مصابي الحرب في ريف إدلب .. تحدي للواقع رغم الإهمال

المشاهدات: 137

نهى الحسن

لم يعد الثلاثيني عصام العلي من معرة النعمان ،الذي تم بتر ساقه اليمنى جراء إصابته بشظية قذيفة أثناء عودته من عمله يشعر بالعجز واليأس بعدما استفادمن أحد المشاريع الخاصة بتدريب مصابي الحرب لاسيما الذي قامت به منظمة (زووم إن) في منطقته، حيث تدرب على صيانة الجوالات ، وفتح بعدها محلا خاصابه استعاد من خلاله نشاطه وأمله بحياة أفضل ، وتمكن من العودة إلى العمل المنتج .

تضاءلت نسبة الشبان القادرين على العمل ، بسبب ما خلفته الحرب من إصابات انتهى العديد منها بعمليات البتر ، لتبقى عائلاتهم بلا معيل فعلي ، إلا أن الإرادة الصلبة التي تحلى بها أبناء الشعب السوري دفعت الكثير من مصابي الحرب للتغلب على إعاقتهم وتحقيق نجاحات عجز الأصحاء عن تحقيقها ، ليثبتوا للبشرية أن الإعاقة الحقيقية مصدرها العقل وأن العجز الحقيقي مصدره ذات الإنسان حين تفقد ارادتها .

صهيب الحسن (٣٧عاما)من ريف إدلب فقد القدرة على المشي لكنه لم يفقد العزيمة والصبر والأمل ، يروي الحسن قصته قائلا :“انضممت إلى فريق الدفاع المدني منذ بداية الثورة ، وفي أحد الأيام بعد غارة للطيران على أحد المشافي وبينما كنت انتشل المصابين والجرحى من تحت الركام، استهدفت الطائرة المكان مرة أخرى ، فتعرضت لإصابة بليغة في قدمي اليسرى ، الأمر الذي استدعى من الأطباء بترها ، تحولت بعدها إلى إنسان عاجز ، شعرت بأنني أموت ببطء على الرغم من أنني حصلت على طرف صناعي من جمعية خيرية محلية .“

ويضيف الحسن :“في بادئ الأمر كنت أعتمد أنا وعائلتي على المساعدات الخيرية التي لا تغطي إلا جزءا يسيرا من حاجاتنا ، ثم قررت أن أعتمد على نفسي وأعمل ، وما دفعني إلى ذلك نظرات الحرمان التي كنت أراها في عيون أطفالي،فاستفدت من مشروع تدريب مصابي الحرب الذي أقيم في منطقتنا وافتتحت و لله الحمد محلا للف وتصليح المحركات الكهربائية ، وتمكنت من إعالة أسرتي والعيش بكرامة بعيدا عن الحاجة وانتظار المساعدة  والشفقة من الآخرين .“

ومما لاشك فيه هوأن هؤلاء المصابين بحاجة للمساعدة والمساندة لكي تتحول جلسات  التدريب إلى ورشات عمل منتج باتنظار الجمعيات والمؤسسات المعنية للمساهمة بواجبها تجاه جرحى ومصابي الحرب ، مساعدتهم في الحصول على ورشاتهم الخاصة وفي رعاية وترويج وتصريف تلك المنتجات التي تحكي قصة وجع وحكاية أمل.

ونوه المهندس فارس أسعد (٣٩عاما) منسق مشروع تدريب مصابي الحرب إلى أن آخر إحصائية لأعداد المصابين ذوو الإعاقات في معرة النعمان وصل إلى (٣٠٥) إعاقة وهو عدد مخيف وكبير بالنسبة لمدينة واحدة فقط.

الناشط الإعلامي محمد حاج علي (٣٥عاما)من ريف إدلب كان يعمل ناشطا منذ بداية الحراك الثوري ، يوثق المعارك ويجسد الانتهاكات التي يرتكبها النظام وحلفائه بحق الشعب السوري ، فتعرض ذات يوم لإصابة بليغة في عموده الفقري من شظية صاروخ غادر ألقته إحدى الطائرات أثناء تغطيته لإحدى المعارك في ريف إدلب الشرقي ، الأمر الذي جعله مصابا بالشلل من حينها ،محمد لم يستسلم للإصابة بل انتقل بعد ذلك إلى تركيا بحثا عن العلاج هناك ، ولكن للأسف فقد أخبره الأطباء أنه تأخر في إخراج الشظية ولا أمل له بالعلاج ومعاودة المشي مجددا ، ولأن اليأس لم يعرف إلى قلبه من طريق ، فقد قرر الحاج علي متابعة نشاطه الثوري من خلال جلوسه ساعات طويلة على الإنترنت يتابع الأخبار ويحررها ويساعد أصدقائة قدر استطاعته في إعدادالمونتير والمونتاج وغيرها من الأعمال التي يحاول أن يكون له بصمة فيها يتحدى من خلالها إعاقته حتى وإن كان عمله قليلا مقارنة مع أقرانه الذبن يخرجون إلى الجبهات لتغطية الأحداث.

أما سوسن النجم (٢٠عاما)طالبة في معهد جرجناز لإعداد المدرسين التابع لحكومة الإئتلاف ، تعرضت أثناء عودتها من الدوام ذات يوم لشظية صاروخ بترت يدها اليمنى ، إلا أن إعاقتها تلك لم تحل دون نجاحها في تحقيق أحلامهاوسعيها لتحقيق أحلام الآخرين ومنحهم سبل النجاح.

النجم كانت تحلم دائما أن تصبح معلمة تعلم أبناء بلدها وتنشئ منهم جيلا مثقفا واعيا وخاصة بعد ما آلت إليه حال طلاب المدارس في منطقتها مع تراجع مستوى التعليم وتناقص أفراد الكادر التعليمي ، واستطاعت بالفعل بفضل إرادتها الصلبة أن تتحدى كل الصعوبات وتحقق ما حلمت به ، تقول النجم :“كان شعاري دائما هو أن هناك شيء ما

صعب ولكن لاشيء مستحيل ،وبفضل دعم أهلي وصديقاتي في المعهد استطعت أن أتغلب على ظروفي الصعبة وأتخرج من المعهد بمعدل جيد .“

حاولت النجم الالتحاق بوظائف عدة بعد التخرج وكلها باءت بالفشل بسبب وضعها ففتحت منزلها لاستقبال التلاميذ من الصف الأول حتى الصف الرابع لتعليمهم القراءة والكتابة والعمليات الحسابية والأخذ بيدهم من غياهب الجهل إلى نور العلم والمعرفة ،وكانت قد تأقلمت مع استخدام يد واحدة للقيام بهذه المهمة ،

تقول أم سوسن فخورة :“لم تيأس سوسن من وضعها ولم تتوقف حياتها بسبب تلك الإصابة التي قدرت عليها بل اتخذت من حالتها حافزا لتبث في غيرها من الشبان والشابات المصابين روح الأمل ونبذ اليأس والإحباط.”

الطبيبة النفسية منى العلوش (٣٣عاما) من إدلب تقول:”إن ماهو أخطر من الإصابة هو عدم تقبل المصاب لحالته الجسدية الجديدة، وما ينتج عن ذلك من أمراض سوء التكيف التي تظهر على شكل انطواء وقلق واكتئاب وبناء صورة سلبية عن نفسه .“

كما أن لأفراد المجتمع والمجالس المحلية دور في تقديم العون وإبداء المحبة والتفهم والاحترام وإتاحة فرص عمل تكون متناسبة مع وضع هؤلاء المصابين ، وتنمية طاقاتهم الكامنة وشخصيتهم وإظهار مواهبهم وإبداعاتهم .

وتشدد العلوش على أن تكون نظرتنا لمصابي الحرب نظرة طبيعية مثل الشخص السوي مع ضرورة دمجه في المجتمع وتأهيله ليكون فعالا منتجا ويكتسب الثقة بالنفس.

محمود السلوم (٣٨عاما)أخصائي دعم نفسي في معرة النعمان ينتقد بعض الناس الذين ينظرون لمصابي الحرب على أنه ليس لديهم كيانا في المجتمع أو نظرة سخرية أو عطف زائد ، وهذا يؤرق هؤلاء المصابين ويزيدهم ألما ، فهؤلاء مثلهم مثل أي إنسان له كيانه ما داموا قادرين على العطاء ، فهناك من حققوا ما لم يستطع تحقيقه كثير من الأصحاء جسديا.

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع