زواج القاصرات في إدلب وريفها … انتحار فتيات واطفال دون قيود أو نسب

المشاهدات: 7040

هاديا منصور

لم تتقبل صفاء الرزوق (15عاماً) تهديد زوجها لها بالطلاق وهي في هذا السن ، الأمر الذي دفعها للانتحار بالسم على خلفية أول مشكلة واجهتها  إثر مشاجرة بين زوجها ووالدها.

انتشر زواج القاصرات في ريف إدلب وبشكل كبير في الآونة الأخيرة، سيما بعد تراجع القطاع التعليمي ووقوع معظم الأهالي تحت خط الفقر بعد مضي سبع سنوات ونيف على الثورة السورية ، غير أن أغلب الفتيات اللواتي تزوجن لم يكن يعرفن بكونهن ضحايا للزواج المبكر إلا بعد اختبار تجربة الزواج والتي انتهت بمعظمها بالطلاق.

” مضى على زواج صفاء سنة كاملة ، لم تشعر فيها بالسعادة ، فهي لم تكن ناضجة نفسياً وجسدياً واجتماعياً على تلك المسؤولية ولذا كانت دائمة الخوف في التعامل مع زوجها ومع أهل زوجها وهو ما أدى في نهاية المطاف لإصابتها بأمراض نفسية انتهت بانتحارها ” هذا ما قالته والدة صفاء لأنا إنسان واصفة حياة ابنتها بعد سنة من الزواج ، وتضيف مبررة قيامهم بتزويجها بغصة “لقد كانت صفاء متفوقة في دراستها غير أن استهداف المدارس من قبل الطيران الحربي جعلنا نخاف عليها ونمنعها من متابعة الدراسة ، ولأن لدينا أسرة كبيرة مؤلفة من ستة فتيات ، ووالدها يعاني الفقر بعد الغلاء الحاصل وقلة فرص العمل آثرنا تزويج صفاء وخاصة وأن العريس المتقدم لها ذو وضع مادي أكثر من جيد” تصمت قليلاً لتتابع بنبرة منكسرة ” كنت أحلم بحياة سعيدة ومستقرة لابنتي ، ولم أكن لأتوقع للحظة واحدة بأنني سأخسرها نهائياً بهذا الشكل وعند أول مشكلة حدثت لها”.

صفاء فضلت الموت على نعتها بكلمة مطلقة في مجتمع لا يرحم ، أما أحلام (17عاماً) التي طلقت للمرة الثانية على التوالي وهي لا تزال في هذا السن فهي عايشت عواقب طلاقها بألم كبير وعن تجربتها تلك تحدثنا قائلة ” تركت المدرسة مضطرة وعمري ثلاثة عشرة بضغط من أهلي الذين خافوا علي من حالات الخطف والانفلات الأمني، بقيت في المنزل ريثما تقدم لخطبتي أحدهم وتزوجته ” لم تكن أحلام سعيدة بزواجها من رجل يكبرها بخمسة عشرة عاماً ، وتشعر دائماً بأنها تمارس دورها كزوجة وأم بناءً على تعليمات كانت والدتها قد لقنتها إياها قبل أن تجد نفسها في دور المسؤولية التي لم تعيها أبداً حتى عندما وجدت نفسها أماً لطفل لم تعرف كيف تكون أما له على حد تعبيرها.

تكليف أحلام بتأسيس أسرة وإنجاب ورعاية وهي لا تزال تحتاج للرعاية جعلها تفشل في ذلك وهو ما أدى لطلاقها أول مرة ، وجعلها عرضة لألم ونعوتات اجتماعية تنأى بحملها ومستقبل أصبح مجهولاً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

حاولت أحلام جاهدة بعد زواجها الثاني أن تحافظ على زواجها لكي لا تغدو مطلقة للمرة الثانية غير أن تسلط أهل زوجها عليها وتضييقهم عليها وعدم قدرة زوجها على وضع حد لمعاناتها معهم بل ووقوفه معهم ضدها جعلها تطلب الطلاق .

تتمنى أحلام أن يكون ما مرت به مجرد حلم وتستيقظ منه لتعود لمقاعد الدراسة بين صديقاتها وتكمل تعليمها وتصبح محامية تدافع عن حقوق تلك القاصرات وتنصفهن بالقانون الذي لم ينصفها وحرمها من حقها في التعليم والطفولة والحياة.

طلاق القاصرات جعلهن عرضة للاستغلال من قبل الرجال وخاصة المقاتلين الغرباء الذين قلما كان الأهالي يعمدون لتزويجهم من بناتهم لعدم معرفتهم بهويتهم الحقيقية ولعدم ضمان حياة بناتهم معهم ، ألا وأن بناتهم طلقن وهن قاصرات وغدين بنظرهم غير مرغوبات للزواج ثانية فقد قاموا بتزويجهن من هؤلاء الغرباء ، كانت حياة العلوش (16عاماً) إحدى تلك الحالات ، فحين تم طلاقها من ابن عمها وهي لا تزال في سن مبكرة لجأ والدها لتزويجها من أحد مقاتلي جبهة النصرة المتواجدين بكثرة في إدلب وريفها ظناً منه بأنه سيعوض ابنته ما قاسته بعد طلاقها من جهة ولأن زوجها المقاتل سيضمن لها حياة مرفهة وخاصة وأنه غني وراح يغدق عليها وعلى اهلها بالأموال والهدايا ، وعدا عن ذلك كله فوجوده بقربها وقرب أهلها سيؤمن لهم الحماية والقوة والسلطة في مجتمعهم ، غير أن مقولة الشاعر تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن انطبقت على حالة حياة التي هجرها زوجها المقاتل بعد أن رزقت منه بطفلة دون أن تعلم كيف ولماذا فعل ذلك ، وها هي اليوم عادت لتعيش في منزل أهلها ولكن هذه المرة مع طفلة مجهولة النسب ومحرومة الحقوق.

المحامي لؤي السلوم (40عاماً) يعلق على ظاهرة زواج القاصرات وطلاقهن فيقول لـ أنا إنسان:”  بأن نسبة كبيرة من هؤلاء الفتيات يتم طلاقهن وهن في سن لم تتجاوزن فيه العشرين من عمرهن ، فيغدين مصدر قلق لخطر الانحراف ويصبح الخوف أكبر من جانبهن من قبل الأهل والمجتمع وهو ما يدفع الأهل لتزويجهن لأي شخص بحجة الستر عليهن ، ما يجعلهن في معترك جديد مع الحياة وقسوة العيش والمسؤوليات المنهكة ، والأنكى من ذلك كله وفق ما يبينه السلوم أنه” لا قانون يحمي أولئك الفتيات اللواتي لا يمتلكن بمعظمهن هويات شخصية حتى في ظل ما تعيشه البلاد من فوضى وانعدام للأمن وللمحاكم القانونية “.

من جهتها أوضحت المرشدة النفسية علياء زعتور لـ أنا إنسان بان ثمة آثار نفسية خطيرة يترتب عليها طلاق القاصرات وهو شعور غالبيتهن بالعزلة والقلق وفقدان الاستمتاع بأي نشاط وفقدان الصلة مع العمر الحقيقي وشعورهن بالكبر ، إضافة   لطمس مرحلة الطفولة والمراهقة وعدم القدرة على الإنجاز وغياب الاستقلالية والشعور بالأمان.

هذا عدا عن المشاكل الصحية الناتجة عن زواج القاصرات والتي تلخصها الطبيبة  أسماء العلوان (35عاماً) بأن القاصر لا يزال جسمها طور النمو ولا تمتلك القدرة على المعاشرة الزوجية  والحمل والإنجاب ، وهو ما ينتج عنه أضراراً جسيمة تلحق بالأم والجنين وبالتالي ولادة أطفالاً مريضين وذوي أوزان خفيفة عند الولادة ، ولذا فهي تنصح الأهل بعدم تزويج بناتهن القاصرات تحت أي ظرف .

بدلاً من أن يحملن الدمى ويلعبن ويتعلمن كما الفتيات الصغار من أعمارهن ، يحملن مهام الزواج وآلام الحمل ومشقة الأمومة، نساء صغيرات أنجبن أطفالاً وأصبحن أمهات ومطلقات دون عقود تثبت زواجهن أو طلاقهن ليواجهن أقسى الظروف الاجتماعية والاقتصادية والنفسية ، كل ذلك تزامناً مع وجود حرب اجتاحت البلاد دون رحمة .

 

 

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع