fbpx

لماذا اختارت نساء الساحل السوري القتال لجانب النظام؟

رغم أن أرض أبي ديمة تكفيه حاجته من الزيتون، ويبيع الفائض منه ليعيش في ستر بقية العام، إلا أنه من المستغرب رؤيته حزينا ومتكدرا، خصوصاً أن موسم الزيتون في الساحل السوري كان جيدا هذا العام، ولم يرزقه الله أبناءً ذكوراً يخاف عليهم من الخدمة العسكرية، أو الاعتقال أو الموت أو الخطف أسوة بجيرانه وأقاربه الذين فقدوا عشرات الشباب في المأساة السورية.

إلا أن هم الرجل مختلف عن أقرانه إذ يقول “أنا في نهاية عقدي السابع، وعندي ثلاث بنات أصغرهن طالبة معهد متوسط. أعلم أنهن لسن على قدرٍ عالٍ من الجمال ولا ثروة لديهن ولا وظيفة. لذا كنت أتمنى لو كان لي ثلاثة أبناء ماتوا في الحرب قبلي، عوضاً عن بناتي اللاتي سأتركهن للمجهول بعد موتي”، ويضيف بصوت متعب “الشباب في قريتنا والمنطقة المحيطة بها قلة قليلة، وعدد البنات اليوم كبير جداً، وبالتالي تقل فرصهن بالزواج إن لم تكن معدومة حتى يومنا هذا. خصوصاً أن الشاب عندما ينهي خدمته الإلزامية أو الاحتياط يكون قد تجاوز الثلاثين، ولن يتزوج من هي في مثل سنه خصوصاً إن كانت فقيرة أو غير موظفة”، إلا أن ابنته البكر كانت قد أخذت قرارها والتحقت بكتائب البعث (ميليشيا تطوعية تتألف من أعضاء حزب البعث السوري تم إنشاؤها العام 2011)، وهذا ما تركه أكثر حزناً “لقد كان الموت أسهل من رؤية ابنتي وهي ذاهبة للالتحاق بكتائب البعث. لم أستطع منعها ولا موافقتها كل ما استطعت فعله هو البكاء بعد أن رحلت”، يقول أبو ديمة.

أحد الشباب المقيمين في مدينة اللاذقية ويبلغ من العمر 30 عاما قام بتأجيل خدمته الالزامية، (فضل عدم ذكر اسمه) يعقب على الموضوع بالقول: “الخزان البشري للنظام -وخصوصا العلويين- على وشك النفاذ بعد أن مات من مات من عناصر الجيش والأمن والميليشيات التي تشكلت لتقاتل معه، وبعد تهرب وهروب آلاف الشباب من الخدمة الإلزامية بعد قناعة أصبحت راسخة عند جميع السوريين باستثناءات بسيطة -تكاد لا تذكر- أن هذا الموت المجاني ليس إلا لحماية عصابة تنهب هذه البلاد دون أي اعتبارات أخرى، وأن الخطاب الإعلامي الذي انتهجه هذا النظام لم يعد مؤثرا أبدا بل على العكس أصبح مثار غضب وسخرية الجميع”.

وهذا ما دفع النظام لتطويع النساء والفتيات وبرأيه محاولة النظام ” زج النساء بدلا عن الرجال في الفترة الأخيرة من خلال فتح باب تطوع النساء والفتيات في صفوف الجيش والميليشيات المختلفة التابعة له، هي خيار إجباري له ولهن، حيث يعي النظام جيداً ألا شيء يجذب الفتيات سوى العامل المادي”، وبحسب تعبيره “لا يملك النظام إلا ورقة واحدة لجذبهن، وهي ورقة من فئة خمسين دولار، وبالطبع تختلف عن الخمسين دولار التي تحدث عنها رأس النظام في لقائه الأخير على قناة روسيا اليوم والتي قال فيها إن المتظاهر السوري كان يتلقاها من قطر”.

ورغم أن المبلغ صغير نسبياً إلا انه صار حلماً لكثيرين في ظل غلاء المعيشة الذي تعيشه اللاذقية وريفها، وسوريا عموماً وغالبية الوظائف المطروحة للنساء بأن تكون موظفة في شعب التجنيد -بعد أن تم سحب جميع الشبان المتطوعين فيها إلى ساحات القتال- أو أن تكون مقاتلة في الدفاع الوطني، وخصوصاً في بعض الوظائف التي تناسب النساء كالعمل في المطبخ، أو تفتيش النساء على الحواجز أو أمام المباني الحكومية كالمحكمة والمستشفيات وغير ذلك.

إلا أن للمتطوعات أسبابهن التي دعتهن للالتحاق حيث تقول أ.س: “لقد بحثت كثيرا عن فرصة عمل ولم أجد في القطاع الخاص ولا العام أي وظيفة، أنا لا أملك شهادة ولا أجيد سوى أعمال المنزل، تجاوزت الثلاثين ولم أتزوج بعد، وأتتني فرصة ذهبية-على حد قولها- وأشكر الله لأني وفقت بها”، فيما ترى ر.ع  أن “التطوع طالما أنه دون قتال وخطر، فهو وظيفة رائعة جدا، عملي هو تفتيش حقائب السيدات على باب إحدى الدوائر الحكومية (تفضل عدم الإفصاح عنه في الصحافة)، وتضيف صحيح أن الراتب قليل جدا لكن هنا قد ألتقي بشاب يعجب بي ويتزوجني، وهو شيء محال في قريتي البعيدة إضافة لأنه يلزمني بلباس البزة العسكرية، أما لو كانت في وظيفة مدنية أخرى فسأكون مجبرة على  استبدال ملابسي مرتين في الأسبوع على الأقل وهذا ما لا أقدر عليه”، فيما تقول زميلتها د.ع: “استشهد زوجي وترك لي 4 أطفال ورحمة الله، أهله تخلوا عنا وأخوتي أحدهم جريح حرب وبالكاد يحصل على قوت يومه، والثاني منه لربه”، بينما للمتطوعة ر.م (الشابة الوحيدة التي تطوعت بمباركة أهلها ممن قابلناهم) أسباب أخرى حيث تقول: “بعد أن فقدنا قسم كبير من أهلنا في مجزرة صلنفة، وأخوتي يقاتلون بعيدا عنا قررت تعلم استخدام السلاح، ونحن في قرية تعتبر إلى حد ما خط تماس مع المسلحين، أنا لن أسمح باختطافي إضافة لأني بحاجة ماسة للراتب مهما كان صغيرا”.

وبما أن الحاجة المادية تضغط على الكثيرين من الفتيات والسيدات، فإن  د.ي نوت أن تبيع خاتم الزواج لتقدم بثمنه رشوة تعينها على وظيفة ما، إلا أن سعر الخاتم لا يكاد يكفي وجبة صغير فكيف بالكاد رشوة لوظيفة، وتقول “لم تبق مسابقة إلا وحاولت من خلالها أن أنال وظيفة وكنت مستعدة لبيع حتى خاتم زواجي ودفع ثمنه كرشوة، لكن لم أوفق أبدا فالمبالغ المطلوبة مقابل ذلك لا نستطيع دفعها أما خيار التطوع كان مرفوضا تماما مني ومن زوجي وأهلي، لكن بعد أن طلب زوجي للخدمة الاحتياطية وامتنع عنها، تم فصله من وظيفته ولم يغادر المنزل إلى الآن، واضطررت لبيع خاتم الزواج ليأكل ابننا ويشرب وعلى أمل اليوم وغدا ستحل أمورنا، لكن الأيام والشهور والسنين مرت ولم يبق أمامي سوى هذا الخيار رغم كل مآسيه وصعوبته على الأقل بالنسبة لي، صحيح أن فيه الكثير من الضغوطات واحتمال تفاهات “الزملاء” وبساطة الزميلات، إلا أنه أفضل من السفر إلى أي بلد بقصد العمل ولو براتب مليون ليرة”، لكن رغم تذمر البعض من هذا العمل إلا أنه راق للبعض فتقول ش.م “في يدي النهي والأمر، وأنا محل احترام وصاحبة سلطة على أحد الحواجز مقارنة بالمعيشة مع زوجي وأمه وأخته، ومن مزايا هذا الراتب أنه يضاف إليه “البراني” الذي يعادل ثلثه تقريبا أو يزيد قليلا، والميزة الأهم أني ومذ أصبحت صاحبة دخل لم أتلقى سوى صفعة واحدة من زوجي أما قبله فكنت بشكل أسبوعي أتعرض للضرب”.

ليس ضيق ذات اليد القاسم المشترك الوحيد لكل من تحدثن، بل إن جميعهن يرفضن القتال على أي جبهة إذا ما تم تخييرهن بين القتال والوظيفة، وجميعهن أكدن أنهن سمعن في وسائل الاعلام فقط عن وجود قناصات ومقاتلات لكن على أرض الواقع لم يحدث أن التقين بإحداهن، ولقلة المصادر الموجودة يصعب تحديد عدد العاملات في المؤسسة العسكرية الرسمية والتشكيلات الرديفة لها، لكن تقدر بحسب معلومات لم نستطع التأكد من مدى دقتها أنهن قرابة 5 آلاف متطوعة.

هنادي زحلوط

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع