عمل أم شحادة!

المشاهدات: 1407

 

سوزان أحمد – خاص “أنا قصة إنسان ” 

صعدت إلى الحافلة وبطول لا يتجاوز المتر والعشر سنتيمترات، تنقلت بين الركاب على اختلاف جنسياتهم تحاول بيعهم  مناديل. “الله يخليك اشتري مني!” كانت تقول ذلك بلغتها العربية وبنبرة منكسرة لمحاولة إثارة تعاطف الركاب وتشجيعهم . لم يعرها أحد أي انتباه حتى وصلت إلى سيدة تقف محاولة التمسك حتى لا تسقط مع تموجات الحافلة.  وهنا بدأ المشهد!

“الله يخليكي اشتري مني” قالت الطفلة مجدداً. فهزت السيدة رأسها بالرفض. فما كان من الطفلة إلا أن رمت بعلبة المناديل فوق حقيبة السيدة. ولكن لا استجابة. فقامت الطفلة بمعانقة السيدة وترديد عبارات الاستعطاف. فسألتها السيدة “لماذا لست في المدرسة؟” فأجابت الفتاة: “لا أعرف لغتهم” فردت السيدة: ” ولكن هناك مدارس عربية للسويين”. فزادت الطفلة من استجدائها وتجاهلها سؤال السيدة ونظراتها. وعادت لمعانقتها. وعندما دفعت السيدة للفتاة مقابل  المناديل، مضت الفتاة دون أن تعطيها شيئاً وبدأت تعانق راكباً آخر!

كثيراً ما نسمع عن أطفال يعملون كبائعين متجولين يرفضون أخذ النقود دون إعطاء شيء بالمقابل، ويقولون بعنفوان “أنا بياع ولست شحاد!” وذلك ربما لأننا نحب أن نركز على قيم أخلاقية طالما أحببناها واحترمناها. ولكن نسبة الأطفال الممتهنين للشحادة تحت غطاء العمل أو البيع هي أكبر بكثير للأسف.

يقول عروة أنه كثيراً ما يصادف هؤلاء الأطفال في وسائل المواصلات العامة في تركيا وعندما تحدث لأحدهم ذات مرة، اكتشف أنهم عبارة عن 5 أطفال يعملون في الشحادة تحت مسمى بيع المناديل. يلتقون بوالدهم عند محطات معينة ليعطوه ما جمعوا من نقود ليعودوا لمتابعة عملهم بوجوه شاحبة وعيون بريئة ونفسية مقهورة.

صحيح أن الوضع الراهن في سوريا فرض ظروفاً معاشية قاسية حتى على أولئك الذين فروا بحياتهم لدول الجوار.  ولكن تحمل النصيب الأكبر من هذه الصعوبات، الأطفال الذين حرموا من التعليم وتوجب عليهم العمل إما للمساعدة في إعالة أسرهم أو لإعالة أسرهم بشكل كامل.  ولكن ما ينذر بالخطر، هو ترعرع جيل بالكامل على مبادئ أخلاقية واجتماعية تتناقض مع فطرة الإنسان ومبدأ الكرامة.

تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من خمسة ملايين سوري يعيشون في دول الجوار، في حين تجاوز عدد المهجرين قسرياً داخل سورية أكثر من 8 مليون سوري وفق تقرير للأمم المتحدة.  وتؤكد الأرقام أن قرابة خمسة ملايين طفل محرومون من حقهم في التعليم الأساسي ما ينذر بجيل جاهل. ولكن عدم الحصول على التعليم لا يمنع الحصول على التربية والنشئة على مبادئ أخلاقية وقيم تحترمها المجتمعات وتعززها.

ليس هناك أرقام موثقة عن عدد الأطفال العاملين في ظروف صعبة ولا أولئك الذين يمتهنون الشحادة.  ولكن يبدو أن الأمر سيكون خطراً حقيقاً في المستقبل إن لم يتم التنبه له ومعالجته مبكراً. الحرب ليست ذريعة لخسارة المبادئ أو ارتكاب الأخطاء التي تعد جرائم بحق الأخلاق والأجيال.

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع