fbpx

زيارات «العيد» ألم ومشقة تختزل معاناة السوريين في تركيا

المشاهدات: 1757

 من اسطنبول إلى حمص، وقعت “هند” في فخاخ لا تنتهي؛ عندما قررت العودة في إجازة عيد الفطر لزيارة أمها المريضة، والجلوس معها قبل أن تودع الحياة، حيث عاشت أياماً وليال طويلة متنقلة بين حواجز الموت، حتى وصلت لتجده مخيماً في منزل ذويها.

مضى أربع سنوات على قدوم هند الى تركيا مع زوجها هرباً من سطوة الأسد، وفي كل عام تزداد اشتياقاً ولوعةً لرؤية أهلها، لكنها كانت تتخوف دوماً من العودة، فقد سمعت كثيراً عن حالات اعتقالٍ كثيرةٍ لنساءٍ على حواجز النظام، إلا أن مرض أمها جعلها تصمّم على السفر في إجازة العيد هذا العام، غير آبهةٍ بما يمكن أن يحدث لها على الطريق.

تقول هند لموقع أنا انسان: “حين علمت بمرض أمي قررت النزول الى حمص لرؤيتها والاطمئنان عنها، حاول زوجي اقناعي بالعزوف عن الفكرة لاسيما أني سأسافر وحدي مع ابنتي الصغيرة، فسفر زوجي يعني وقوعه بين براثم شبيحة الأسد، لكن اصراري وخوفي من أن يصيب أمي مكروه قبل أن أراها فاق كل شيء”.

 

حجز الموعد واذن السفر أولى العقبات

بدأت هند التحضير لرحلتها الطويلة، التي كانت مربكةً منذ يدايتها، فالدخول الى سوريا يتطلب حجز موعدٍ عبر أحد المواقع الالكترونية للمعابر الثلاثة الحدودية المتاحة للدخول (باب الهوى -باب السلامة – جرابلس)، إلا أن تلك المواقع شهدت ضغطاً كبيراً من قبل الراغبين بحجز الموعد، ما جعل الكثيرين ومن بينهم هند يجلسون لأيامٍ أمام شاشة الحاسوب أو الهاتف المحمول يحاولون الدخول الى رابط الحجز لكن دون فائدة.

تضيف هند “بعد خمسة أيامٍ من المحاولة المتكررة تمكنت من حجز الموعد، بعد أن اضطررت للاستيقاظ في السادسة صباحاً، حيث ينخفض عدد زوار موقع الحجز في هذا الوقت، لأبدأ رحلة معاناةٍ جديدةٍ تتمثل في الذهاب الى ادارة الهجرة التركية في منطقة بيازيد باسطنبول للحصول على اذن السفرِ، وحين وصلت الى هناك كانت الصدمة الكبيرة حين شاهدت آلاف السوريين قد تجمعوا في بقعةٍ صغيرةٍ داخل وأمام باب ادارة الهجرة للحصول على اذن السفر”.

رغم ذهاب هند مرتين وانتظارها أكثر من سبع ساعات في كل مرة، إلا أنها لم تتمكن من الحصول على اذن السفر، والذي يُخوّل حامله التنقّل بين الولايات التركية، وهنا دخلت في حالة قلقٍ وحزنٍ، فلا يمكنها الوصول الى المعبر دون اذن السفر.

بينما كان زوج هند يتصفح هاتفه المحمول كالعادة، قرأ اعلاناً على أحد كروبات السوريين على الفيس بوك عن رحلاتٍ خاصةٍ بين الولايات التركية دون اذن سفر، وبالفعل اتفق مع أحد السائقين على نقل زوجته وابنته الى المعبر مقابل مبلغ 500 ليرة تركية.

 

تعبٌ ومشقةٌ على المعبر

عقب رحلةٍ دامت 15 ساعة وصلت هند الى مدينة انطاكية، بعد أن اضطر السائق للدخول في طرقٍ فرعيةٍ كثيرةٍ لتجنب الدوريات التركية المنتشرة على الطريق الرئيسي، وقررت المكوث عند ابنة خالتها لالتقاط أنفاسها بعد تلك الرحلة الشاقة لتستعد الى رحلةٍ أشد وطأة من المعبر باتجاه مدينة حمص.

أصرت ابنة خالة هند على أن تبقى عندها يومين آخرين قبل التوجه الى المعبر كي ترتاح أكثر وتستأنس برؤيتها، لكن حين تحدثت هند الى والدها علمت أن حالة أمها الصحية تزداد سوءاً، فقررت التوجه في صباح اليوم التالي مباشرةً الى المعبر.

حين وصلت الى معبر باب الهوى تفاجأت بالأعداد الكبيرة المتواجدة هناك، فإدارة معبر باب الهوى أعلنت دخول قرابة 2400 مواطنٍ في اليوم الأول فقط لقضاء إجازة عيد الفطر، فضلاً عن آلاف الأشخاص الآخرين الذين لم يتمكنوا من الدخول في نفس اليوم.

عند التوجه الى مشارف المعبر تتوقف السيارات على بعد 2 كيلو متر، لذا يضطر الوافدون للسير على أقدامهم مع التوقف عدة مرات ضمن خيام لا تقي حر الشمس، وبعد انتظارٍ لأكثر من خمس ساعات تمكنت هند من اكمال الاجراءات في معبر جلفاكوز التركي المقابل لمعبر باب الهوى.

انتقلت بعدها الى الجانب السوري، الذي يتولى مهمة تحديد موعد العودة، حيث تلقت هند صدمةً جديدةً حين تم تحديد موعد عودتها بعد 20 يوماً فقط، فالمشقات التي عانتها للوصول الى المعبر أو المصاعب التي تعلم أنها ستواجهها لحين بلوغ مدينة حمص، تحتاج لشهر على الأقل لتلتقط أنفاسها وتتفرغ لرؤية أهلها بعد طول غياب.

شوق هند لأمها وشغفها لرؤيتها جعلها تتحفّز لمواصلة الدرب، لتصعد في احدى السيارات وتتوجه الى مدينة ادلب للمكوث عند صديقتها كي تتوجه في اليوم التالي الى مدينة حمص، ولسان حالها يقول: “بقطع آلاف الكيلو مترات كرمال وصّل لحضن أمي واطمأن على صحتها وأقعد معها ولو يوم واحد”.

 

المهجّرون محرومون من العودة

تفرض حواجز الأسد المتواجدة على خطوط التماس مع المناطق المحررة تشديداً أمنياً على السكان الخارجين من الشمال المحرر، ولاسيما النازحين والمهجّرين من مناطق أخرى، وبالتالي فإن المهجّرين من دمشق أو حمص أو أي منطقة أخرى قد يتعرضون للاعتقال أو يُمنعون من الدخول الى مناطق النظام ويتم ارجاعهم من حيث أتوا.

اتفقت هند مع أحد السائقين كي يوصلها الى حمص دون أن تتعرض للاعتقال أو تُمنع من الدخول الى منطقتها، حيث يوجد الكثير من السائقين المتعاملين مع حواجز النظام، والذين يسمحون لهم بنقل أشخاص بينهم مطلوبين للأفرع الأمنية، دون أن يتعرضون للاعتقال، وذلك مقابل دفع مبالغٍ ماليةٍ كبيرةٍ لتلك الحواجز.

صعدت هند في سيارةٍ خاصةٍ مع امرأتين من دمشق وشابٌ من حلب في الثامنة عشر من عمره، انطلقت السيارة في تمام الخامسة صباحاً من مدينة ادلب، بعد أن تقاضى السائق من كل راكبٍ مبلغ 150 ألف ليرة سورية مقابل ايصالهم الى حيث يريدون دون تعرضهم للمساءلة الأمنية من حواجز النظام.

يتطلب الوصول من الشمال المحرر الى باقي المحافظات الخاضعة لسيطرة الأسد، المرور على حواجز “هيئة تحرير الشام” ومن ثم قوات “غصن الزيتون” إلى أن يصل إلى حواجز قوات سوريا الديمقراطية “قسد”؛ وختاماً تأتي حواجز النظام.

انطلق السائق الذي يقلِ هند وابنتها الصغيرة وباقي الركاب، من مدينة ادلب باتجاه ريف ادلب الشمالي ومنه الى ريف حلب الشرقي، حيث تحتاج أي سيارة تريد الوصول لمناطق النظام للمرور عبر طريق حلب-خناصر، كون اتوستراد حلب-دمشق الدولي عبر مورك أو قلعة المضيق مغلق بسبب المعارك المشتعلة في ريفي حماه الشمالي وادلب الجنوبي.

تقول هند: “مررنا في معرتمصرين ثم سرمدا والدانا وصولاً الى اطمة بريف ادلب الشمالي، حيث تتواجد حواجز هيئة تحربر الشام، والتي تكتفي بسؤال المارين عن الجهة التي أتوا منها والجهة التي يقصدونها، إضافةً إلى تدقيق بعض الحواجز أحياناً على اللباس الشرعي الخاص بالنساء”.

بعد تجاوز بلدة اطمة على الحدود الادارية بين ادلب وحلب، تدخل السيارة نحو معبر ديربلوط في منطقة عفرين، حيث تتواجد حواجز فصائل المعارضة التي تتبع لـ قوات “غصن الزيتون”، والتي يتقاضى بعضها مبلغ ألف ليرة عن كل شخص، اضافةً الى الانتظار عند أخر حاجز لقوات “غصن الزيتون” لمدة ساعتين الى ثلاث ساعات، من أجل الحصول على إذن الخروج من مدينة عفرين.

مع كل ساعة تمر يزداد قلق هند التي انقطع الاتصال بينها وبين أمها منذ دخولها عبر معبر باب الهوى، حيث لا تتواجد شبكة هواتف محمولة في معظم المناطق المحررة، وبعد الخروج من عفرين، تتجه السيارة الى مدينة منبج بريف حلب الشرقي، حيث تتواجد حواجز “قسد”.

وتضيف هند، “حين وصلنا الى منبج تم إنزال جميع الركاب والسائقين مع أغراضهم وأخذ الهويات الشخصية من أجل (التفييش)، كما يأتي شخص تابع لقسد يتقاضى مبلغ 500 ليرة على الراكب الواحد يسمى ضريبة (دعم البلدية)، وبعد المسير بقليل توقفنا على حاجز آخر لقسد طلب الهويات لتفقدها مجدداً وسألنا عن وجهتنا المقبلة ومن أين أتينا، ثم جاء شخص يدعى موظف الترفيق وأخذ ضريبة مالية بقيمة 2000 ليرة عن كل راكب، علماً أن الأجور التي تتقاضاها الحواجز يدفعها السائق فنحن دفعنا له الأجرة مسبقاً”.

تتابع هند قائلةً: “بعد مضي ست ساعات ضمن مناطق سيطرة وحدات حماية الشعب الكردية، اتجهت السيارة نحو أول حواجز النظام على أطراف مدينة منبج، وهنا بدأ الرعب يتسلل الى قلوبنا، فالأسد لا يُفرّق بين امرأةٍ أو رجلٍ وبين صغيرٍ أو كبيرٍ، تقدم أحد عناصر الحاجز نحو السائق وسأله عن وجهتنا، فأخبره أن هناك امرأتين ذاهبتين الى دمشق وشاب الى حلب وأنا الى حمص، عندها صرخ في وجه السائق قائلاً: (أنا مو قلتلك من قبل لا تجيب معك حدا رايح ع الشام”.

رغم الجدال الطويل بين السائق وعنصر النظام، والتوسل والبكاء الشديد من قبل الامرأتين الذاهبتين الى دمشق، رفض حاجز النظام السماح لهما بالمرور وطلب منهما العودة الى ادلب، رغم أنهما أخبراه أنه ليس لهما أي أقارب أو معارف هناك، وبنفس الوقت تم اعتقال الشاب الذي كان في السيارة بحجة عدم استخراجه دفتر خدمة العلم، في حين قام بتفييش هوية هند التي أصبح قلبها بين قدميها، وفتش أغراضها بدقة، ومن ثم سمح لها بإكمال الطريق لوحدها مع السائق بعد انتظارٍ لساعتين.

لم بكن منع النظام للامرأتين المرافقتين لهند من الذهاب الى دمشق هي الحالة الأولى، بل كان هناك حالات أخرى سابقة لمهجرين مُنعوا من العودة الى مناطقهم أو تعرضوا للاعتقال، بحسب ما ذكر شهود عيان، ويرى الصحفي غياث الذهبي، أن “النظام يسعى لتعزيز سياسة التغيير الديمغرافي في العاصمة دمشق التي يسعى لتحصينها جيداً، لذلك يمنع عودة كل من يمكن أن يُشكّل حاضنةً شعبيةً مواليةً للمعارضة قد تنقلب عليه فجأةً في وقت لاحق”.

وأضاف الذهبي لموقع أنا انسان أن “منع النظام لعودة المهجرين الى بيوتهم، لا يشمل كل أهالي دمشق، وإنما فقط سكان المناطق التي تم تهجيرها، كالغوطة الشرقية وأحياء جنوب وشرق دمشق والزبداني والقلمون الشرقي، فمن يُسمح له بالمرور عبر حواجز النظام المتاخمة للمناطق المحررة، يتم اعتقاله حين وصوله الى مناطقه”.

وأشار الذهبي الى أنه “تم اعتقال معظم النساء والأطفال المهجرين الى الشمال المحرر الذين عادوا الى مناطقهم في الغوطة الشرقية، حيث تقوم لجان المصالحة هناك بالإبلاغ عنهم، ليقوم فرع المخابرات الجوية في حرستا بدوره باعتقال النساء المهجرات وأطفالهن لمدة شهر على الأقل حتى لو لم يكن عليهم أي إشكال أمني، أما الشبان المطلوبين للخدمة العسكرية، يتم اعتقالهم لعدة أشهر ثم ارسالهم للقطع العسكرية، علماً أن الحال ينطبق على باقي المناطق التي تعرضت للتهجير”.

 

نهاية مفجعة

أكملت هند طريقها مع السائق وحيدةً نحو مدينة حمص وفي داخلها شعورٌ ممزوجٌ بالفرح والحزن والقلق، فهي سعيدةٌ كونه سُمح لها بالمرور على حواجز النظام، وحزينةٌ لأنها لم تطمئن على والدتها المريضة، وفي نفس الوقت قلقةٌ كونها بقيت وحيدةً مع السائق وتخشى أن يخطفها، أو يتم اعتقالها أو اعادتها الى ادلب، لكنها ظلت تدعو الله أن يكون معها قي هذه الرحلة الشاقة.

مرت هند على أكثر من خمسين حاجزاً للنظام بين حلب وحمص؛ بينها حواجز تابعة (لفرع الأمن العسكري والجوية والسياسي وفرع فلسطين)، وطوال الطريق تحاول أن تتصل بأمها وأبيها بعد أن توفرت الشبكة، لكن لم يكن أحد يجيب عليها ما جعلها في حالة قلقٍ وتوترٍ كبيرين، وبعد مضي 17 ساعة وصلت هند أخيراً الى حاجز مدخل مدينة حمص قرب كراج البولمان.

بعد مرور ساعة من التفتيش الدقيق على مدخل حمص، وصلت هند بشق الأنفس الى وسط المدينة، حيث قام السائق بإنزال أمتعتها، شكرته على عجلة وصعدت بالتكسي واتجهت فوراً الى بيتها في حي الانشاءات، لتتفاجئ بوجود خيمة عزاءٍ أمام بناء منزلها، حاولت أن توهم نفسها أن الخيمة ربما تكون منصوبةً لشخص متوفى من جيرانها، وهرولت فوراً على الدرج حاملةً ابنتها بيدها لتصل الى باب بيتها لتجده مفتوحاً، دخلت مسرعةً لترى مجموعة نساءٍ متشحات بالسواد، نظرت بدهشةٍ بين الحضور فلم تجد أمها، لتصرخ بصوتٍ عالٍ وانهارت أرضاً مغمياً عليها وقد سقطت ابنتها فوق صدرها.

قصة هند تختزل معاناة السوريين الذين عادوا من تركيا لقضاء إجازة عيد الفطر السعيد، أو الذين يخططون للقدوم الى سوريا خلال اجازة عيد الأضحى المقبل، فاجراءات الدخول أو الخروج من والى المعبر واحدة، لكن من يودون التوجه الى الشمال المحرر لن يضطرون لمواجهة مشقة ومخاطر المرور عبر حواجز النظام والوحدات الكردية.

يذكر أن 36 ألف سوري عادوا إلى بلادهم من معبر باب الهوى لقضاء إجازة عيد الفطر هذا العام، بينما دخل 20 ألف سوري عبر معبر باب السلامة، و29320 زائراً عبر معبر جرابلس، وعقب نهاية عيد الفطر بدأ السوريون بالعودة الى تركيا حسب الموعد المحدد لهم، في حين فضّل البعض الآخر البقاء لقضاء اجازة عيد الأضحى المقبل.

 

هاني العبد الله

  

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع