fbpx

موسكو للأسد: لا دعم ماليا مع الفساد ولا دعم عسكري دون إصلاحات سياسية

تعالت في الأيام الأخيرة في روسيا، أصوات تنتقد فساد النظام السوري، وتعويله على مساعدة حلفائه الاقتصادية والمالية غير المشروطة، في حين يواصل رجالاته إعاثة الفساد في كافة مؤسسات البلاد، منشغلين بإثراء أنفسهم وغير آبهين بنصائح “الحلفاء” وبمطالب الشعب، ببدء الإصلاحات وتخفيف معاناة المواطنين. ولم تقتصر المقالات والتقارير التي انتشرت في وسائل إعلام روسية مختلفة على انتقاد الفساد وفلتان أجهزة الأمن السورية وتجبّر قادتها، إذ طالت الرسائل المبطنة رأس النظام، مذكرة إياه بأن انتخابات 2021 باتت على الأبواب، ومحذرة من أن روسيا استنفدت طاقة مساندتها غير المشروطة له، وأن الوقت قد حان للتخلي عن أسلوب الحكم العسكري وبناء نظام مدني على أساس قاعدة شعبية شاملة.

 

شاهد بالفيديو : طعنة من روسيا لنظام الأسد: خدع السوريين

وبعد سلسلة من المقالات التي قال أنصار النظام أنها “صدرت عن جهات غير موثوقة، ولم تكن سوى نتيجة اختراقات لمواقع وسائل إعلام روسية”، منها وكالة الأنباء الفيدرالية الروسية، التي هاجمت النظام السوري ورئيس حكومته عماد خميس، ورأسه بشار الأسد، وحملت تهديدات مباشرة بأنه في حال مواصلة النظام تصرفاته، فإن “روسيا ستقضي على الفساد في سوريا كما قضت على الإرهاب”، ورشحت شخصيات عدة لتولي مكان الأسد في حال مواصلة عصيانه، برزت تصريحات مماثلة وإن بلهجة أكثر رزانة ومسؤولية، عن شخصية روسية بارزة، توجه للنظام نفس التحذيرات والتهديدات.

وجاءت أحدث تجليات نفاد الصبر الروسي تجاه نظام الأسد، بقلم الدبلوماسي الروسي المخضرم، نائب رئيس المجلس الاستشاري الروسي للشؤون الخارجية، ألكسندر أكسينيونوك، الذي كتب مقالة تحليلية نشرها الموقع الرسمي للمجلس الاستشاري المقرب من وزارة الخارجية الروسية، وموقع نادي فالداي الحواري، التابع عمليا للكرملين، بالإضافة إلى صحيفة “كوميرسانت”، وهي واحدة من كبريات الصحف الروسية.

 

شاهد بالفيديو: روسيا للاسد …  ضعيف وفاسد ولن ينتخبوك

والخبير الروسي، الذي شغل منصب سفير بلاده في الجزائر، وعمل دبلوماسيا في 6 دول عربية من ضمنها سوريا، استهل مقالته التي نشرت يوم 17 نيسان/أبريل الجاري، بلفت انتباه النظام السوري إلى أن الأحداث الأخيرة المثيرة للقلق على نطاق عالمي، مثل جائحة فيروس كورونا وانهيار أسعار النفط وتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، يجب أن يتم التعامل معها، كفرصة للتفكير الجاد حول مستقبل سوريا في ظروف تزايد عدم القدرة على التنبؤ بالأحداث في عالم سريع التغير، مؤكدا أن “هذا الأمر يتعلق في المقام الأول، بالقيادة السورية في دمشق، والتي لا تميل -على ما يبدو- إلى إظهار البصيرة والمرونة والتعقل، ولا زالت تراهن على حل عسكري، معولة على دعم الحلفاء وعلى مساعداتهم مالية واقتصادية غير مشروطة”.

وألقى الدبلوماسي الروسي باللوم على النظام السوري في عودة التوتر إلى المناطق السورية الواقعة تحت سيطرته، مشيرا إلى أنه بات “من الصعب التمييز بين مكافحة الإرهاب وعنف الدولة ضد المعارضين السياسيين”، موضحا أن حالة الغليان سببها “ازدياد عمليات القتل الغامضة والتهديدات والخطف وانتهاكات المخابرات السورية”.

ونوه الخبير إلى أن سوريا تنقسم اليوم إلى مجالات نفوذ خارجي بين روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة، موضحا أن الحملة العسكرية في إدلب، “رغم النجاحات التكتيكية التي حققتها، أظهرت حدود الممكن”، مؤكدا أن “خطابات وتهديدات المسؤولين السوريين باستخدام القوة، إذا لم تغادر القوات التركية والأمريكية سوريا، منفصلة عن الواقع”. وأضاف أكسينيونوك: “روسيا من جانبها، وصلت إلى الحد الأقصى للتسوية عبر صيغة أستانا، والتي سمحت لدمشق من عام 2017 إلى عام 2019 باستعادة السيطرة على أراض في ثلاث مناطق لخفض التصعيد بالقوة والاتفاقيات المؤقتة”.

 

شاهد بالفيديو: صحف روسية … بشار الأسد منفصل عن الواقع

وانتقد الدبلوماسي الروسي إصرار النظام “الذي يقاوم الإصلاحات الحتمية”، على مواجهة تركيا واستعادة السيطرة على محافظة ادلب بالقوة، مؤكدا أنه “هذه المرة، لا تكفي الاتفاقات المؤقتة بين الجيش وأجهزة الأمن الخاصة لتحقيق الاستقرار المستدام. لقد حان الوقت الذي تحتاج فيه روسيا وتركيا إلى البحث عن حلول وسط تستند إلى رؤية مشتركة للمستقبل السياسي لسوريا” والوصول إلى تسوية دائمة، الأمر الذي وصفه أكسينيونوك بـ “غير الممكن إذا لم يتم القضاء على الأسباب الاجتماعية والسياسية الجذرية للصراع وطريقة التفكير التي كانت مصدرها”.

وأوضح الخبير الروسي أن اختيار الأولويات له أهمية كبيرة، داعيا النظام للتخلي عن الجهود العسكرية المنهكة في الاتجاهين الشمالي الغربي والشرقي، والمحفوفة بمخاطر الاشتباك المباشر مع تركيا أو الولايات المتحدة؟، والحفاظ المؤقت على الوضع الراهن، من أجل حل المهام الملحة للتنمية بعد الحرب، الأمر الذي اعتبره أكسينيونوك، “أمرا حيويا” لمعظم سكان سوريا.

وتطرق نائب رئيس المجلس الاستشاري الروسي للشؤون الخارجية، في مقالته، إلى الخسائر التي تكبدتها سوريا بين عامي 2011 و2018، من انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنحو الثلثين، من 55 إلى 20 مليار دولار سنويًا، مرورا بتدمير حوالي 45 بالمائة من المساكن في البلاد، وتدمير وتعطل أكثر من نصف مرافق الرعاية الصحية ونحو 40 بالمائة من المؤسسات التعليمية، وصولا إلى الأضرار التي لحقت برأس المال البشري، وشبكة الروابط الاقتصادية والاجتماعية، والخسائر البشرية والهجرة، وزيادة معدلات الوفيات -غير المرتبطة بالأعمال المسلحة- بأكثر من ثلاث أضعاف، موضحا أن “عواقب الحرب الخطيرة، هوت بـ 80 بالمائة من السوريين تحت خط الفقر، وقلصت مدة حياتهم لـ20 سنة”، ناهيك عن النقص في الأطباء والممرضات والمعلمين والأخصائيين الفنيين والموظفين المدنيين المؤهلين.

وأشار الخبير الروسي إلى أنه مع تراجع النشاط العسكري، “أصبح من الجلي عدم رغبة النظام أو عدم قدرته على إنشاء نظام حكم من شأنه أن يوفر ظروفًا للحد من الفساد والإجرام، والانتقال من الاقتصاد العسكري إلى العلاقات التجارية والاقتصادية العادية”، لافتا إلى أنه “خلال سنوات الحرب، تم تشكيل مراكز نفوذ وهياكل ظل غير مهتمة بالانتقال إلى التنمية السلمية… وفي جو الخوف العام وهيمنة أجهزة الأمن، لا أحد يتحدث عن ذلك بشكل علني”.

 

شاهد بالفيديو: وسائل إعلام روسية تهاج الأسد وفساد نظامه

وعلى صعيد إعادة الإعمار، نوه أكسينيونوك إلى أن الشروط المسبقة لتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار الاقتصادية الرئيسية في سوريا “غائبة عمليا”، موضحا أن هذه المهمة “مستحيلة على سوريا نفسها وعلى مجموعة ضيقة من المانحين الخارجيين، إذ أن البيئة العالمية المتغيرة تحد من قدرة حلفاء سوريا على تزويدها بالدعم المالي والاقتصادي الضروري”. وشدد الدبلوماسي الروسي على ضرورة إطلاق العملية السياسية وفقًا لقرار الأمم المتحدة 2254، الذي ينص، من بين أمور أخرى، على تعديلات دستورية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت رعاية الأمم المتحدة، موضحا أن النظام السوري “غير مستعد لذلك. يقولون، لماذا الآن، وبعد تحقيق النصر، يجب علينا اتخاذ خطوات محفوفة بالمخاطر لم نتخذها في ظل ضغوط عسكرية قوية”.

وحذر الخبير الروسي النظام، من أن زعزعة الوضع الاجتماعي السياسي في سوريا، “لن تكون على المدى القصير، ناجمة عن أفعال الإرهابيين، وإنما عن تهديدات آنية متزامنة” مثل الأزمة المالية في لبنان المجاور، والتغيرات في الوضع في أسواق المواد الخام العالمية، والأثر المتأخر لتشديد العقوبات الأمريكية وخطر الانتشار المتفجر لفيروس كورونا.

وأشار أكسينيونوك إلى أن “أصداء جرس الإنذار الأول، ترددت في آذار/مارس – نيسان/أبريل من العام الماضي، عندما وقعت اضطرابات في توريد المنتجات البترولية إلى سوريا، مما أدى إلى تدهور حاد في الوضع الاقتصادي، أسفر عن ظهور علامات عدم الرضا عن تصرفات السلطات وانتشار الفساد وضعف نوعية الإدارة العامة، في شبكات التواصل الاجتماعي السورية، وجزئيا في الصحافة وبين أعضاء البرلمان، موضحا انه رغم العثور على حل مؤقت للمشكلة، فهي لا تزال موجودة.

شاهد بالفيديو: صحافة روسية تتهم الأسد بالأزمة الإقتصادية في سوريا

وأوضح الخبير أنه “وسط انخفاض أسعار النفط، وتصاعد العقوبات والضغط العسكري على إيران، فإن إمدادات النفط “لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تحرير مناطق النفط والغاز في الشرق أو استبدال النفط الإيراني بالروسي”، الأمر الذي لن يتم وفق الخبير، بسبب انعدام رغبة الشركات الروسية بمواجهة العقوبات الأمريكية. كما ذكر أكسينيونوك أن الاقتصاد السوري تضرر بشدة من الأزمة المالية في لبنان، الذي لعب قطاعه المصرفي على الدوام دور “بوابة سوريا إلى العالم الخارجي”، موضحا أن حوالي ربع الودائع في البنوك اللبنانية مملوكة لشركات سورية، بما في ذلك تلك المملوكة للحكومة.

ويلفت الدبلوماسي الروسي الانتباه إلى “الخطر الجدي على العلاقات الاقتصادية الخارجية لسوريا”، والمتمثل في حزمة العقوبات الإضافية التي وقعها الرئيس ترامب في 20 كانون الأول/ديسمبر 2019، والتي تحمل اسم “قانون قيصر”، موضحا أن هذه العقوبات ستجعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “ليس فقط قادرًا، بل مطالبا أيضًا بفرض عقوبات ثانوية على السلطات والشركات والأفراد من البلدان الثالثة المتعاونة مع سوريا”، مؤكدا أن هذا سيؤثر على التعاون التجاري والاقتصادي مع روسيا، إذ “يفتح قانون قيصر إمكانية فرض عقوبات على البنوك التي تقوم بعمليات مع البنك المركزي السوري، في حال أدين الأخير بتهمة غسل الأموال”.

 

شاهد بالفيديو: روسيا تتهم النظام بالكذب وفبركة معارك البادية مع التنظيم

كما تطرق الخبير الروسي في مقالته، إلى خطر انتشار فيروس كورونا في سوريا، مشيرا إلى أنه رغم إعلان النظام عن اكتشاف الحالة الأولى في 22 آذار/مارس الماضي، فإن “الإحصاءات الرسمية الكاملة غير متوفرة”، محذرا من أن المخاوف الأسوأ، ترتبط بحقيقة أنه خلال سنوات الحرب تم تقويض نظام الرعاية الصحية، وشهدت البلاد وما زالت نقصا في الأطباء والأدوية والمعدات الطبية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تسهم الكثافة السكانية العالية في المدن ومخيمات اللاجئين في الانتشار السريع للوباء.

ويخلص أكسينيونوك إلى إن “الوضع المعقد في سوريا المرتبط بالتحديات غير العسكرية، والتي ليست أقل خطورة، يلزم الحكومة السورية بتقييم المخاطر بشكل مناسب ووضع استراتيجية طويلة الأجل”، مؤكدا أنه “لا يمكن أن يكون الواقع العسكري الجديد مستدامًا بدون إعادة بناء الاقتصاد وبناء نظام سياسي يعتمد حقًا على قاعدة شاملة، وعلى نتيجة اتفاق دولي”، ومحذرا من أن هذا الأمر “مهم بشكل خاص لأنه لم يبق الكثير من الوقت حتى إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة في عام 2021”.

 

موسكو –مراسل أنا إنسان – هادي درابيه

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع