fbpx

ما لا تعرفه عن المعتقلات السرّية للفصائل المتطرفة شمال سوريا!

المشاهدات: 1997
حازم داكل -صحفي سوري
شكلت قضية المعتقلين السوريين في سجون نظام الأسد، الدافع الأساس للحراك الشعبي في مناطق واسعة من سوريا منذ آذار/مارس2011. فاتسعت رقعة الرفض الجماهيري العام مع استمرار اعتماد النظام لأسوأ الممارسات والأساليب القمعية والتي تقضي باعتقال وتغييب وتعذيب كل من يخالفه الرأي.

ومع تصاعد الخط البياني للثورة واعتمادها للعمل العسكري، وبعد نشوء المناطق المحررة، قامت الفصائل المسلحة “على اختلاف مسمياتها وأجنداتها وتبعيتها بفرض نفسها “كسلطة للأمر الواقع”. وتبنت هذه السلطات الجديدة ذات الأساليب والممارسات القمعية التي اعتمدها النظام، بالرغم مما رفعوه من شعارات تتغنى بالحرية والعدالة والكرامة وبحماية المدنيين.

وبالتزامن مع كل ما قام به عناصر النظام ومعظم مسؤوليه من انتهاكات وجرائم ضد الإنسانية، كانت تلك الفصائل المسلحة وما زالت تمارس العنف واعتقال الناس ونفيهم خارج البلاد من خلال تقويض شبكات الأمان والتضامن الاجتماعي وقيم السلم الأهلي، وبثت الرعب في الحياة العامة وقامت بالاغتيالات الممنهجة التي تحصد ارواحهم بشكل عشوائي وشبه يومي.

شهادات خاصة حصل عليها معد التحقيق كشف من خلالها معتقلون سابقون عن معلومات تفيد بوجود العديد من السجون السرية في المناطق المحررة بمحافظة إدلب شمال غربي البلاد.

كما افاد المعتقلون في شهاداتهم عن ظروف اعتقالهم في تلك السجون السرية – التي دام بعضها ما بين شهرين وثلاث سنوات – عن عمليات التعذيب الممنهجة التي مورست ضدهم جسدياً ونفسياً. حيث تم تعذيب بعضهم بالشبح والكهرباء والضرب بالعصي والاكبال.

سجن العقاب:

هو السجن السري الأكثر رعباً، بنته “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقاً) تحت الأرض، في منطقة تقع بين مدينة كفرنبل وقرية البارة بجبل الزاوية في ريف إدلب، ويضم 3 مهاجع كبيرة يتسع كل منها أكثر من 100 شخص بالإضافة الى 26 غرفة منفردة مساحتها متر بمتر، وارتفاع يقدر بمتر ونصف المتر. يديره أحد القياديين الشباب في تنظيم القاعدة يدعى خالد الصوراني “أبو خديجة”.

وتكمن سرية هذا المعتقل في أنه بقي مجهولاً لفترة طويلة، ثم عرف بالاسم فقط، ثم موقعه الجغرافي العام دون إمكانية تحديد موقعه بدقة، كما أن استحالة دخول منظمات حقوقية أو أي جهة مستقلة لداخله ومراقبة ظروف المعتقلين، يجعل من هذه المعتقلات سرية بامتياز، ولولا شهادات بعض المعتقلين الذين نجوا منها لما عرف أحد عن تلك الثقوب السوداء التي تلتهم كل من يخالف سلطات الأمر الواقع، الرأي.

عمار العبدو (22عاماً)، مصور صحفي سابق لدى الوكالة الفرنسية للأنباء، أحد المعتقلين في سجن العقاب، بقي عمار معتقلا في هذا السجن لأكثر من 98 يوماً بتهمة التخابر مع جهات خارجية، كما تعرض عمار لأسوأ أنواع التعذيب الجسدي المستمر منها الجلد بالسوط والضرب بالعصي.

 يقول عمار: تم تعذيبي على يد السجان ومسؤول التعذيب محمد يازجي المكنى بـ “أبو البراء قلعة” بالتعاون مع يوسف العمر المكنى بـ “أبو إسلام” رئيس المتابعة في سجن العقاب. والمفارقة أن مهمة هذه اللجنة الدفاع عن المعتقلين امام المحكمة الشرعية. لقد تعرضت لضرب مستمر. يتابع عمار وهو يستذكر رعب تلك الأيام، سيجارة في يد وأخرى على جبينه، كانت الكهرباء هي نوع من أنواع التعذيب، وأكثرها قسوة، أنا الأن عاجز على تفسير هذا الحقد الكامن وراءه وسببه.

ويضيف عمار ان أكثر الجلادين رعباً داخل سجن العقاب كان سامي الحمود المعروف باسم “أبو خالد مازوت” المنحدر من ريف حماه. كان سماع صوته خارج المنفردات يشكل رعباً للجميع، كان يمثل القتل، التعذيب، البطش والقسوة، يا إلهي.. أنه وحش يمشي على الأرض.

 يكمل عمار انه أصيب بأمراض عديدة كالجرب والقمل والاسهال المتواصل بسبب الطعام السيء الذي كان يقدم له يومياً كالحساء صباحاً وقطعة خبز مساءً.

وأشار عمار الى ان هناك تعذيب نفسي مورس عليه بعد اعتقاله لأكثر من شهر بغرفة منفردة، حيث تم نقله الى مهجع جماعي فيه مجاهدين من جنسيات أجنبية متعددة، اجبر على حضور دروس دينية مكثفة وايقاظه ليلاً للصلاة بشكل متكرر، بالإضافة لـ “كفارة” كانوا يقومون بها بشكل جماعي وهي الامتناع عن أكل الطعام لأيام والاكتفاء بثلاث حبات من التمر فقط. وهذا ما دفعه لطلب نقله الى الغرفة الانفرادية مجدداً من رئيس دور القضاء أبو جابر حماه (محمد العمادي) خلال زيارة تفقدية لسجن العقاب قبل مقتله بغارة للتحالف الدولي بريف إدلب.

أطلق سراح عمار بعد 98 يوماً من الاعتقال، بدون محاكمة بعد ان قدمت كفالة شفهية لقادة “جبهة النصرة” من قبل أمير قرية بلشون في جبل الزاوية لوجود صلة قرابة بينه وبين عائلته.

عمار يقيم حالياً في جنوب تركيا بعد ان تم تهريبه من شمال سوريا بمساعدة ميليشيا معارضة تصنفها الولايات المتحدة بالمعتدلة

سجن باب الهوى السري:

شنت الجبهة الإسلامية على رأسها حركة “أحرار الشام الإسلامية” هجوماً أستمر لساعات على مبان هيئة الأركان التابعة للجيش السوري الحر في أواخر عام 2013 في معبر باب الهوى الحدودي بهدف السيطرة على مستودعات السلاح والذخائر التي كانت تأتي من دول عدة عبر تركيا، وحولت تلك المبان لمقرات أمنية وعسكرية.

بجانب مشفى باب الهوى الحدودي مع تركيا كانت تتواجد خمس مبان بطابقين لكل مبنى وأخر بثلاث طوابق كانت تستخدمه هيئة أركان الجيش السوري الحر أنزاك مقراً لقائدها اللواء سليم إدريس، لكن بعد سيطرة حركة “أحرار الشام” عليه أصبح مقراً للاستخبارات العسكرية لها، وبنت الحركة في قبوه زنازين وغرف منفردة للمعتقلين وغرفة خاصة للتحقيق وأخرى للتعذيب.

اعتقلت حركة “أحرار الشام” الإسلامية في سجن “باب الهوى” السري العقيد خالد القطيني قائد كتائب “درع خان شيخون” ورئيس القسم المالي في هيئة أركان الجيش الحر لأكثر من عامين وسبعة أشهر قضى منهم 5 أشهر في منفردة لا تتجاوز مساحتها متر مربع، بعد شهرين من التحقيقات على يد أمنيين ومحققين كبراء جدوع، مصطفى عنداني، حسين بدوي، وضاح مدرك غالبيتهم يتبعون لأوامر أحمد الصالح المعروف باسم أبو خزيمة الفلسطيني المسؤول الأمني في حركة أحرار الشام الإسلامية.

كنت شخصاً محظوظاً، نعم، تحررت انا وكثيرين غيري من سجنهم السري بعد معارك خاضتها أحرار الشام مع جبهة النصرة خلال هجومها على المعبر بهدف الاستيلاء عليه يقول العقيد القطيني عبر مكالمة مصورة من بيته جنوب تركيا.

وقال العقيد المنشق عن جيش النظام في حديث خاص ان “أحرار الشام” عذبته بطرق بدائية كثيرة لساعات طويلة في اليوم، واستمر ذلك لأكثر من شهرين. وقال: عذبوني بكل شيء، ضرب بالعصي وخراطيم المياه، وضع الكهرباء على مناطق حساسة في الجسم وتم إجبار الجميع على توقيع ورقة في نهاية كل جلسة من جلسات التعذيب تلك ليتم ادانتهم فيها امام محكمتهم الشرعية.

وعند السؤال عن السبب، وعلى ماذا اعترف خلال تلك التحقيقات وجلسات التعذيب، قال القطيني أن التهم كانت جميع التهم كانت مفبركة وكيدية، كعميل لدولة كافرة (تركيا)، مخبر لجيش النظام، علماني. الخ. .

في نهاية حديثنا معه، قال العقيد القطيني ان عضو مجلس الشورى التابع لحركة أحرار الشام الإسلامية قدم اعتذاراً شفهياً له، ووعده بتعويض مادي ونفسي، الاعتذار جاء بعد وصوله لجنوب تركيا برفقة وحماية فريقاً أمنياً من جهاز الاستخبارات التركية كانوا قد جاءوا به من منزله في مدينة خان شيخون السورية.

سلطة أمر واقع ترتكب سلسلة من الجرائم:

موقع احد السجون السرية وفق محرك البحث غوغل

يقول المحامي غزوان قرنفل وهو رئيس لتجمع المحاميين السوريين المعارض أن سبب تعدد تلك السجون وانتشارها في شمال سوريا بسبب تعدد الفصائل المسلحة التي تمثل سلطة أمر واقع لغياب الدولة السورية فيها.

 يضيف قرنفل إن هذه السجون ليست قانونية ولا تخضع لرقابة قانونية، وجميعها هي مراكز احتجاز قسري نشأت خلافاً للقانون وتغتصب السلطة القضائية فيها، حيث يتم اعتقال المواطنين بدون مذكرة قضائية واغلبها يكون مزاجي وبشكل كيدي.

وأشار قرنفل أن دور القضاء والمحاكم الشرعية جميعها لا تطبق القانون السوري، وتخالف ابسط المبادئ الأخلاقية وتعتمد بشكل أساسي على فهم خاص للنصوص القرآنية والاجتهادات الشخصية، أي انه ليس هناك قانون مرجعي موحد يتبعه جميع القضاة، لهذا نرى ان الحكم يختلف من مدينة لأخرى ومن قاضي لقاضي أخر.

يقول قرنفل أن بعض المعتقلين يتم تعذيبهم واجبارهم على توقيع أوراق بيضاء، تستخدم تلك الأوراق لتدوين اعترافات المعتقل ورفع المسؤولية عن المحقق لعدم محاسبته مستقبلاً كون المعتقل خضع للتعذيب الجسدي والاعتقال غير القانوني، لكنهم يعلمون انهم وخلال ذلك ارتكبوا سلسلة من الجرائم، كأنشاء مراكز اعتقال، انشاء سلطة قضائية، التعذيب الجسدي فبالتالي تلك الأوراق ليست قانونية ولا تدين المعتقل بأي شيء.

وأكد المحامي قرنفل انه لا يمكن ان تتبع تلك المحاكم بأي استقلالية، ان من انشأها هم فصائل عسكرية يمثلون سلطة أمر واقع لتتبع لها، لا يوجد محامي للدفاع عن المعتقل ولا تهمة محددة له ويتم اعتقالهم خارج إطار القانون. بناء على المزاج والحسابات الشخصية.

يذكر أن عشرات الآلاف من السوريين المختفيين قسراً يقبعون في سجون النظام السوري من سنوات، في ظروف تصفها بعض المنظمات المحلية والدولية بأنها “مروعة” و “كارثية”، فيما تحاول فصائل إسلامية معارضة له تكرار تلك التجربة في قمع واعتقال وقتل كل من يخالفهم الرأي، أو ينتقدهم بشكل علني في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

يتزامن ذلك مع عدم وجود احصائيات رسمية بعد بعدد تلك المعتقلات، لاسيما السرية منها والتي يرجح عددها بالعشرات بكافة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري في شمال سوريا، إذ يخشى غالبية الذين أفرجت عنهم تلك الفصائل، الحديث لوسائل الإعلام عن تجربة اعتقالهم وتعذيبهم وذلك خشية على أنفسهم وذويهم في مناطق نفوذهم.

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع