fbpx

هذه دمشق

ريان محمد – خاص “أنا قصة إنسان “

أم الفقير، لم يعش بها أحد واستطاع أن ينساها، هوى كل من شرب من مائها ومشى في شوارعها القديمة، لكل ركن فيها خصوصيته التي تشدك إلى عبق التاريخ، ولا تكتمل متعتك بها حتى تطل عليها من على سفح جبلها الذي احتضنها منذ زمن فتتلألأ كقطعة من السماء المليئة بالنجوم، هذه دمشق.

قال أنيس، موظف أربعيني العمر، من حي باب توما الدمشقي، لـ”أنا انسان”، “لم نعد نعرف دمشق، فهي ليست هي، قوص باب توما التاريخي، وبوابة حي العشق والعاشقين، مثقل بصور قتلى الحرب، لم يعد صوت فيروز يرافقك في أزقة دمشق القديمة، فقد على هدير الطائرات ودوي الانفجارات في حي جوبر القريب، وانفجارات قذائف الهاون على محبتها”.

ويتابع “حتى السير في ساحة باب توما لم يعد يحمل متعة استنشاق الماضي، فالخوف من ان تعانقك قذيفة هاون على عجل من أمرها، يسلب منك جميع مشاعرك، وتجد كثيرون يعبرون هذه الساحة وعيونهم متعلقة في السماء”.

وأضاف “كثيرة هي الأشياء التي تغيرت، حتى الوجوه، فمعظم من كنت ألتقيهم من أصدقاء و جيران، لم يعودوا هنا، منهم من هاجر ومنهم من مات عن طريق الصدفة، بقذائف الهاون التي لم تفارق الحي منذ ثلاث سنوات على الاقل”.

Untitled-12من جانبه، يقول غياث، طالب جامعي في سنته الأخيرة، لـ”أنا إنسان”، كنت أحلم دائما بالوصول إلى الجامعة لما لحياتها من خصوصية شبابية وأصدقاء ونشاط، لكن للأسف لم نرى شيئا من هذه الحياة، التي كنت أسمع عنها من إخوتي، العديد من مناطق دمشق لا أجرؤ على الذهاب إليها، بسبب بطاقتي الشخصية، فأنا من منطقة ساخنة، ويا ليت أن الموضوع يقف هنا، فحتى رحلتي من المنزل إلى الجامعة وبالعكس، رحلة مليئة بمحطات الخوف والترقب، وإن كانت تكفي نظرات عناصر الحواجز الأمنية المليئة بالشك والاتهام”.

وأضاف “حياتي اليومية في دمشق كالسير في حقل الغام، قد تنتهي في لحظة مزاجية، حلمي الوحيد اليوم أن أنهي دراستي وأهاجر إلى أبعد بلد استطيع الوصول إليها”.

من جهته، يقول فراس، ناشط مدني في دمشق، لـ”أنا إنسان”، “دمشق اليوم تشبه سوريا، بتقسيماتها، فهذه المدينة، التي طالما حضنت السوريين من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، تمظهرت بها مربعات أمنية ذات صبغات محددة، تعتبر ذات مخاطر عالية، بالنسبة للمكونات السورية بسبب انتمائها المناطقي والطائفي، طبعا هذه المربعات ليست حكرا على النظام، فالمعارضة لديها ذات المربعات”.

ويتابع “حتى شكل الحياة تغير في دمشق خلال هذه السنوات الخمس تقريبا، فقد فقدت هذه المدينة الحيوية، نصف حياتها، فبعد أن كانت مدينة لا تنام، أصبحت الحركة بعد غياب الشمس غير محبذة، وإن كانت بعض مظاهر الحياة تحسنة خلال الأشهر الأخيرة، فسوق الميدان للمأكولات، أصبحت بعض محاله تفتح للساعة 11 ليلا، بعد أن مرت عليه نحو العامين لا تفتح أبوابها بعد غياب الشمس، وهو الذي كان قبل الأزمة لا يعرف معنى الإقفال، ومثله العديد من مناطق دمشق”.

وأضاف “كما زاد الوضع سوءا في شهر تشرين ثاني من عام 2015، جراء شن النظام حملة اعتقالات واسعة للشباب، بهدف إلحاقهم بالخدمة العسكرية، ما تسبب بقلق شديد بين العائلات، وتوقف ألاف الشباب عن الذهاب إلى أعمالهم وجامعاتهم، الأمر الذي تسبب بتدهور شبه الاستقرار لآلاف الأسر المنهكة من الواقع الأمني والاقتصادي والاجتماعي، في مختل مناطق البلاد”.

ويرى كل من يتجول في شوارع دمشق وجهها البائس اليوم، حيث الازدحام الخانق، وتجمهر عشرات الأشخاص على الحواجز الأمنية للتدقيق ببطاقاتهم الشخصية، حيث توزع الاتهامات اعتمادا على الانتماء المناطقي والديني، تقرأ بأعينهم كيف ينمو سخطهم على كل حاجز ولا تدري متى ينفجرون من جديد، أضف إلى ذلك انتشار العائلات التي اتخذت الحدائق والأرصفة منازل لهم، في حين تغص الشوارع بالمتسولين من مختلف الأعمار والأجناس، صورة كئيبة ملونة بالقهر الإنساني، هذه دمشق.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع