fbpx

المنطقة الشرقية على صفيح ساخن وابناؤها الخاسر الوحيد

تنعكس التطورات الحاصلة شرقي الفرات على سكّان المدن والبلدات والقرى، الذين يدفعون ثمن وقوفهم أو عدمه إلى جانب طرف ضد طرف آخر، ونتحدث هنا عن عملية “نبع السلام” التي يقودها الجيشان التركي والوطني التابع للجيش السوري الحر، والتي تهدف لطرد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى مسافة تقدر بـ 35 كم بعيداً عن حدود تركيا، إذ دفعت تلك العملية بـ “قسد” لصبّ جام غضبها على المدنيين الذين لا حول لهم ولا قوة، سواء في مناطق سيطرتها أو قبل انسحابها من قرى تقدمت إليها قوات “نبع السلام” مؤخراً.

وشهدت المنطقة على وقع الأعمال العسكرية، موجات نزوح كبيرة أبرزها من قرى وبلدات رأس العين وتل أبيض باتجاه مدينة الرقة وما حولها، بينما لم يتمكن قسم آخر منهم من النزوح كون (قسد) منعتهم من ذلك محاولة اتخاذهم كـ “دروع بشرية” لها في وجه التقدم البري والجوي التركي إضافة لقوات الجيش الوطني.

مدارس الرقة والحسكة مأوى للنازحين

فضلّت نسبة كبيرة من الأهالي النزوح باتجاه مدينة الرقة كونها بعيدة عن العمليات العسكرية الدائرة بين تل أبيض ورأس العين، وفي هذا الصدد يروي أبو رائد الرقاوي أحد سكان مدينة الرقة لـ “أنا إنسان”: “إن النازحين وصلوا إلى مدينة الرقة عقب انطلاق العملية العسكرية شرقي الفرات، وكانت نسبتهم كبيرة وظروفهم سيئة، ومباشرة سارع الأهالي إلى استقبالهم وتم تأمينهم في المدارس”.

إلا أن مديرية التربية التابعة لقسد رفضت استقبال جميع النازحين بالمدارس، واكتفت نسبة تقل عن 5% من المدارس فقط باحتواء أولئك النازحين، وقسم كبير منهم نصب خياماً في العراء أو على أطراف الأحياء داخل المدينة، أو في الحدائق، وحتى الآن أغلبهم يبحث عن مأوى، وبحسب مصادر من داخل المدينة فإن أوضاع النازحين سيئة للغاية.

أبو نايف من سكان ريف الرقة وتحديداً من مدينة الطبقة يتحدث عن وضع النازحين قائلاً: “إن عدد كبير من النازحين لجأوا إلى أقارب لهم يقطنون في مخيمات تم بناؤها بشكل عشوائي، وهي خيام لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، منتشرة في الأراضي الخالية شمالي الرقة”

بينما نقل أبو رائد الرقاوي عن عدد من النازحين قولهم، إن الكثير من منازلهم تعرضت للسلب والنهب والحرق من قبل عناصر يتعبون للتنظيم الإرهابي (قسد) بعد خروجهم خوفا على أرواحهم من القصف، مضيفاً حسب ما أخبره عدد من الذين نزحوا، أن “عدد المنازل التي تم حرقها ونهبها تجاوز الـ 15 منزلا شرقي مدينة تل أبيض، وفي مدينة سلوك ومنطقة الحلوية شمالي مدينة عين عيسى”.

وفي الحسكة التي أيضاً امتلأت بالنازحين الهاربين من ويلات الحرب تحدث مصدر خاص لموقع “أنا إنسان” ويعمل بصفوف قوات “قسد” على أن 80% من مدارس الحسكة امتلأت بالنازحين، وخصوصاً في أحياء (النشوة وغويران والمفتي والصالحية والعزيزية) وحتى في مدارس الأرياف القريبة، بينما عملت الإدارة الذاتية على ترك مدرسة أو مدرستين من أجل استكمال العملية التعليمية.

وأكد المصدر على أن وضع النازحين بمدارس الحسكة ليس أحسن من حال النازحين في مدارس الرقة، حيث تفتقر هذه المدارس لأدنى المقومات من فرش وبطانيات وغيرها، مشيراً في حديثه إلى أنه سيتم افتتاح مخيمات للنازحين لنقلهم إليها في منطقة طريق تل تمر في قرية عب التينة قريباً.

 

المنظمات الإغاثية متوقفة والأهالي هم البديل

لم تقف المعاناة فقط عند موجات النزوح والظروف الإنسانية السيئة التي يدفع ثمنها الإنسان القاطن في تلك المنطقة التي باتت على صفيح ساخن، بل امتدت إلى أبعد من ذلك خاصة بعد توقف عدد من المنظمات الإغاثية الدولية عن العمل حتى إشعار آخر.

وفي هذا الجانب يتحدث عاطف أبو مثنى (وهو اسم مستعار) لأحد سكان مدينة الرقة، فضل عدم الكشف عن هويته كونه كان موظف سابق لدى الإدارة الذاتية التابعة لقسد، يقول: “إن أكثر من 80 منظمة إغاثية ودولية علقت أعمالها وتحولت مراكزها إلى مكاتب إدارية فقط”.

ويضيف أبو مثنى: “أن هذه الخطوة جعلت الأهالي يشعرون بالقلق كون هذه الخطوة لها تبعات كارثية على صعيد إنساني وخدمي واقتصادي، خاصة وأن مئات العوائل تعتمد في معيشتها على أبنائها الذين يعملون كموظفين لدى تلك المنظمات هذا من جهة، إضافة للعائلات المحتاجة التي تلقى الدعم الإغاثي منها من جهة أخرى، فضلاً عن توقف وتضرر ربما المشاريع الخدمية والبنى التحتية التي تحتاج للترميم”.

وتتراوح رواتب الموظفين العاملين في تلك المنظمات بين 800 و2000 دولار بالنسبة للمنظمات الدولية، أما المنظمات المحلية فتتراوح رواتب العاملين فيها بين 200 و400 دولار، وفق ما ذكر أبو مثنى، مشيراً إلى أن حالة من الاستياء يعيشها هؤلاء الموظفين.

ووصل لـ “أنا إنسان” نسخة من الرسالة التي أرسلتها منسقة وزارة الخارجية الأمريكية لشؤون المنظمات شرقي سوريا “Anna Bittman” عبر البريد الإلكتروني في الـ 14 من شهر تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، جاء فيها، “إنه لا يتعين على موظفي برنامج الخدمات الأساسية الحضور إلى المكتب حتى يتم موافاتهم بتعاليم أخرى، وسيتم تأجيل جميع الأنشطة حتى إشعار آخر، وسيظل البرنامج على تواصل مع الموظفين بشأن رواتبهم وتسليمهم لمعدات البرنامج”.

ورجح أبو مثنى أن تعاود تلك المنظمات استئناف عملها في حال التوصل لصيغة تفاهم وتفاوض معينة بين الأطراف المتصارعة على تلك المنطقة، بينما يحاول بعض الناشطين بالتعاون مع الأهالي سدّ الفراغ الحاصل من توقف تلك المنظمات عن تقديم الدعم اللازم من خلال جمع التبرعات المادية والعينية من الأهالي وتوزيعها على النازحين وذلك ضمن حملة أطلق عليها اسم “حملة شارك”.

مزارعو المنطقة بين نارين

أجبر النزوح الأهالي على ترك كل شيء خلفهم وخاصة أراضيهم ومحاصيلهم الزراعية، التي طالتها الانتهاكات من قبل قوات (قسد)، سواء على صعيد حرق مساحات منها أو زرع الألغام في محيطها، ويقول الناشط الإغاثي في ريف مدينة تل أبيض أبو العمر الشمالي لـ “أنا إنسان”، إن ” من أهم المحاصيل التي تضررت هي محاصيل القطن والسمسم وغيرها من الخضراوات الخريفية والمحاصيل الأخرى”، مؤكدا أنه “لا يوجد احصائية محددة عن مساحة الأراضي الزراعية التي تضررت، لكن كل الجغرافيا التي كانت ضمن نطاق المنطقة التي دارت فيها مواجهات تضررت أراضيها الزراعية، وتقدر بنحو 225 ألف دونم”.

وينقل الشمالي مخاوف المزارعين على محاصيلهم في مناطق سيطرة تلك القوات ويقول: ” نحن الآن في موسم قطاف القطن وهو من أهم موارد المزارعين في محافظة الرقة، وهناك مخاوف من قيام قسد بحرقه كونه أصبح جاهزا للقطف خاصة أنه سريع الاشتعال في حال وصلته أعيرة نارية أو قام أحد بحرقه”، مضيفاً: “أن الأهالي يناشدون الأطراف المتحاربة تحييد أراضيهم ومحاصيلهم عن أي صراع دائر، ومناشدين الأطراف الدولية بضرورة أخذ الأمر بعين الاعتبار”.

من جهته قال المتحدث باسم مجلس القبائل والعشائر السورية مضر الأسعد لـ “أنا إنسان”، إن “هناك تخوف كبير لدى المزارعين والفلاحين من حرق المحاصيل الزراعية ومصادرة محاصيلهم بحجة أن هذ المزارع معنا أو ضدنا، أو بحجة أن هذا المزارع لم يدفع الضريبة، أو أن هذا المزارع قام بتهريب أبنائه وعدم مشاركتهم في القتال إلى جانب قوات قسد”.

ويضيف الأسعد أن “التخوف الأكبر للمزارعين هو من دخول نظام الأسد إلى بعض المناطق التي لم يدخل إليها منذ 7 سنوات بموجب اتفاق مع قسد وبرعاية روسية، وفي حال دخلها فإنه سيقوم من الانتقام من الأهالي ومصادرة أراضيهم الزراعية ومنتجاتهم”.

ويشير الأسعد إلى أن الأراضي الزراعية المتضررة تقع جنوبي مدينة رأس العين، ومن المنطقة الممتدة من رأس العين إلى تل تمر إلى الدرباسية، إذ هرب كثير من المزارعين وتركوا أراضيهم في تلك المناطق خوفا من بطش قسد، في حين أن مناطق في الرقة والشدادي والرميلان وتل حميس قد تم إلقاء القبض على الكثير من مزارعي الأراضي فيها على يد قوات قسد.

ووسط كل ما تم ذكره، يبقى مصير المنطقة الشرقية مجهولاً، في ظل السيناريوهات غير الثابتة والتي تتطور بشكل متسارع لصالح أطراف رئيسة لاعبة في الملف السوري، فيما يبقى الإنسان القاطن في تلك المنطقة هو الضحية والخاسر الأول كونه لا يعلم ما يحاك وما يجري خلف كواليس صنّاع القرار بالنسبة لهذه المنطقة.

 

 أحمد زكريا

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع