fbpx
أخبار

محاولات للعبث بملف محاكمة مجرمي الحرب في سورية

على اعتبار أن باب “المحكمة الجنائية الدولية” مازال موصداً بوجه السوريين، للوصول إلى العدالة، اتجهت منظمات وشخصيات حقوقية سورية نحو الشراكة مع منظمات حقوقية ومراكز قانونية غربية، لمحاكمة مجرمي الحرب في سوريا استناداً إلى تبنّي محاكم بعض الدول الأوروبية مبدأ “الولاية القضائية العالمية”.
وأبرز المنظمات السورية التي سلكت هذا الطريق “المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية” الذي يرأسه المحامي “أنور البني”، ومقره في ألمانيا، و”المركز السوري للإعلام وحرية التعبير” ومقره فرنسا والذي يرأسه الحقوقي “مازن درويش”، و “المركز السوري للعدالة والمساءلة” ومقره الولايات المتحدة الأمريكية ومديره التنفيذي الحقوقي “محمد العبدالله”.

وفي هذا السياق أًصدر “المركز السوري للعدالة والمساءلة” سلسلة من الملخصات حول كيفية السعي لتحقيق العدالة للجرائم المرتكبة في سوريا أمام المحاكم الوطنية لستة بلدان أوروبية مختلفة، حيث توضح الملخصات، كيفية تقديم شكوى، إجراءات التحقيق وعملية المحاكمة، وحقوق الضحايا والشهود.
كما أصدرت “منظمة مع العدالة” عام 2019 كتاباً بعنوان “القائمة السوداء” تضمن أسماء 92 مسؤولاً في نظام الأسد متهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في سوريا، ويقدّم سيرهم الذاتية وتفاصيل وأرقامًا عن جرائمهم.

وهذه العملية الدقيقة قانونياً تحمل في طياتها الكثير من التعقيد وتستوجب للعاملين فيها خبرات قانونية وحقوقية كبيرة، وعلى الرغم أن بعض السوريين يعيب عليها بطء إجراءاتها، ولكنها تحظى بقبول ورضا جيد، كما تنال دعم الكثير من السوريين أفراداً ومنظمات وتشكل لهم بارقة أمل، حيث تلقى دعماً من الهيئات والمنظمات الدولية المختلفة.

أول العابثين

يعتبر الكثيرون أن محاكمة مجرمي الحرب في سوريا شرطاً أساسياً لتحقيق السلام المستدام، والعدالة للضحايا الذين قضوا على يد آلة القتل الأسدية وحلفائه الروس والإيرانيين، لذا فهو ملف حساس ودقيق للغاية، ولا مجال فيه لعبث أطراف دولية وزجّه في خلافاتها أو جعله حقل تنافس وتجارب جديدة بين النشطاء، وغير المختصين فما الذي حصل بالتحديد؟

بدأت القصة بنشر صحيفة “العرب” التي تصدر في لندن مقالاً بتاريخ 28/8/2019، بعنوان “وثائق قضائية بريطانية: بنك قطري موّل أنشطة جبهة النصرة بنك الدوحة ضخّ أموالاً إلى حسابات مصرفية بلبنان وتركيا قبل نقلها إلى سوريا” وقد تضمن المقال” بأنه تم رفع دعوى تعويض ضد بنك الدوحة إلى المحكمة العليا في بريطانيا من قبل ثمانية من المدعين السوريين، يعيشون حالياً في أوروبا، وقالوا إنهم عانوا من “إصابات جسدية ونفسية شديدة” على أيدي “الجماعة المتشددة الممولة من قبل قطر”.
وتكمل الصحيفة بأنه”: “وفقاً للبيانات التي صدرت عن المحكمة العليا، استخدم شقيقان ثريان يحملان الجنسية القطرية ومن أصول سورية وهما (معتز ورامز الخياط) بنك الدوحة القطري الذي يمتلك فرعاً في لندن، لتوجيه أموال إلى جبهة النصرة، إحدى الجماعات التابعة لتنظيم القاعدة، خلال الحرب الأهلية السورية”. بحسب زعم الصحيفة.

ولدى قراءتنا للمقال لا نجد كلمة واحدة تشير إلى جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها نظام الأسد وحليفيه الروسي والإيراني بحق الشعب السوري، بل العكس يحصر المسؤولية كاملة فيما أسماه “الجماعات الإرهابية” وفي هذا تبرئة للمجرم الحقيقي، وتشويه للحقيقة التي تقرها لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا والتي شكلتها الأمم المتحدة، وكذلك لعشرات التقارير التي أصدرتها ووثقتها منظمات حقوقية دولية مشهودة لها بالكفاءة والنزاهة والمصداقية مثل “منظمة العفو الدولية” ومنظمة “هيومن رايتس ووتش”، بالإضافة إلى منظمات حقوقية سورية عديدة، تؤكد جميعها ارتكاب نظام الأسد وروسيا وإيران جرائم ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق السوريين.
لم يقف الأمر على هذا المقال فمن خلال  متابعتنا لهذا الملف تم رصد صفحة على موقع التواصل الاجتماعي باسم (cromwellseymour group ltd)، تنشر إعلاناً ممولاً يستهدف السوريين المقيمين في أوروبا، يتضمن عبارة واحدة “هل أنت لاجئ سوري، احصل على تعويض للمساعدة في استعادة حياتك”، إضافة لرابط تقديم طلب مباشر للتواصل معهم.

وقد التقينا بالسيد (م.ع) المقيم في بريطانيا والذي كان له تجربة مع الشركة والموقع المذكور وقد حدثنا”: “خلال تصفحي موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك ظهر لدي إعلان هذه الشركة، وبالفعل قمت بتقديم طلب لديهم وأدخلت رقم هاتفي وبياناتي الأولية وايميلي، وبعد أقل من نصف ساعة اتصلوا بي مباشرة”.
ويكمل محدثنا بالقول: “من اتصل بي عرَّف عن نفسه بأنه محام يعمل في شركة محاماة بريطانية مقرها لندن، وبأن الدعوة ستقام بادعاء شخصي مني تجاه شخصين سوريين يحملان الجنسية القطرية، لهم أسهم في بنك الدوحة، والذين قاموا بدعم ما أسماه المنظمات الإرهابية التي دمرت سوريا، وارتكبت جرائم بحق الشعب السوري، مما تسبب بأضرار نفسية وجسدية مالية كبيرة لي واضطرني للجوء، وعليه يحق لي التقدم بدعوة ضدهم أمام المحاكم البريطانية بحكم إقامتي فيها وحصولي على صفة لاجئ”.
ويستطرد محدثنا: “أخبرني محامٍ هذه الشركة بأنه يمكنني الحصول على تعويضات قد تصل الى مئات آلاف الجنيهات، وبأن الدعوى مضمونة النتائج، وأنه قد سبقني بالادعاء قرابة 8 لاجئين سوريين يقيمون في بريطانيا، وبأن هويتي ستبقى سرية وسألني عن مكان اقامتي فأخبرته بأني أقيم في مدينة (مانشستر)، فطلب مني الرد على الإيميل الذي سيرسله لي، والذي سيتضمن معلومات مفصلة عن شركة المحاماة، وبأن الشركة لن تتقاضى مني أي أتعاب مقدماً، وإنما سيكون لها نسبة مالية من التعويض الذي سأحصل عليه، وستتكفل بحجز الطيران الى لندن وإقامة في فندق لمدة يومين، أقوم خلالها بعقد اجتماع مع مدير الشركة الذي سيشرح لي كل التفاصيل الخاصة بالقضية وسيرها واجراء التوكيل لهم، وعقد الأتعاب”.
ويختم محدثنا بالقول: “توجهت للمحامي باستفسار هل أستطيع الادعاء على نظام الأسد بهذه الدعوى الذي هجرني من بيتي وقصفه في الغوطة، وقتل عدداً كبيراً من عائلتي، فأجابني: بأن القضية ضد ما أسماه الجماعات الإرهابية في سوريا التي تتحمل المسؤولية عن تدمير سوريا وقتل الناس فيها ممثلة بالشخصين السوريين وبنك الدوحة فقط، وهذا ما دفعني للرد عليه بأن من هجرني وقتل أقاربي هو نظام الأسد واعتذرت منه عن إكمال المكالمة أو القيام بأي ادعاء ضد أية جهة أخرى ما عدا نظام الأسد وحلفائه”.

وبالعودة إلى الإيميلات التي أرسلتها الشركة إلى بعض السوريين الآخرين وجدنا فيها موقعاً إلكترونياً لهذه الشركة وهو (https://syria.cromwellseymour.co.uk/)، ويتوفر الموقع باللغة الإنكليزية، ويوجد بداخله عنوان للشركة في لندن، رقم هاتف، وإيميل خاص للتواصل لمن يرغب برفع دعوة ضد “التنظيمات الإرهابية في سوريا وجبهة النصرة”، ويوجد تعريف مقتضب في الموقع عن عملهم برفع الدعوى ضد بنك الدوحة، وأشخاص آخرين ممن يزعمون أنهم مولوا أو ساعدوا في “تمويل الإرهابيين الذين تسببوا في إصابات وخسائر للاجئين”، وبأن الشركة تقبل طلبات المهتمين في الانضمام لهذه الدعوى ومطالبها، لأي شخص يقيم في أوروبا أو خارجها سواء كان رجلاً أو امرأة أو طفلا، في حين لم نجد أية معلومات عن طاقم المحامين الذي يعمل بهذه القضايا، أو أية معلومات تفصيلية توضح هويتهم أو هدفهم، كذلك وجدنا لهذه الشركة صفحة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك (https://www.facebook.com/cromwellseymourgroup

تحوي منشورا ًواحداً فقط يعود لعام 2019، فيما تم حذف عدة منشورات لهم من ضمنها الإعلان الممول الذي نشروه سابقاً (ونحتفظ بصورة عنه).

وبدورنا نعتقد أنه لا بد من أن تأخذ العدالة في سوريا مجراها، وأن يحال كل مرتكبي جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية بحق السوريين إلى محاكم متخصصة تضمن العدالة والإنصاف لملايين الضحايا، وفي مقدمتهم أكثر من ارتكب هذه الجرائم كماً ونوعاً وهو نظام بشار الأسد وحليفيه الروسي والإيراني، أما أن تقوم منظمة أو شركة بطمس جرائمهم، ومحاولة محوها ونسبها الى جهات أخرى لغايات لا نعلمها، فهو تحريف وتضليل للحقيقة والعدالة واستغلال لدماء وآهات وعذابات الضحايا، وتضييع لحقوق السوريين جميعاً، وعلى ما يبدو أن هذه الشركة ربما تكون الأولى ولكنها ليست الأخيرة التي تحاول العبث بهذا الملف الحساس والدقيق والمصيري لملايين السوريين.

ويستمر العبث

وسجلنا حالة أخرى لمجموعة تنشر عبر بعض النشطاء السوريين في أوروبا دعوة مشابهة تتضمن دعوة للتواصل مع محامين أيضاً غير معلومة الأسماء لمحاكمة ما أسموه دول شاركت في تدمير سوريا وتهجير أبنائها وتحويلهم للاجئين، وبأن هذه المجموعة من المحامين (لم يعلن عن اسمها ولا أسماء المحامين) تعمل على رفع قضايا تطالب بالتعويض من تلك الدول.

وأرفق في نهاية المنشورات بريدا إلكترونيا للتواصل وهو غير رسمي، إنما مُنشأ على موقع إيميلات عمومي ومجاني، فهل يمكن تصور مجموعة محامين تعمل على ملف خطير وهام مثل جمع بيانات عن ارتكاب جرائم حرب للمتضررين، ومعلومات عنهم على إيميل مجاني لا على موقع رسمي أو منظمة حقوقية مرخصة قانونياً ومعروف عن أعضائها جدارتهم القانونية ومواقفهم الحقوقية والإنسانية، وعلى الأخص تجاه ما حصل ويحصل في سوريا!.

أمام مجموعة التساؤلات والمعلومات التي طرحناها نعتقد أنه لا بد للمنظمات السورية الحقوقية وبخاصة العاملة منها في ملف محاكمة مجرمي الحرب، من العمل على زيادة الوعي في أوساط السوريين، وأن تقترب منهم أكثر، وهذا أمر ربما وصل الى حد الواجب والضرورة من قبل هذه المؤسسات والمحامين والحقوقيين السوريين للقيام بنشر الوعي الحقوقي تجاه طريقة وكيفية نشر الوعي المجتمعي، والحقوقي في إجراءات رفع قضايا ملاحقة مجرمي الحرب والتوعية المستمرة بأمور أهمها: عدم إعطاء بيانات أو معلومات إلا لجهات حقوقية وقضائية موثوقة، وذات مصداقية بما يضمن عدم إفلات المجرمين من العقاب وعدم السماح لغير المختصين وغيرهم، من استغلال والعبث بهذا الملف الذي يعتبر من أهم الملفات والاستحقاقات في مستقبل سوريا والسوريين.

فراس حاج يحيى – محامي وحقوقي سوري

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع