fbpx
أخبار

الناس والوطن … فوق الدستور

وقوع البلاد في محنة الحرب الداخلية (أهلية أو سببها ثورة أو احتجاجات أو غيرها) دليل شبه مؤكد على عجز الدستور القائم عن صون البلاد والحفاظ على الدولة، ومؤشر على وصول نظام الحكم إلى الفشل في الحفاظ على الشعب آمناً والوطن محصناً. عند ذلك، وما أن تبدأ تلك الحرب بوضع أوزارها، فإنه لابد من التداعي لمواجهة نتائج هذا الفشل والتصدي للتحدي الكبير الذي يواجه البلاد. هذا التحدي الذي يتلخص في إعادة صياغة العقد الاجتماعي الناظم للحياة المشتركة لجميع المواطنين، وتجديد النظام القانوني الذي يدير البلاد، بما في ذلك شكل النظام السياسي، إضافة إلى خلق نظام لا تتكرر فيه أخطاء الماضي ويلبي تطلعات الناس إلى بلد مستقر ديمقراطي حر.

الدستور هو مصدر السلطات، حاضن نظام الحكم، مظلة القوانين، ومانح الشرعية للحقوق الأساسية واللحريات العامة؛ والدستور هو ناظم الرقابة على عمل السلطات ومحاسبة المسؤولين. على أساسه وبناء على أحكامه يتم تداول السلطة سلمياً. لذلك ولأهمية الدستور، تظهر الحاجة إلى دستور ديمقراطي تُجمع عليه كافة قوى وفئات المجتمع على اختلافها وتنوعها، يكون قادرًا على البقاء وإدارة الحياة في البلاد بشكل هادئ وعادل لأطول فترة ممكنة، وقادراً على ضمان أكبر متسع ممكن من الاستقرار والحرية والرفاهية. من هذا المنطلق فإن الدستور، وخاصة في البلاد ذات الجراح الساخنة، يجب أن يكتب بعقلٍ بارد. ولا نبالغ في القول إذا قلنا بأن كتابة دستور جديد تحت تلك الظروف معركة حقيقية تخوضها البلاد في مواجهة الزمن الماضي الذي أثقلها بمنظومة أفكار وقيم أوصلت البلاد إلى حاضرٍ قامت فيه حرب دمّرت كل شيء، وأعادت مستوى حياة الناس إلى حالة بلد نامي لا يستطيع أن يؤمن أي مستقبل تعيش فيه الأجيال القادمة بكرامة.

ولعلّ أولى المحطات على تلك الطريق الصعبة هي اختيار الفريق الذي سيتصدى لمهمة كتابة الدستور، أو ما يعرف في الفقه السياسي والدستوري باسم “الهيئة التأسيسية”. فهذه الهيئة يجب أن تضم أشخاصاً من ذوي الخبرة العلمية، التشريعية والقانونية والسياسية، وأن يتحقق من خلالها تمثيل لجميع فئات المجتمع دون استثناء أو إقصاء. ورغم إدراكنا أن الظرف الموضوعي المرافق لعملية تشكيل هيئة تأسيسية وكتابة الدستور أو اقتراح مسوّدة الدستور – وهذه  التوصيفات المتعددة لمهام هذه الهيئة  – هو أمر في غاية التعقيد، يصعب معه تطبيق الأسس النظرية لعملية وضع الدستور على شكل وطريقة عمل كل هيئات كتابة الدستور في كل مكان من العالم. فالحرب وما جرى خلالها من تشظٍ في الحالة الوطنية والاجتماعية على كل المستويات، أدت إلى إشاعة جوِ عام من انعدام الثقة بين الفئات والمكونات السياسية والمجتمعية. إضافة إلى ذلك يلاحظ المرء وجود قوى مقاومة للتغيير، سواء من حرّاس النظام القائم الذي تهب عليه عواصف التغيير، أو من القوى التقليدية الدينية، أو غيرها من أنصار الإيديولوجيات المعرّضة لخسارة نفوذها ومواقعها وامتيازاتها مع الدستور الجديد، عدا عن بعض القوى التي تعيش نشوة الانتصار وتعتبر نفسها سبباً في تغيير موازين القوى، الذي أدى إلى ماتراه انتصاراً، مايجعلها تعطي نفسها الحق في فرض رأيها في الدستور الجديد.

من هنا يتبين بأن مشروع أي دستور جديد لمرحلة ما بعد الحرب، تقع على عاتقه مهمة في غاية الصعوبة، تتمثل في توفير مناخ الثقة بين المكونات المتناحرة، ومنح الطمأنينة للجميع لاسيّما الأقليات التي تخشى من غَلَبَة الأكثرية – والأقلية والأغلبية هنا تختلف بين بلد وآخر، فقدج تكون سياسية، أو دينية أو قومية – واستخدام تلك الأكثرية لسطوتها العددية في لحظة معينة للانقضاض على الدستور وتعديله بما يعزز موقعها على حساب الأقليات. من هنا تأتي أهمية المرحلة التحضيرية لإعداد الدستور. فالمبادئ التي ستحدد عمل الهيئة التأسيسية ونتائج هذا العمل، إما أن تكون صحيحة وسليمة، وبالتالي توفر مناخ العدالة والتوافق، وتضمن عدم تحكّم أية أكثرية بحكم البلاد بشكل لا تراعى فيه حقوق الأقليات؛ أو أن تكون تلك المبادئ تتضمن الغموض وعدم التحديد والميوعة، ما يجعل مستقبل البلاد كحقل ألغام قد ينفجر في أية لحظة وتعود البلاد إلى الفوضى والمجهول.

هذه المبادئ تتمثل بشكل أو بآخر في الأفكار التي ستكون موضع اتفاق الجميع. تلك الأفكار التي يمكن أن توصف بأنها مدونة سلوك وطني أو خارطة طريق تحمل المفهوم الفلسفي والإنساني والاجتماعي لنظام الحكم ولهيكلة السلطة، ويجب أن تُضمّن في مسوّدة الدستور بشكل أو بآخر، كما لا يجوز مخالفتها في أي محور من محاور الدستور، أو أي قانون من القوانين الوضعية. هذه المبادئ ستحدد وترسم ملامح الدستور الجديد. وقد اتفق على تسميتها “المبادئ فوق الدستورية”، على الرغم من أن فكرة وجود مبادئ فوق دستورية فكرة إشكالية في علم القانون الدستوري من الناحية النظرية، لكنها ضرورة  بالتأكيد.

المبادئ فوق الدستورية كمفهوم قانوني:

المبادئ فوق الدستورية، أو القواعد المؤسِسة للدستور، أو المواد فوق الدستورية، كلها تسميات للمبادئ التي تشكل الدليل الموجّه لواضعي الدستور، وهي مواد ذات حصانة وأهمية غير عادية، أو يمكن القول بأنها استثنائية. والسبب في هذه الحصانة أن هذه القواعد الفوق دستورية تلحظ مصالح الشعب العليا وتعرّف حقوق الأفراد والدولة وتحددها بمعناها المجرد، كما أنها تستند إلى مبدأ العدالة وعدم التمييز بين مكونات الشعب من ناحية الدين أو القومية أو الطبقة. والمبادئ فوق الدستورية تكاد تكون مبادئ عالمية متفق عليها بين معظم دول العالم، إذ أنها في المحصلة تتضمن تطلعات الشعوب للعيش الكريم والتمتع بالحريات العامة والحقوق الأساسية وما إلى ذلك.

استندت المبادئ فوق الدستورية في معظمها إلى المبادئ الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في ديسمبر 1948، وقبل ذلك إلى تلك الواردة في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 1789 إبّان انطلاق الثورة الفرنسية، وكذلك إلى إعلان المساواة بين البشر الصادر في وثيقة استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن بريطانيا في 4 تموز/يوليو 1776. كما أن معظم دساتير الدول التي صدرت بعد ظهور هذه المبادئ قد نصت عليها. لكن هذه المبادئ العالمية، مع أهميتها وعموميتها وثباتها في الضمير البشري، لا تكفي وحدها لتكون مبادئ فوق دستورية في كل زمان ومكان. فالفقه الدستوري توصل إلى أن البلدان، وبسبب اختلاف ظروفها وتطورها التاريخي، تقف أمام أسئلة خاصة بها مرتبطة بخصوصيتها الجغرافية والاجتماعية والديمغرافية والتاريخية. هذا يؤدي إلى ظهور مبادئ وطنية خاصة ترتبط بالبلد المعني وحده، أي ليس بالضرورة أن تكون ملحوظة في مبادئ عالمية أو دساتير أخرى، إذ أن ضرورتها تنبع من خصوصية البلد المعني بها، فهي تنشأ نتيجة لأوضاعه وظروفه.

فعلى سبيل المثال، ينصّ الدستور الألماني في الفقرة الثالثة من المادة 79 منه على حصانة تركيبة الدولة الألمانية الاتحادية. إذ أنها منعت المشرّع من إجراء أية تعديلات على الدستور الألماني من شأنها المساس بـتكوين الاتحاد من ولايات اتحادية، أو بالمشاركة الفعالة للولايات في عملية التشريع واتخاذ القرار الاتحادي. والدستور التركي من جانبه ينص في مادته الرابعة على منع تعديل المواد التي تتعلق بشكل الدولة الجمهوري. لا بل إنه يرفع المبدأ الجمهوري إلى مستوى القاعدة الفوق دستورية، حيث أنه يمنع تقديم أي اقتراح يتعلق بتعديل الشكل الجمهوري للدولة. وبشكل عام يمنع الدستور تعديل ومناقشة مرتكزات “الجمهورية التركية كجمهورية ديمقراطية علمانية اجتماعية تقوم على سيادة القانون”. إضافة إلى ذلك فسلامة الأراضي التركية المنصوص عليها في الدستور هي أيضا مبدأ غير قابل للمساس. من هنا يمكن القول بأن القواعد فوق الدستورية هي القواعد المحصّنة دستورياً، والتي تتصف بالثبات، أي لا يمكن تبديلها ببساطة أياً كانت الظروف لأنها تتعلق بسلامة البلاد والشعب. إذ أنها تشكل عوامل جمع واتفاق بين الجميع، بغض النظر عن التوجهات الدينية أو السياسية أو الإيديولوجية.

ماذا عن سورية والدستور السوري المرتقب؟

بعد سنوات حرب طويلة عصفت بسورية وبحياة السوريين، أصبح الاتفاق على عقد اجتماعي جديد بكل تأكيد مسألة أساسية لا غنى للسوريين عنها. إذ أنه الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها تجديد القيم الكفيلة بحماية بلدهم ومجتمعهم ومستقبل أبنائهم. لكن وفي ظل التمزق الحاصل في بنية المجتمع السوري، ومع تشتت السوريين سياسيا وجغرافيا، يبرز سؤال مهم عمّن يمكن أن يتصدى لهذه المهمة الصعبة والمهمة؟

بالتفكير الهادئ الذي لا بد منه في المسار الدستوري والتشريعي، وخصوصاً فيما يتعلق بالقضية السورية، فقد نجح المجتمع الدولي عبر الأمم المتحدة، وبعد صراع سياسي صعب، في تشكيل لجنة تعرف باسم اللجنة الدستورية، مهمتها مناقشة الدستور السوري الحالي، أي دستور 2012، من أجل الوصول إلى اتفاق بتعديله أو الاتجاه إلى إعداد دستور جديد. لقد ضمت اللجنة 150 شخصاً، موزعين على ثلاثة صفوف: 50 عضوا للنظام، ومثلهم للمعارضة، والباقين ممثلين للمجتمع المدني السوري. لكن، وفي ظل الركود والانقسام السياسي الحادّين عند السوريين، فإن عمل هذه اللجنة لايزال في بداياته، حيث أنه لم يسجل لها حتى الآن رغم انطلاق عملها في 30 أكتوبر 2019، أي قبل ثمانية أشهر من كتابة هذا المقال، تحقيق أي تقدم يُذكر على طريق إنجاز مهمتها. وبالمقابل فإن المجتمع الدولي، ومع استشعار الطريق المسدود الذي يُخشى أن تصل إليه جهود الأمم المتحدة في هذا المضمار، بدأ بالالتفات إلى الكوادر السورية المجتمعية والمدنية. وإن يكن هذا الاهتمام أقل من المستوى المطلوب، لكنه مقدمة لاجتماع السوريين كي يضعوا أسس الدولة والمجتمع السوريَيْن بعد هذه الحرب الطويلة. وبالفعل فقد شكّل السوريون العديد من المبادرات والورش القانونية المجتمعية التي حققت اختراقات مهمة، خاصة فيما يتعلق بكسر تباعد السوريين، وإزالة الحدود التي رسمتها بينهم الصراعات المسلحة.

ومن هذه المبادرات مبادرة مجلس المدونة السورية، التي حققت سابقة لم تستطع الكثير من المنابر تحقيقها، ألا وهي جمع سوريين من شخصيات عامة “حقوقيين وأكاديميين ورجال سياسة واقتصاد وعشائر” ممن هم مقيمون في الداخل السوري وفي دول الانتشار.

هذه الشخصيات في معظمها، بل نكاد نقول كلها، هي شخصيات بعيدة تماما عن الاصطفافات السياسية بعد 2011، ولم تنخرط في أية نشاطات عملت على تقسيم البلاد وإبعاد السوريين عن بعضهم. هؤلاء الأشخاص التقوا وعقدوا عبر ما يزيد عن ثلاث سنوات من العمل ورشة عمل مستمرة، وتوصلوا في النهاية إلى إصدار وثيقة هي “مدونة السلوك لعيش سوري مشترك”. هذه المدونة وضعت عبر أحد عشر بنداً ملامح المبادئ فوق الدستورية السورية، والتي تم التوصل إليها بعد تفكيك مشاكل وخصائص المجتمع السوري عن طريق الحوار والنقاش الصريح وتسمية الأشياء بمسمياتها.

على الرغم من أن هذا الجهد قد أثار حفيظة البعض ممن يختلف مع مجلس المدونة السورية في زاوية النظر إلى القضية السورية، لكن ما نلحظه بالتأكيد في عمل المجلس هو الهدوء الذي يتطلبه الوصول إلى عقد اجتماعي متماسك يوفر للسوريين نتائج مرضية بعد تضحياتهم الكبيرة في سنوات الحرب، إضافة إلى إعطائهم الأمل بوطن جامع لهم جميعا، يبنونه وفق مصالحهم ومن أجل مستقبل أبنائهم. فالدعوة إلى سورية الواحدة، واعتبار السوريين كلهم مهزومون في الحرب التي أكلت عشر سنوات من أعمارهم، ومحاسبة المرتكبين بحق سورية والسوريين، والابتعاد عن منطق التشفي والثأر بين السوريين، وتعويض المتضررين، ومعالجة ملف المعتقلين ومصابي الحرب، ونشر مبادئ المواطنة وسيادة القانون والمساواة، لا يمكن أن تكون مبادئ تتناقض مع مصالح وتطلعات السوريين. وإن كان مجلس المدوّنة قد اقترب من وقائع سوريّة تعتبر خطاً أحمراً لدى البعض، إلا أننا نلحظ الشجاعة في الطرح والرغبة الحقيقية في البحث عن حلول واقعية تنطلق من الحالة السورية. فالحديث عن الطائفية ليس بالضرورة أن يكون حديثاً طائفياً، وطرح الخلافات القومية بين السوريين لا يعني بالضرورة دعوة لتقسيم السوريين وفق قومياتهم. إذ أن المصارحة والمكاشفة هما الأساس في تجاوز المشاكل، ودس الرؤوس في الرمال هو أسلوب المترددين. وأنا أرى أن مبادئ هذه المدونة تصلح تماما لدعم أي نقاش حول الدستور السوري، لا بل إنها يمكن أن تكون مبادئ فوق دستورية تساهم بشكل أو بآخر بالتأسيس لفكر دستوري جديد، يساهم في بناء وطن جديد لكل السوريين.

المحامي ابراهيم شاهين

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع