fbpx

مرض الليشمانيا يغزو إدلب وريفها

نهى الحسن

 

تختبئ الطفلة مها الإبراهيم (٩أعوام) داخل منزلها طوال الوقت، وترفض بإصرار الخروج واللعب مع أقرانها، محاولة إخفاء ما تسبب به ظهور “الليشمانيا” في وجهها من تشوه وتقرحات.

تقول والدة مها والألم يعتصر قلبها: «لقد حوّل هذا المرض اللعين حياة ابنتي إلى قلق وخوف وألم، فكلما نظرت إلى وجهها في المرآة تأثرت وبكت، فضلاً عما تعانيه من مشوار العلاج الطويل والشاق لوقف تمدد الندبة القبيحة التي تشوه وجهها البريء».

 

الطفلة مها واحدة من آلاف الأطفال الذين تمكنت ذبابة الرمل الناقلة لمرض “الليشمانيا” من جسدهم الغض في إدلب وريفها؛ في ظل الأوضاع المعيشية السيئة، وقلة الخدمات الطبية والصحية التي تشهدها المنطقة.

 

وكان للنازحين الهاربين من نيران الموت والقصف والدمار النصيب الأكبر من الإصابات، ليواجهوا ألماً وهمّاً جديداً يفاقم معاناتهم، حيث لعبت الظروف المزرية التي ترك النازحون فيها داخل المخيمات المكتظة دوراً أساسياً في ارتفاع معدل الإصابات، خاصة مع انعدام الخدمات الأساسية كالصرف الصحي وترحيل النفايات، وانعدام خدمات الصحة التي تتسبب في تفاقم حالة المصابين.

 

نزح “أبو عدي” (٤٠عاما) مع عائلته من ريف إدلب الشرقي هرباً من القصف المتواصل من قبل النظام على بلدته، ليستقر به الحال في أحد المخيمات العشوائية في ريف إدلب الغربي، والذي يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، وقال لموقع “أنا إنسان” بغصة عن معاناته مع “الليشمانيا”: «أصيب أحد أولادي الستة بالمرض عقب نزولنا في المخيم بفترة قصيرة، حيث ظهرت في وجهه حبة حمراء صغيرة، وبعد مضي أسبوعين على وجودها، ذهبت إلى مخبر التحليل؛ وظهرت النتيجة، وبدأت بعدها رحلة علاج طويلة عن طريق حقنها بالإبر أسبوعياً، ولم يتم شفاؤه حتى الآن، علاوة على ذلك فقد تركت الحبة مكانها ندبة قبيحة تحتاج لعملية تجميل للتخلص من آثارها، والعملية مكلفة جداً ولا طاقة لي على دفع تكاليفها».

ويناشد “أبو عدي” جميع المنظمات والمؤسسات الطبية العاملة في الشمال السوري المحرر لتحمل مسؤولياتهم، والعمل على إتاحة فرص الوقاية قبل تأمين العلاج، كالعمل على تأمين المبيدات الحشرية اللازمة للقضاء على البعوض والذباب المنتشر بشكل كبير في المنطقة، وتأمين الناموسيات وشبكات النوافذ التي تمنع الحشرات من دخول المنازل.

 

الطبيب “رحمون الكردي” أخصائي بالأمراض الجلدية تحدث لـ أنا إنسان بشكل مفصل عن هذا المرض قائلاً: «تعتبر الليشمانيا مرضاً طفيلي المنشأ، ينتقل عن طريق ذبابة الرمل، وهي حشرة صغيرة جداً لا يتجاوز حجمها ثلث حجم البعوضة العادية، لونها أصفر وتنتقل قفزاً، ويزداد نشاطها ليلاً، ولا تصدر صوتاً، لذا قد تلسع الشخص دون أن يشعر بها، وتظهر الليشمانيا الجلدية بعد عدة أسابيع من لسعة الذبابة على شكل حبوب حمراء صغيرة أو كبيرة، ثم تظهر عليها تقرحات؛ ويلتصق على سطحها إفرازات متيبسة، ولا تلتئم هذه القروح بسرعة، وبعدها تكبر القرحة بالتدريج وبخاصة في حالة ضعف جهاز المناعة عند الإنسان».

 

وأفاد “الكردي” بأن الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للإصابة بالمرض، وخاصة في الأحياء الفقيرة بسبب ضعف المناعة والسكن غير الصحي. مضيفاً بأن “الليشمانيا” متعددة الأنواع؛ منها الجلدي الذي يظهر بحالة تشوه جلدي، والحشوي الداخلي، وهو الأخطر، وقد يؤدي إلى موت المصاب إذا ما ترك دون علاج، وتصل نسبة الوفاة لدى المصابين به إلى ٩٥%.

كما أكد بأنه لا يوجد حتى الآن لقاح يمنع الإصابة بالمرض، ولكن يمكن تخفيف نسبة الإصابة بها بشكل كبير إذا ما تم توخي الحذر في المناطق الموبوءة، وخاصة وقت نشاط ذبابة الرمل، والذي يمتد من الغروب إلى الشروق، لذلك ينبغي ارتداء ملابس ذات أكمام طويلة، واستخدام الناموسية عند النوم. كما ينبغي إبعاد الحظائر والمداجن ومخلفاتها عن الأماكن السكنية ورشها بمادة الكلس ثم البيرمثرين للقضاء على الحشرات، كما يفيد وضع بعض الفحم الثلجي أو الآزوت السائل على مكان اللدغة، وإن وجد في العائلة شخص مصاب بلدغة هذه الحشرة فإنه يجب وضع غطاء رقيق على مكان اللدغة لأنها تجذب الحشرات الأخرى، ثم تنتقل العدوى منها إلى شخص آخر.

 

وشدد الكردي بأنه من الضروري التوجه بسرعة إلى طبيب الأمراض الجلدية أو المستوصف عند ظهور أية إصابة إذا استمرت لأكثر من ثلاثة أسابيع دون شفاء، حيث تكون بداية الليشمانيا، وإذا عولجت باكراً فإنها لا تترك أثراً كبيراً، كما أن عدم العلاج يساهم بنقل العدوى للآخرين.

ويضيف بأنه تتم الوقاية أيضا برش المبيدات الحشرية بشكل دوري للقضاء على الذبابة الناقلة للمرض وردم المغاور والمستنقعات.

 

“خالد الإسماعيل” (٣٠عاماً) أحد الممرضين العاملين في مستوصف “معرة النعمان” – قسم علاج الليشمانيا صرّح لموقعنا بأن عدد المصابين بهذا المرض في منطقة المعرة تجاوز ١٢ ألف مصاب في المدينة؛ وتسعة آلاف في ضواحيها خلال الأشهر القليلة الماضية، ونوه بأن هذا العدد قابل للزيادة بشكل كبير إذا لم يتم اتخاذ الإجراءات والتدابير الوقائية اللازمة للحد من الانتشار الواسع لهذا المرض.

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع