fbpx

حرب الشمال … والسوري الخاسر الوحيد في المعركة

يعترف الدكتور “محمد”، المدرّس في جامعة تشرين، أن شرح ما حدث ويحدث في الشمال السوري لشخص عادي يعرف ألف باء المأساة السورية، يحتاج إلى أكثر من عشر ساعات من الشرح المتواصل، ويضيف: “يا عمي شرح الوضع في لبنان أريح”.

ليس محمد لوحده من يعرف مقدار تعقيد الوضع في الشمال السوري الذي تحوّل في غضون أسبوعين من تاريخ بدء العدوان التركي عليه إلى حديث السوريين في كل الأماكن، أطاح ببقية العقل في محاولة فهم ما يجري، متسبباً في الوقت نفسه بمزيد من الانقسام بينهم، خاصة بين من بقي “في البلد”.

تعّلق سيدة أربعينية تعمل هي الأخرى في جامعة تشرين: “الأتراك يكرهون الأكراد من زمان، ولا يريدون أن يرونهم قرب الحدود، والأتراك أقوى من الأكراد ومن العرب كلهم، لماذا يعادي الأكراد العرب ويخسرون؟ من أقنعهم للأكراد أن باستطاعتهم تشكيل دولة على حدود تركيا؟”، هذه الأسئلة وغيرها يضاف لها عشرات الأسئلة التي ظهرت غداة هجوم قوات المعارضة المدعومة من تركيا على سوريا، تكمل السيدة حديثها بالقول: “اعتقد أن الجميع، أي الروسي والتركي والسوري الموالي للنظام متفقين على الأكراد، وهؤلاء لا يفهمون بالسياسة، عقلهم عنيد”.

 

الروسي المدافع عن الثوار؟

اتفاق المصالح الروسية-التركية غير مفهوم بنظر بعض السوريين، والحلقة الأضعف في هذه المصالح هم السوريون بالتأكيد، الذين يتعامل معهم الجميع على أنهم مجرد بيادق في لعبة الشطرنج الدولية، تقول لمى (32 عاماً، وهي صحفية معارضة من اللاذقية) متسائلة: “تركيا وروسيا اتفقوا على الأكراد، روسيا تدعم النظام السوري وتدعم الرؤيا التركية، وتركيا تدعم الثوار السوريين الذين هم ضد النظام السوري وضد الاحتلال الروسي، والأميركي فجأة قرر ترك الشمال، إلا مواقع النفط، كيف يمكن لي أنا السورية البسيطة أن أفهم. وأين يمكن أن يكون موقفي من الغزو التركي ومن تدمير البنى التحتية والبشرية؟ وبالمقابل، أليس الاتفاق الكردي مع النظام السوري خيانة لثورة شعبنا؟”.

لا ترى الصبية في دعم تركيا لإنشاء وتمويل “الجيش الوطني السوري” من المقاتلين المهجّرين من مناطق الغوطة وحمص وغيرها أي مشكلة، فلا يوجد أحد في الصراع السوري لم يستعن بالخارج، تقول الصبية: “عجيب، تدخل الروسي منذ 2016 وقصف العباد والبلاد ولم يترك حجراً فوق حجر، وحضر الإيراني بميليشياته ومجازره ومحاولاته التغيير الديمغرافي في كل المناطق التي عمل فيها، وحضر الفرنسي والأميركي، كل هذا لم يزعجهم وأزعجهم فقط الدعم التركي الذي لم يقصّر في دعم السوريين أبداً”.

الهجوم على الأكراد فقط؟

تعدت اتهامات التخوين بين الأطراف السورية، العربية منها والكردية، ففي حين يتهم الأكرادُ العربَ بالعنصرية والشوفينية والإقصائية والاستعانة بالأجنبي عليهم، ويعنون بالأجنبي تحديداً التركي، ويتعاملون مع “أسوأ عدو” عرفه التاريخ، أي الأميركي وفقاً لتعبير “لمى” التي تضيف: “كيف يمكن فهم هذه العقليات المريضة؟ أقله التركي حمى السوريين اللاجئين إليه من البراميل والقصف والقنص، ويعمل اليوم على إسكانهم في مناطق آمنة، أما الحديث عن التغيير الديمغرافي في الشمال فهذه محض كذبة، لا يوجد أكراد في تلك المناطق التي سيسكن فيها لاجئون”.

توضح الاتفاقية الروسية التركية أن قرابة 3 مليون سوري سوف يستقرون في المنطقة الآمنة التي تعمل تركيا على جعلها أمراً واقعاً دون اعتراض من النظام السوري، وتصر تركيا أنه لن يكون هناك أي تهجير للأكراد من المنطقة باستثناء جماعة حزب العمال الكردستاني “الإرهابية” وفق تعبير المصادر الرسمية التركية، لكن حتى الآن فإن العملية التركية أفضت إلى “تحييد” أكثر من 700 مقاتل حزب العمال حسب الإعلام التركي.

بالمقابل، فإن الأكراد القليلين في الساحل، يرون أن هجوم قوات المعارضة المدعومة من تركيا على سوريا كلها وليس فقط على “روج آفا” كما يقول “آزاد” (45 عاماً) المقيم في اللاذقية منذ وقت طويل ولديه محل لبيع الألبسة في منطقة الرمل الشمالي: “لماذا يريد الجميع تصديق أن الهجوم على الأكراد فقط؟ أليست قوات سوريا الديمقراطية تتضمن العرب والسريان والكرد والأرمن والآشوريين؟ ولكن على ما يبدو أن الدين أقوى من القومية ومن المواطنة ومن إحساس السوري بالانتماء الى بلده”، وإذ نحتج على التوجهات الانفصالية للإدارة الذاتية لشرق وشمال سوريا، يرد “آزاد”: “أنا كردي سوري ولا أقبل بالانفصال عن سوريا، وكنت ضد كل هذه التصرفات التي قامت بها الإدارة، ولكن هل يحاكم الجميع بسبب ما فعلته جهة واحدة؟” هناك كثير من الأكراد ضد ما فعلته الإدارة الذاتية ولكن ليس بيدهم حيلة.

ماذا بعد انتشار جيش النظام؟

انتشار جيش النظام وسيطرته على مناطق واسعة من الجزيرة السورية كان أمراً مستبعداً في الآونة الأخيرة وما حصل، كما يقول “ابراهيم” (28 عاماً، مهندس) من “المعجزات التي قدمتها روسيا لسوريا”، يضيف المهندس الشاب: “مهما كانت العوامل التي أوصلت الجيش إلى الحدود الدولية مع تركيا فإنها نقلة نوعية في مسار الحرب السورية، لقد استعادت الدولة سيطرتها تقريباً على منطقة واسعة تشكل ثلث البلاد وخزان نفطها وقمحها وغذائها، وهذا بحد ذاته تغيير كبير في الخريطة وفي موازين القوى، ويساعدنا في التخلص من مشاكل الغاز والبنزين ونحن على أبواب شتاء جديد”.

المباركة الروسية لإنشاء المنطقة الآمنة يفهمها ابراهيم على أنها “سياسة ذكية” من قبيل “العصا والجزرة” لدفع تركيا إلى تغيير سياساتها في سوريا وإبعادها عن الحلف الأميركي ـ الصهيوني كما يقول، ولا يشك الشاب أبداً في أن التوافق التركي الروسي سوف يضر بالمصلحة السورية، يقول: “الرؤيا التركية في سوريا موجودة منذ قديم الزمان، و(عدو جدّك ما بيودّك) كما يقول المثل الشعبي، والروسي والأميركي والتركي وكلهم يعملون من أجل مصالحهم وليس من أجل مصلحة السوريين أبداً، الأكراد أخطأوا عندما تعاملوا مع الأميركي الذي تركهم (في ليلة ما فيها ضوء قمر)- كما يقول المثل الشعبي الشهير”، لذلك فقد كان من المطلوب أن يعودوا إلى عقلهم ويوافقوا على دخول جيش النظام إلى مناطق شمال سوريا، وهذا “يغفر لهم أخطاؤهم”.

آخرون غير ابراهيم، رأوا في انتشار جيش النظام في الشمال والشرق من سوريا “انتصاراً لسياسة الدولة السورية وإثباتاً لصحة مواقفها عبر سنوات الأزمة” كما تقول “خلود” مديرة إحدى شبكات التواصل الاجتماعي الموالية، وتصر الصبية الثلاثينية على أنها “تأكيد على ذكاء وحنكة القيادة” في الوقت الذي تعتبر فيه هجوم قوات المعارضة المدعومة من تركيا على الأراضي السورية نتيجة للرؤيا التركية والمواقف الكردية الخاطئة، والأتراك “سوف يخرجون يوماً ما”، وهو ما لا يوافق رأي أخيها الذي يستعيد التجربة القبرصية ويذهب إلى أن التقسيم وإن بدا شبحه بعيداً الآن، إلا أن احتمال ضم عدد من المدن الحدودية إلى تركيا مثل رأس العين وتل أبيض أمر وارد، وفي تعليقه على المواجهات بين جيش النظام وجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا فيراها “مؤقتة” وسوف تتدخل روسيا وتوقفها.

من يدفع الثمن

وسط كل هذا الضياع وتبادل الاتهامات بين السوريين، في الساحل كما في غيره، تبدو الحال السورية حالياً في أسوأ أوضاعها بين النخب السورية، في حين أن غالبية الناس لا يعنيها ما يجري هناك، في الشمال أو غيره، يقول الدكتور “محمد” في حديثه مع “أنا إنسان”: “اذا أردنا الدقة، فإن إطلالة على المشهد السوري تخبرنا أن النظام في سنواته الماضية عالج مسألة القوميات بالتنكر لها، ومشكلة الطائفية باللف على قصة مخترعة تدعى اللحمة الوطنية، ومشاكل الاقتصاد سلموها للفاسدين أصحاب الشعارات والسرقات، أما الدولة فتحولت إلى هيكل للقيادة التاريخية الحكيمة، أما الصراع مع العدو التاريخي فقد تحول إلى خطب رنانة وكلمات بالمناسبات التي لم يعد يحتفل فيها أحد، خمسون عاماً و(الحمار في هذه البلاد يرتدي سرج الحصان) كما يقول المثل الإدلبي، فلا هو ينق مخافة ان يعرف، ولا هو يستطيع أن يصهل، هكذا هو حالنا اليوم، منقسمون نبحث عمن يعرّفنا بمن نحن بعد هذا الدمار الكبير، وأظننا لن نعرف من نحن حتى ولو استمرت الحرب عشر سنوات ثانية”

 تحقيق : حيدر محمد

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع