fbpx

زواج ومن ثم طلاق أو معاناة … قاصرات في مهب مجتمع لا يرحم

يعرف القاصر قانونياً بأنه كل إنسان بمرحلة الطفولة وما زال تحت وصاية والده، وهو يعجز عن تولي مسؤولية نفسه القانونية، ولا يزال مرتبط ارتباطاً كاملاً بعائلته، وفي كل دول العالم يعرف الفرد الذي دون سن 18 عاماً بأنه قاصر قانونياً.

لكن في العالم العربي تنتشر عموماً ظاهرة زواج القاصرات، حيث تتزوج البنات دون السن القانونية، وفي بعض المناطق إن تجاوز سن الفتاة 18 عاماً دون زواج، فإن هذا حسب يعني أنها دخلت مرحلة العنوسة.

بلغت نسبة زواج القاصرات في سوريا قبل عام 2011 نحو 7% من مجموع القاصرات في سوريا، وذلك بحسب دراسةٍ أجراها المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، وأخذت هذه النسبة بالارتفاع بعد انطلاقة الثورة السورية مع اشتداد العنف، حتى بلغت في عام 2012 بحسب المركز نحو 15%، واستمرّ الازدياد بشكل مخيف حتى بلغ 30% في عام 2015 حسب آخر إحصاءات المركز.

 

عادات وتقاليد

في أسرة ريفية فقيرة ترعرعت “سمر” وتحديداً بمنطقة الغوطة الغربية وبقرية تل منين، وعانت مع أهلها ويلات الفقر لأن والدها بالكاد يستطيع بدخله المحدود من عمله ببلدية تل منين وبمعمل (البلوك) من تأمين قوت يومه وعائلته التي يزداد عبئها عليه يوماً بعد يوم.

تقول سمر في حديث لموقع “أنا إنسان”: “كنت في الثالثة عشرة من عمري حينما تقدم خاطب لأختي البالغ عمرها خمس عشرة سنة كان يعمل مع والدي في المعمل فوافق وتزوجت بعد شهرين لتتزوّج بعدها بعدّة أشهر أختي الأخرى والتي يبلغ عمرها ست عشرة سنة بظروف سريعة ودون استشارة لأيٍ منهن وحان دوري أنا الأخرى فتم تزويجي وانتقلت إلى حياة لا أملك عنها أدنى فكرة ولا أدري عن حالها شيئاً”.

وتضيف: “كل ماكنت أعرفه أن أبي وأمي متزوجان ولهما غرفة ينامان بها سويةً بخلاف تفريق المنامة بيننا وبين أخوتنا الذكور لسبب أجهله، أما الفستان الأبيض الذي استأجرته أمي من أجل زفافي كنت أظن أنني سأرقص به في الحفل وأعود إلى مدرستي وإلى رفقة ساندي (لعبتها المصنوعة من القطن)، ولكن إذا بي أجد نفسي بين ذراعي رجل يكبرني باثني عشر عاماً محاولاً نزعَ السترة التي تغطّي رأسي، حينها بدأت بالبكاء طالبةً العودة إلى أمي ومنعته عن الاقتراب مني ما جعله يستشيط غضباً ويصفعني”.

وتتابع: ” ازداد بكائي فحملني على دراجته الآلية وعاد بي إلى منزل أبي، “خذي ابنتك، علّميها وأعيديها إليّ” قال ذلك لأمي وهي تشخص ببصرها مشدوهةً لِمَا تسمع، تخشى أشد الخشية من انتشار الفضيحة بين الجيران”

ثلاثة أشهر كانت كافية لتعود سمر مطلقة من بيت زوجها وتحمل بأحشائها أول طفلة لها، وسبقتها اختها الأكبر التي حملت معها أولادها أيضاً، وحملت بنفس الوقت ذات الهم مع سمر وغيرها من الفتيات اللواتي دخلن معترك الحياة بدون حول لهنّ ولا قوة.

وفي حديث لموقع “أنا إنسان” تقول علا مروة، مختصّة نفسية ومنسقة الحماية لمنظمة النساء الآن من أجل التنمية: “إنه لا يمكن حصر أسباب زواج القاصرات بشكل دقيق إذ تختلف من أسرة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر”، وتُفنّد علا بعض الأسباب التي شهدتها خلال سنوات ما بعد 2011 التي تشجع أو تجبر الأهالي على تزويج بناتهم تحت السن القانوني قائلةً: “هنا يكون للسبب المادي نصيب الأسد عند البعض، وينقسم إلى شطرين فإما أن يكون الزواج سبيلاً للخلاص من مصروف البنات المجهد خاصة في المناطق الفقيرة أو مناطق النزوح السورية في المخيمات، أو في بعض الثقافات يكون مهر زواج الفتاة الذي يقبضه والدها هو بمثابة منحة مالية يستخدمها من أجل إعالته لباقي أسرته”.

وتضيف سبباً آخر وهو الخوف على الفتاة من الانتهاكات الجنسية بمختلف أنواعها إذ تُعد الأنثى في ثقافة المجتمعات الشرقية (ضلعاً قاصراً)، وازدياد احتمالية التعرض لتلك الحالات خاصة بعد الانفلات الأمني الذي تشهده سوريا في ظل الحرب الشعواء، وأيضاً ازدياد احتمالية فقدان الوالد أو الأخوة لحياتهم في ظل القصف، فيلجأ الأهلُ لتزويجها من رجل يتولى رعايتها، خوفاً من تشردها ووقوعها ضحية جرائمَ شرفٍ تمس بسمعتها.

وتختتم علا الأسباب المتوقعة لكثرتها بملاحظة قد شهدتها لدى العائلات التي تعيش ضمن أطر المجتمعات المنفتحة كتركيا وأوروبا وغيرها حيث تقول: “هنا يكون سبب الزواج المبكر بمثابة درع الحماية للفتيات من الانفتاح الموجود والقانون الاجتماعي الذي يبيح للفتاة فعل الكثير من الأمور التي تعدها مجتمعات سورية مخلّة بالشرف”.

 

مخاطر ونتائج حتمية للزواج المبكر

إن الزواج المبكر للفتيات ينجم عنه مخاطر كبرى تشمل الأسرة والمجتمع ككل، ويكون الطلاق أقل نتائجه المحتملة في حال فشل ذلك الزواج بينما يصل أخطره إلى حد الانتحار، عدا الأمراض والحالات النفسية طويلة الأمد التي تعاني منها القاصرات.

ألمى محمد، من سكان مدينة داريا سابقاً تتحدث عن قصتها وتقول: ” ازدادت سعادتي عندما أخبرتني أمي أنّ (سامي) ابن صديق والدي يريد خطبتي، ليتم إخراجي بعدها من مدينتي داريا من أجل الزفاف، كانت تلك هي السعادة الكبرى التي تُصوّرها الأمهات لبناتهنّ، وليرتاح ضمير والدي الذي يشعر بالعجز عن تأمين قوت يومنا، حيث كانت في نظر عائلتي فرصةً ذهبية لا تتكرر، ورفضها سيكون خسارةً كبيرة واستمراراً للمعاناة التي يعيشها أهلي كباقي سكان المدينة شبه المدمّرة”.

وتتابع: “بعد زواجي بأيام احتفل زوجي بانتهاء العام الرابع عشر من عمري وقد أصبحت امرأة وربّة منزل في نظر كل من حولي إلّا في نظر نفسي، فلقد كنت أحاول قتل الطفلة التي تبعثر انتباهي وتشتت اتزاني وتفسد الرسميّات والتصنّع الذي يتوجب عليّ التظاهر به كي أبدو امرأة جيدة في نظرهم”.

حملت بعدها ألمى بطفلها الأول لتدخل بتجربة جديدة، كانت تتخوف منها لعدم قدرتها على التفكير بحجم المسؤولية الواقع على عاتقها وهي لا تزال بريعان الطفولة، لكن بسبب ضعف بنيتها الجسدية أجهضت ألمى عدة مرّات متتالية، وتقول: “قررت الطبيبة منعي من الحمل لأنه لا يمكن لي أن ألد إلا بعد تجاوز سن الثامنة عشرة من عمري، الأمر الذي دفع بحماتي إلى البحث عن زوجة وَلودٍ لابنها البكر وهو ما جعل زوجي أيضاً  يزهد بوجودي، لأنني أصبحت المرأة التي لا تلد والتي ربّما لا يمكن لها أن تلد بعد الثامنة عشر، لكثرة الإجهاضات المتتالية، وكان هذا الأمر أول مسمار دُقّ في نعش حياتي الزوجية”.

ألمى هي الأخرى وقعت ضحية عادات وتقاليد وقرارات مستعجلة من الأهل دمرّت فيها طفولتها وهمّشت أنوثتها التي لم تكتمل أصلاً، وفي هذا الصدد وعن مثل حالات ألمى أوضحت إسراء جاد، طبيبة نفسية: “شهدت حالة في إحدى المستشفيات لفتاة تبلغ من العمر 16 عاماً أتت لوضع طفلها الأول وكانت تشتكي من أنيميا حادة وضعف عام، وإهمال من الزوج وأهله، وضعف جسدي ونفسي”، متسائلةً “إذا كانت مثل هذه الحالة السيئة تسيطر على حياة الأم فأنّى بها تربي أطفالها القادمين تربية سليمة وكيف سيكون شكل تلك الأسرة وبنيتها؟”.

من جهتها تعتقد هنادة الحريري، خبيرة في شؤون المرأة السورية أن تأثير هذا الأمر قد يتعدى الحالة النفسية، والأمور التي تستهدف الفرد والعائلة إلى التأثير على اقتصاد بلد بأكمله من حيث كون نصف المجتمع فعلياً إما قد أكمل تحصيله العلمي وأنشأ مشاريعَ خاصة، أو من خلال الخيارات العديدة المتاحة بعد إنهاء الدراسة والوظيفة الحكومية والنهضة التي تنتج عن هذا النصف الفعّال، أو انخراط الفتيات بسن الطفولة أو المراهقة بشكل فوري في جو الأسرة والمسؤولية مما يؤدي إلى إنشاء أُسر غير مُنتجة بأحسن الحالات لعدم الاستفادةِ من فرص تعليم البنات، وتحسينِ مستواهن الاجتماعي والتربوي، وإعطائه حقه لتنقله لأطفالها إذ تعتمد التربيةُ أولاً وأخيراً على الأم.

 

في منظور الشرع والقانون

وقد جرّم الشيخ ابو عامر الداراني زواج القاصرات وردّ على الذين يستشهدون بآيات من القرآن وحوادث السيرة بتبرير هذا الزواج ويقول: “هذا الأمر مُختَلف فيه من وجهة نظر الشرع، ولا يمكن أن تنطبق قوانين المجتمعات قديماً وحديثاً على بعضها، إذ يستشهد الكثير بزواج النبي ﷺ من عائشة (رضي الله عنها)، ويشدّد الداراني على قول أكثر العلماء بعدم جواز هذا الزواج الآن لاختلاف الزمان والمكان وتغيّر فقه الواقع.

ويذكر أدلةَ ذلك من أحاديث النبي محمد ﷺ حيث يقول: “لا تنكح البكر حتى تُستأذن، فإن لم تكن واعيةً صاحبة رُشد كيف لها أن تعرف مصلحتها”، ويضيف جُزءًا من حديث آخر “الأبُ راعٍ ومسؤول عن رعيته”، ويعتبر ذلك الزواج تضييعاً وتقصيراً في المسؤولية لأن الفتاة لا تدرك عبء مسؤولية الزواج إضافةً لعدم التغاضي عن وجود استثناءات وحالات كثيرة ناجحة، وهي تعتمد بالدور الرئيسي على درجة الوعي والتحمل، إلا إنَّ مفسدتها أكبر من مصلحتها ولا يجوز الإقدام عليها دون عُذر”.

وفي سياقٍ متصلٍ يؤيد المحامي إسكندر الشامي (اسم مستعار)، الآراء السابق طرحُها ضمن التقرير، ويضيف: “إن هذا النوع من الزواج يُعد انتهاكاً صارخاً يحدث على العلن ولا يمكن الحد منه في الوقت الحالي، وهو نقض لأهم اتفاقيات الدول المعنية بحقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل والمرأة الموقع عليها من سوريا ومجمل الدول العالمية في عام 1989م”.

ويصرّح إسكندر: “لم يعبأ مجلس الشعب السوري بالمطالبات الكثيرة بمنع زواج الفتيات دون السن القانوني، وقد صدر بشكل رسمي تعديل جديد في حزيران 2018 أقره المجلس، وحدد بعض العقوبات المفروضة وشروط معينة لتزويج القاصرات، إذ يحاول إحالة تلك الزيجات إلى المحاكم ومنع العقود التي يكتبها الشيوخ في البلدات الريفية وغيرها بفرض غرامات مالية تتراوح بين 50 إلى 100 ألف ليرة سورية على كل من تزوج خارج نطاق المحكمة، وذلك بدلاً من منعه بشكل كامل رغم المخاطر والمآسي التي نواجهها بشكل يومي، وكثرة الطلاق، وتدمير الأسر بشكل كلي، وخلافات العائلات، وضياع الأطفال بين رغبة الأبوين بتربيتهم وتشتتهم”.

ويضيف إسكندر: “لقد اطلعت على إحصائيات، غير رسمية مخيفة لا تزال غير محققة بشكل كامل حتى الآن تشير إلى أكثر من 65 ألف حالة وفاة وإجهاض متأخر سنوياً بسبب الزواج المبكر أثناء الحمل والولادة، هذا إلى جانب مصادرة حرية الفتاة في اختيار شريك حياتها الذي هو من عمرها، إذ نلاحظ الفرق العمري الكبير الذي يصل إلى عشرين سنة ما بين الفتاة والرجل”.

 

هل من حلول مطروحة؟

إن استنباط الحلول لهذه الظاهرة أو الثقافة الاجتماعية ربما لا تكون فعالة نوعاً ما في الوقت الراهن نظراً للعديد من الظروف المحيطة التي تفرض في كثير من الأحيان إتمام هذا النوع من الزواج، وللحد والتقليل منه بشكل تدريجي لا بد من إنتاج حلول لكل سبب على حدة كتأمين الحماية التي يؤدي فقدانها إلى انتشار زواج القاصرات، وتحسين المستوى المعيشي لمن يتعلل بالأسباب الاقتصادية وهذا ما أكدته علا مروة وأيده إسكندر.

وبحسب رأي علا: “لا بد لنا من اختتام الحديث بنقطة بالغة الأهمية وهي عدم التغاضي عن الكثير من الحالات الناجحة لمثل هده الأنواع من الزيجات، وهي تعتمد بالدور الرئيسي على مدى تكيف الفتاة وتأهيلها التربوي قبل الزواج وعلى قدرة الزوج على استيعاب وتفهم السن الذي يخاطبه في زوجته، وأنا أعرف الكثير من الفتيات اللاتي تابعن تعليمهن وكن ناجحاتٍ بحياتهن باعتمادهن على تشجيع الزوج والأهل وتفهم الأسرة وبيئتهم الهادئة نوعا ما عن باقي البيئات”.

ولا يعتبر هذا الأمر (زواج القاصرات) شائعاً فقط في سوريا، بل إن المجتمع العربي بالعموم يحمل ذات الأفكار، حيث يرى بالنساء “ناقصات عقلٍ ودين”، وذلك نتيجة فهمٍ خاطئ للدين نفسه، إضافة للنظرة السائدة لدى العرب على أن المرأة منذ ولادتها على الدنيا ترتبط تلقائياً بشرف العائلة الذي لا يُمس، والذي يوجب على الرجل أن يعيش حياته بحراسة هذا الشرف لو اضطره الأمر للقتل حتى، فقصص الوأد للبنات ما ندثرت إلا حين جاء الإسلام ووضح للناس ما للمرأة وما عليها، إلا أن تعصب العرب عموماً لفكرة الشرف والعرض وربطه بالنساء، جعل الذنب الوحيد للفتاة التي تتزوج قاصراً أنها وولدت عربية.

 

أمير القاسم

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع