fbpx

ميليشيات للقتل والنهب في دمشق تحت رعاية الحكومة السورية

تعيش العاصمة دمشق هذه الأيام حالة من عدم الاستقرار الأمني، رغم أن النظام يتغنى باستقرارها ويصورها على مدار الساعة عبر وسائل إعلامه، ليحكي للعالم ومناطق المعارضة بأن العاصمة التي لم تخرج على النظام تنعم بالأمن والأمان والاستقرار، وتنشر وسائل إعلام النظام بشكل متقطع عن حالات سرقة وخطف وقتل بدمشق، وتختمها دائماً برواية أن الجهات الأمنية تمكنت من القبض على الفاعلين، إلا أن من يقع بيد هذه الجهات الأمنية ليسوا سوى بعض العصابات الصغيرة والوليدة، بينما تلك المرتبطة بكراسي السلطة تتذيل قضاياهم عادة بعبارة: ضد مجهول.

السرقة شبه يومية

مؤخراً نشر موقع “صاحبة الجلالة” الموالي عن تمكن الجهات الأمنية من القبض على 12  شخصاً امتهنوا السرقة والنهب والتعاطي وانتحال صفات أمنية، ونقل الموقع المذكور عن أحد أفراد العصابة والذي أسماه “د.س” أنه شكّل عصابة من ذوي السوابق الجنائية، وكانوا يسيرون بالعاصمة منتحلين صفات أمنية لإرهاب الأهالي وسرقة الدراجات النارية، والتي كانت تباع بعد السرقة بمبالغ زهيدة لا تصل لأكثر من 25 الف ليرة سورية (ما يعادل 40 دولار).

بينما تحدث شخص آخر من العصابة يدعى “م.ب” عن قيامه بطعن عدة مدنيين بدمشق بهدف سرقتهم بمنطقة مساكن برزة، وخطف حقيبة يد من امرأة بدمشق أيضاً، وجد فيها مبلغ 300  ألف ليرة سورية و3 آلاف دولار.

قيس الأحمد (اسم مستعار) من سكّان العاصمة دمشق يتحدث لموقع “أنا إنسان” ويقول: “تنتشر عصابات السرقة والنهب بدمشق على الرغم من القبضة الأمنية للنظام فيها، حيث تتساهل الجهات الأمنية مع هذه القضايا عادة ولا توليها اهتماماً، بينما تعمل بعض المليشيات التابعة للنظام على تسهيل بعض عمليات السرقة والنهب، بموجب اتفاق مسبق بين العصابات وتلك المليشيات”.

ويضيف: ” تختلف العصابات بين المنطقة والأخرى داخل دمشق وريفها فبعض العصابات بينهم نساء تختص بنشل المارة في الأماكن المزدحمة والأسواق المكتظة بالأهالي، بينما تختص عصابات أخرى بسرقة المحال التجارية والأبنية السكنية، في حين يمتهن آخرين سرقة الأثاث وبعض الأشياء من الشوارع وقرب المحال والفنادق، ومن جهة ثانية عصابات مشابهة مهنتها خطف الرجال والشباب والبنات بغرض التهديد ودفع مبالغ مالية مقابل فكهم ونسبة هذه العصابات قليلة بدمشق وتكثر بالسويداء ومحيطها”.

ولم تكتفي العصابات المنتشرة بدمشق بسرقة المحال والحقائب والدراجات، ففي ريف دمشق تحدثت وسائل إعلام النظام عن سرقة نحو ألف غطاء قناة تصريف للصرف الصحي (ريغارات) ببلدتي حران العواميد، وحرستا بالغوطة الشرقية، وتحدث محافظ ريف دمشق حينها عن نيّة الحكومة تأمين مادة بديلة لتغطية الصرف الصحي لمنع سرقتها من قبل المجهولين، بينما انهالت الانتقادات على الأجهزة الأمنية للنظام بعد هذه الحادثة، لعدم قدرتها على تأمين حتى الشوارع العامّة.

أما في حديقة السبكي بدمشق فكانت القصة مختلفة، فقد انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور لمقاعد الحديقة العامة بعد سرقة أخشابها، وتسائل رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن دور الأجهزة الأمنية الذي لم ينتبه للأمر على الرغم من تكرره يومياً في تلك الحديقة بالذات.

أما آخر صيحات النشّالين بدمشق كانت حين ألقى قسم شرطة المرجة بدمشق القبض على عصابة تقوم بالسرقة من النشّالين الآخرين، حيث تحدثت صحيفة ” الشرطة” التابعة لوزارة الداخلية، عن تمكن الجهات الأمنية من القبض على فتاتين ورجل، يقومون بانتحال صفات امنية وعمليات نصب على الأهالي.

القبضة الأمنية وانتحال صفة أمنية

رغم القبضة الأمنية الحديدية للنظام على دمشق ومحيطها، إلا أن حوادث السرقة والنهب باتت ظاهرة شبه يومية بأحياء دمشق وأسواقها، ويتحدث “ماجد” وهو اسم مستعار لشرطي متقاعد كان يعمل بمخفر شرطة الميدان، عن أن حوادث السرقات التي لا يبلغ عنها أكبر بكثير من تلك التي تصل لأقسام الشرطة، وذلك لأن المواطن فقد الثقة بقدرة الأجهزة الأمنية على متابعة هذه القضايا.

ويضيف: “لطالما عملت مع ضباط الشرطة على كتابة محاضر بلاغ عن سرقات ونشل ونهب بدمشق، وغالباً كانت تطوى هذه الملفات أو تسجل ضد مجهول أو تحال لأقسام أخرى لتضيع القضية بروتين ممل”.

ويتابع: ” تعتبر الشرطة المدنية متمثلة بقوات الأمن الجنائي أكثر المنتشرين بشوارع دمشق من خلال دوريات مؤقتة وثابتة، إضافة لانتشار أفرع أخرى كالأمن العسكري والسياسي وأمن الدولة وصولا للجيش، ولم تتمكن كل تلك الجهات من الحدّ من هذه الظاهرة التي بات تتزايد مؤخراً”.

بعض الأساليب الحديثة التي باتت تتبعها تلك العصابات هي انتحال الصفات الأمنية، في تحدٍ كبير لكل تلك القبضة الأمنية للنظام، وغالب من ينتحلون هذه الصفات يكونون مسلحين من التابعين لميليشات رديفة للنظام أو من قوى أمن النظام نفسها، حيث يتحدث حول ذلك يزن العمر، وهو صاحب محل للجوالات بدمشق عن تجربته حيال ذلك، ويقول: “دخل عليّ في مساء يوم خميس شخصان، يضع أحدهما على خصره مسدس، ولم أعلم صفته، وبدأ يتفقد الجوالات المستعملة لدي في المحل، بعدها تقدم إليّ وكنت وحدي في المحل، وقال بنبرة صوت خشنة وبلهجة ساحلية أنه يريد التأكد من أن هذه الجوالات ليست مسروقة، وهددني بأنه سيعتقلني إذ وجد أيّ منها مسروقا”، ويتابع: “توترت حينها من نظرات وصوت الشخص عليّ، ولم أعد أعي إذا كان أحد تلك الجوالات لدي قد يكون عليه أيّ إشكال، فقررت أن أحاول استلطافه، وخاطبته على أنني أرغب بالتعرف عليه وصداقته وحلّ الأمر بودية، فابتسم وهمس بإذن الشخص الآخر الذي معه، وطلب جوالين له ولصديقه لحلّ الأمر، ولم أجد أنسب من ذلك خوفاً من أن أدخل بمشاكل أمنية قد يسببها لي، ثم أخذ جوالين بقيمة 150  ألف ليرة (ما يعادل 250 دولار) وذهبا، لأكتشف في اليوم التالي أن الأمر تكرر وبنفس الأسلوب مع عدة محلات بالمنطقة”.

ويشير يزن أنه لم يكتشف حقاً إذا ما كان هؤلاء الشخصان يتبعان حقاً لجهات أمنية، امتهنت ابتزاز الناس، أم هما عصابة تنتحل الصفات الأمنية بهدف السرقة، ويؤكد يزن بنفس الوقت أنه يرجّح أنهما يتبعان لجهة عسكرية ما كونه كثر حملة السلاح بدمشق منذ بداية أحداث 2011 “.

 المناطق التي كانت خارج سيطرة النظام

فرض النظام السوري سيطرته المطلقة على دمشق وريفها وبمساعدة مليشيات إيران وحزب الله، وعمل على تغيير ديمغرافي بالمنطقة عبر تهجير الآلاف من قاطنيها باتجاه الشمال السوري، وأعاد انتشار حواجزه وقواه الأمنية، بعد عقد اتفاقيات مصالحة مع أهالي تلك المنطقة، ولكن وبحسب الأهالي فإن الوضع الأمني بالمناطق المستعادة ليس كما كان متوقع، فلا تزال هناك عمليات خطف واغتيالات وقتل، وسرقة ونهب، وغالباً تبقى هذه العمليات مسجلة ضد مجهول، وتتذرع أجهزة النظام بوجود بقايا لما تصفهم بالمجموعات الإرهابية بتلك المناطق.

عامر، وهو اسم مستعار لأحد أهالي الغوطة الشرقية، يقول: “لا تزال مناطقنا مخيفة أمنياً، حيث لا نستطيع الابتعاد كثيراً عن قرانا وبلداتنا وخصوصاً في الليل، حيث تنتشر حالات الخطف، ويعمل الخاطفون على ابتزاز الأهالي وطلب مبالغ مالية كبيرة للإفراج عن الضحايا”.

ويتابع: “نحاول قدر الإمكان الابتعاد عن الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، حيث نخاف من عمليات انتقامية تقوم بهذه الأجهزة بحق أهالي البلدات التي كانت خارج سيطرة النظام لسنوات”، مشيراً إلى أن الأهالي في حالات تعرض أحدهم لعملية خطف أو سرقة، لا يذهب إلى أي جهة أمنية، تفادياً للدخول بتماس مع هذه الجهات.

أهم أسباب الفلتان الأمني بدمشق

باتت الكتائب والفصائل العسكرية التي تتبع للنظام متعددة، ويظهر معظم التابعين لها بسلاحهم بالأماكن العامّة، الأمر الذي لم يكن مشهوداً سابقاً، حيث تتواجد مليشيات حزب الله والحرس الثوري الإيراني وألوية عسكرية شيعية مثل فاطميون وغيرها، ينتشرون بدمشق على اعتبار أنهم جاؤوا لحماية مناطق مقدسة لهم بمنظورهم.

هذه المظاهر المسلحة بحسب الأحمد جعلت المدنيين بحالة قلق دائم خوفاً من التعرض لأي خلاف مع هؤلاء المسلحين، ولم يعد المدني بدمشق يفرق بين حامل السلاح ولأي جهة يتبع، الأمر الذي سهّل عمل العصابات وزاد من انتشارها متخفيه بلباس هذه المليشيات.

ويردف قيس: ” لعلّ الفقر والوضع الاقتصادي المتردي كان سبباً، لانتشار بعض الحالات الفردية من السرقات والنشل في الأسواق العامّة، والنصب والاحتيال، إلا أن الفلتان الأمني وانتشار المظاهر المسلحة كان السبب الرئيسي لانتشار عمليات السطو المسلح، وتسهيل انتحال الشخصية الأمنية”.

وتبقى دمشق التي تحوي أكثر من ستة ملايين إنسان، تشهد تردٍ بالوضع الأمني يتفاقم مع ازدياد التوتر في عموم البلاد، وعلى الرغم من أنها المدينة الوحيدة بسوريا التي تنبض بالحياة ليل نهار، إلا أن حالتها الأمنية المتردية تشوه الصورة بالعموم التي يخال للبعض أنها مستقرة وهادئة.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع