روسيا تفكك الميليشيات الإيرانية في الساحل السوري

المشاهدات: 4562

حيدر محمد – اللاذقية 

 

كانت المرة الأولى التي يركب فيها “علي إبراهيم” ابن العشرين عاماً طائرةً حين أرسلتهم “قوات الدفاع الوطني” إلى طهران للخضوع إلى دورة تدريبية على استخدام الأسلحة والمتفجرات والقنص مدتها ثلاثة أشهر، تعلم الشاب هناك إلى جانب تدريبه مفردات من الفارسية، اليوم لا يجد فائدة من كل ما سبق بعد أن تم سحبه إلى الجيش النظامي حيث يقضي أيامه على جبهة حلب الغربية متنقلاً مع أحد الأفواج بعد أن قضى قرابة الثلاث سنوات في الدفاع الوطني على أمل التخلص من الخدمة الإجبارية، ولكن النتيجة لم تكن كما يشتهي.

إلى جانب “علي” هناك مئات آخرين سحبوا إلى الخدمة على غير إرادتهم، لم تتطابق حسابات بيادرهم على حساب حقول حنطة تفكيرهم، جزء آخر من هؤلاء عاد إلى حياة العطالة عن العمل خاصة أولئك الأشخاص من عمر اثنين وأربعين وما فوق، وهو آخر حد لطلب التجنيد الإجباري في سوريا، نظرياً.

ضرورة الدفاع الوطني … انتهت؟

وفرت الميلشيات المدعومة من إيران ومن النظام في سوريا فترة 2014-2016 شبه جيش مواز للجيش النظامي بعد أن تعرض لهزات مختلفة من الانشقاق إلى الفرار إلى مقتل عدد منه تقدّره مصادر حيادية بأكثر من 150 ألف شخص، أضاف الدفاع الوطني ميزة لم تكن القوانين الإدارية للجيش بقادرة على تجاوزها من جهة، ومن جهة ثانية فقد كان يحارب على جبهات ساخنة وسط ظروف غير مشجعة على الالتحاق به (سوء تغذية وضعف تسليح، يذكر هنا أن روسيا التي تقاتل الأن في سوريا رفضت إعادة تسليح الجيش السوري منذ العام 2008)، كانت ميزة الدفاع الوطني هي خدمة أفراده على جبهات أقل سخونة، كداعم أو كخطوط إسناد خلفية، نارية أو تموينية، دون نسيان إمكانية دخلوها المعارك وقت الحاجة، بالتالي وفرت ملاذاً للشباب المطلوبين للخدمة الإجبارية أو الاحتياط الذين لا يريدون الالتحاق بصفوف الجيش، وفي صكوك التطوع لديهم وعدوا بحسبان مدة خدمتهم كخدمة إلزامية، أو تنتهي الحرب ويكونون قد نفدوا من معاركها الشرسة مع فصائل المعارضة المسلحة الأفضل تسليحاً وتدريباً منهم بكثير، لكن تفكيك الميلشيات المتتابع منذ عامين، جعل الأمور تعود إلى نقطة الصفر، وبدأ طلبهم من جديد.

يقول “علي”: “منذ ما بعد معارك ريف اللاذقية (2014) ونحن نشعر بالقلق، بدأت الرواتب أولاً بالتأخر شهراً، ثم أصبحت كل شهرين أو ثلاثة، ولم يعد هناك أي مهمات، أخيراً جاء نقل مركزنا من المدينة الرياضية في اللاذقية إلى مكان آخر ليشعرنا بأننا قد هبطنا درجة في علاقتنا مع المحافظة ومع الأجهزة الأمنية التي لم تكن تجرؤ على الاقتراب من مراكزنا، فجأة، بدأ سحب حواجزنا واستبدالها بحواجز عسكرية أو أمنية، ثم سحبت البطاقات الأمنية منا بطريقة ذكية، فقد دعونا إلى تجديدها كلنا، ولما سلمناها للفرع المختص رفضوا تجديدها بأوامر مباشرة من الفرقة الرابعة، وأخيراً جاء من يخبرنا أنه علينا الالتحاق بالجيش لمن هو مطلوب للاحتياط أو الخدمة دون تأخير”.

تفكيك مبكر وفشل متكرر:

بدأ تفكيك ميلشيا الدفاع الوطني تقريباً منذ العام الثالث لتأسيسها على خلفية فشلها المتكرر في العديد من المعارك الحاسمة كمعركة حقل الشاعر التي راح ضحيتها المئات منهم أمام داعش، إضافة إلى سمعتها السيئة جداً مع تحولها إلى عصابات للنهب والسرقة والتعفيش من كل الأراضي التي يتواجدون بها، خاصة مناطق المؤيدين مثل ريف اللاذقية وحمص وحماة، لدرجة أن بعض السوريين أطلقوا عليهم تسمية “الجراد الوطني” و “النهب الوطني” و”التعفيش الوطني”، في العام 2017 طالبت إيران الحكومة الرسمية بالاعتراف بالدفاع الوطني رسمياً كقوة رديفة للجيش الحكومي عبر تشريع وجودها انطلاقاً من مجلس الشعب، لكن الروس رفضوا تمرير المشروع وساعدت تطورات الإقليم، وعلى رأسها إصرار إسرائيل على انسحاب إيران من سوريا كلها ـ مستشارين وعسكر وقوات مساندة وبموافقة روسية وأميركية ـ على التسريع بتفكيك الميلشيات وأولها الدفاع الوطني.

بعض من الموجودين في مراكز الدفاع تم سحبهم مباشرة إلى الخدمة، في حين أن غير المطلوبين تم تخييرهم بين الالتحاق بالفوج الخامس ـ الذي أنشأته روسيا ويخدم في منطقة البادية السورية بشكل أساسي ـ أو التسريح دون تعويض معقول، اليوم، جزء ممن لم يلتحق بأي من القوى العسكرية عاد إلى عمله القديم أو بقي دون عمل، قسم منهم يتهم اليوم في الشارع الساحلي بأنه وراء عمليات السرقة التي تحدث بشكل متكرر على امتداد الريف والسهل الساحلي، وخاصة سرقة السيارات العابرة على الأوتوستراد الدولي بين طرطوس واللاذقية ليلاً.

سمعة هذه الميلشيا السيئة جعلت قرار تفكيكها التدريجي وإبعادها عن الحواجز والمواقع المدينة بمثابة هدية للسوريين وللساحليين بشكل خاص، فما مارسته هذه الميلشيا عليهم أصبح كابوساً لسنوات دون قدرة أحد على اعتراضهم ولا الاقتراب من مواقعهم، في عدة حالات موثقة تمت سرقة سيارات من أمام بيوت أصحابها بحجة التعبئة العامة دون أي وثيقة تثبت ذلك.

إبعاد وتفكيك مقرات وتسريح بالجملة:

في الأشهر القليلة تصاعدت حدة الخلافات بين قوات الدفاع الوطني والروس والجيش السوري وبعض الميلشيا الإيرانية الموجودة في البلاد كما هو الحال في دير الزور ودمشق، في الدير حدثت معركة ذهب ضحيتها عدد غير معروف من الأشخاص، ونقلت الأخبار عن نقل عدد من هذه الميلشيات إلى حلب، حيث تتولى الشرطة العسكرية الروسية إدارة جميع المعابر في دير الزور بين مناطق قوات سوريا الديمقراطية وقوات النظام على إثر القتال الأخير الذي دار بين ميليشيات شيعية وميليشيا الدفاع الوطني لأجل السيطرة عليها حيث قتل فيها القيادي بميليشيا فاطميون حميد كريمي.

في العاصمة دمشق تمت إزالة الحواجز التابعة للدفاع الوطني وسحب البطاقات الأمنية من أفرادها، ونقل مقراتهم كلها إلى مناطق تحت سيطرة القوات النظامية أو الروسية، وفي حين ما يزال قاداته يعملون مع قطعات أخرى إلا أن الواضح أن عددهم قد تضاءل كثيراً، ومؤخراً قامت الحكومة بدفع مبلغ 202 مليون ليرة سورية دفعات متأخرة لمدة بلغت اكثر من 5 اشهر لحساب بعض من ذوي أهالي ضحايا الدفاع الوطني.

في حمص ونتيجة لمشاكل مالية توقفت جمعية البستان الخيرية التي يملكها رجل الأعمال رامي مخلوف عن دفع رواتب أفراد الدفاع الوطني في حمص ما دفع قسماً كبيراً منهم إلى ترك الميلشيا بعد تأخر شهور عن دفع رواتبهم، وبالتالي باتوا أمام خيار الانضمام إلى الجيش السوري أو الالتحاق بالفوج الخامس، في حالة ترك الدفاع الوطني يعاد طلب من هم في سن التجنيد أو مطلوبين للاحتياط، إضافة إلى ذلك ومنذ عامين تقريباً تقوم الأجهزة الأمنية بملاحقة كل قادة الدفاع الوطني من الدرجة الثانية أو الثالثة ممن تقدم بحقهم شكاوى التعفيش أو الرشاوى، فمثلاً، اعتقلت المخابرات الجوية قائد مجموعة من الدفاع الوطني في حلب بعد اشتباكات متقطعة في منطقة جورة عواد شرق حلب بعد رفضه إعادة المنزل الذي يتخذه كمقر لأصحابه.

المستقبل إلى أين؟

تتجه روسيا إلى ضم جميع الميلشيات السورية أو تلك التابعة لإيران في جسم واحد قد يكون الفيلق الخامس أو  قوات الجيش النظامية، وقد قطعت شوطاً كبيراً في ذلك، فتم تفكيك ميلشيا صقور الصحراء ومغاوير البحر في الساحل، وفي مناطق أخرى يقود الروس عمليات إبعاد الدفاع الوطني عن الواجهة وإدماجهم في قطاعات أخرى من الجيش، من المتوقع أن يتم الإعلان رسمياً عن تفكيك كامل الميلشيات بعد وقت لن يطول لتتجه الحرب السورية إلى منعطفات جديدة أهمها تحقيق المطالب الدولية بإبعاد إيران وميلشياتها عن المنطقة الجنوبية (وقد تم ذلك على بعد 65 كم عن الحدود مع دولة العدو)، ولكن لن يتم إخراج إيران من سوريا دون إغرائها بدفع مستحقاتها من الكعكة السورية.

 

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع