعراضه الجانبية، لذلك وجدنا ببعض الأدوية الأجنبية التي يتم توفيرها بالأسواق أفضل البدائل المتوفرة، على الرغم من غلاء أسعارها ببعض الأحيان”

ويضيف: “حاول جاهداً أنّ اتجاهل صرف الأدوية المهربة للمرضى، لكن لم أعد قادراً على تحمل شكوى المرضى من قلّة فاعلية الدواء، فالمريض غالباً يرى المشكلة بسوء تقدير الطبيب وليس بسوء منتج الدواء”.

وينتشر الدواء المهرب بمعظم الصيدليات، حيث يتم تأمينه غالباً من لبنان أو تركيا، ونقله عن طريق بعض الأشخاص المتعاملين مع قوات النظام بشكل أو آخر إلى مستودعات الأدوية، التي تعمل على توزيعها بشكل بسيط إلى الصيدليات.

وشرح الطبيب “يوسف” أنّ الصيدلاني عادةً يتشبث بوجود الدواء المهرّب لديه نتيجة نسبة الأرباح الكبيرة من جهة والطلب الكبير عليه، وخصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة من جهة ثانية، إضافة لضعف الرقابة أو التغاضي عنه من قبل الجهات الرقابية لمعرفتها المسبقة بأنه الحلّ الوحيد الناجح أحياناً.

 

أسعار الدواء تضاعف عدة مرّات

ترواحت نسب الزيادة على أسعاره بين 40 إلى 600%، حسب الصيادلة في عدة مناطق، ويعزو الصيدلاني “سمير الأحمد”، سبب ارتفاع أسعار الدواء لنقص الكثير من المواد الرئيسية في صناعة بعض المستحضرات الطبية، ويأتي ذلك نتيجة العقوبات الاقتصادية على البلاد.

ويضاف إلى ذلك، بحسب “سمير”، تحكم المهربين بأسعار الدواء المهرّب، إضافة لضعفاء النفوس الذين يستغلون حاجة سوق الدواء لكثير منها، ونتيجة لشح المصادر، يضطر المريض لدفع الثمن مهما بلغ.

ويتحدث “سمير” أيضاً إلى أنّ ارتفاع سعر صرف الدولار كان له أثر كبير أيضاً على أسعار الأدوية، فمن غير المنطقي –بحسب سمير- صرف الدواء اليوم بذات القيمة التي كان عليها الدولار قبل تسع سنوات، أي ما يعادل 50 ليرة سورية.

ويأكد في حديثه أيضاً أن الارتفاع الذي شهدته الأدوية جاء على أربعة مراحل بدءاً من عام 2012، واستمر حتى العام الفائت حين كان آخر تجديد للأسعار المنبثقة من وزارة الصحة ونقابة الصيادلة، إلا أنّه غالبا لا يلتزم معظم الصيادلة بالأسعار المدونة على الدواء والتي تعتبر الأسعار الرسمية له.

ويشير إلى أنّ وجود المئات من الصيدليات غير المرخصة، وعدد كبير جداً ممن امتهنوا مهنة الصيدلة كان له أثر بارز في عمليات التلاعب بالأسعار، وجعل الدواء سلعة تباع للمريض، بدون أي رحمة أو شفقة على الحالة الصحية والوضع المعيشي السيء لعموم السوريين.

صيدليات أم دكاكين دواء

انتشرت بشكل واسع الصيدليات التي لا تحمل رخصة عمل في عموم البلاد وخصوصاً في المناطق التي خارج سيطرة النظام السوري، نتيجة غياب الجهات الرقابية عليها، حتى بات من الطبيعي وجود ممرضين أو مخبريين أو حتى أشخاص ليس لهم علاقة بمجال الطب يديرون صيدليات فيها أنواع مختلفة من الدواء ويصرفونه للناس.

الممرض “محمد”، من جنوب سوريا، يتحدث عن تجربته، ويقول: “خلال سنتين تمكنت من ربح مبالغ مالية كبيرة بعد أن افتتحت صيدلية خاصة، بالقرب من أحد المراكز الطبية في منطقتي”، منوهاً أنّه يملك شهادة تمريض حديثة من جامعة اللاذقية، وحصل على خبرته خلال مزاولته العمل في أحد المراكز الطبية الحكومية.

ويتحدث محمد، على أنّ الأمر لم يتطلب منه سوى استئجار شهادة صيدلة من قبل أحد الصيادلة حديثي التخرج، ومكان مناسب وتأمين رأس مال قدره بنحو 5 ملايين ليرة سورية (ما يعادل 8 آلاف دولار بسعر صرف625 ليرة للدولار)، ليبدأ مشروعه بافتتاح صيدلية.

ويقول: “لا يفرق المريض عند شراء الدواء بين الصيدلاني أو الممرض أو حتى أي شخص يصرف له الدواء، فهو فقط يريد صرف وصفته الطبية، بدون أنّ يعلم حتى إذا كان الدواء نفسه المكتوب بالوصفة أو لا، فقد اعتدنا على خط سيء ورموز للأطباء لن يفهمها إلا المتمرس في هذا المجال”.

ويأكد في حديثه أنّه على اطلاع حول عشرات الصيدليات يديرها أشخاص ليس لهم علاقة بالمجال الطبي، وافتتحوا صيدلياتهم فقط للتجارة والربح، مشيراً أنّ الرقابة غائبة وإن ووجدت ببعض المناطق، فيتم التحايل عليها بوجود الرخصة وشهادة الصيدلاني، التي تستأجر شهرياً بنحو 50 ألف ليرة سورية (ما يعادل 100 دولار).

ويبقى الوضع الراهن الأسوأ على مدى السنين الماضية، نتيجة استمرار العقوبات على البلاد التي تمنع توفّر الدواء أو مستلزمات انتاجه من جهة، مما تسبب بشحّ كبير بمعظم الأدوية الهامّة، ومن جهة أخرى استغلال التجّار الدواء المهرب وحتى الوطني لتحقيق المزيد من الربح، على حساب جيوب المدنيين المنهكة أصلاً.

 

خاص- أنا إنسان

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع