fbpx

هل تعود “الرقة” وأهلها من الموت الأسود؟

المشاهدات: 560

سامر النجم أبو شبلي

بين العام 1198 والعام 2018 تاريخ من الوجع بين “الرقة” التي عرفت بكرم وطيب أهلها، وبمبدعيها الكثر، وبين “الأندلس” التي صورها “يوسف شاهين” في فيلمه الأشهر “المصير” عن مبتدع مذهب “الفكر الحر” الفيلسوف “ابن رشد” ..

 وبينهما وقف “أحمد الخابور” صاحب مكتبة “بور سعيد” أمام مكتبته التي أحرقها “داعش” بكل ما فيها أمام عينيه العام 2014، والتي دمرها القصف الأمريكي كما باقي أحياء المدينة في 2017، غير أنه بكثير من الصبر والحيلة، أعاد ما يمكن إحياؤه من جديد، وهو في قرارة نفسه مطمئناً أن عدداً كبيراً من أمهات الكتب والدواوين ما زالت بخير، كما هي كتب “ابن رشد” التي سلمت من الحرق.

يقول الأديب الطبيب “عبد السلام العجيلي”: «حين أكون في الرقّة، هناك مكانان إنْ لم أزرهما يومياً، لا أعتبر أنّني عشت يوماً طبيعياً: هما مكتبة “بورسعيد”، و”جسر الرقّة القديم”». (قصفته طائرات التحالف 2017)

 في زمن ما قبل الحرب كان مجرد رؤية أهالي “الرقة” لمحرمة بيضاء مشقوقة في المنتصف، يطوف بها عدة رجال في شوارع المدينة وأزقتها، يعني هذا أن هناك “صلحاً أبيضاً” قد تم بالتراضي بين خصمين، أحدهما من أقرباء القاتل، والآخر من أقرباء القتيل. فتشريع “المدونة الاجتماعية لأهل الرقة”، الذي سنه شيخ أحد عشائر قبيلة “العفادلة” يحل أكبر الحوادث المستعصية، والصلح سيد الأحكام، حيث علت آخر المحارم البيضاء في سماء المدينة بتاريخ 18-3-2011.

وقبل هذا التشويه للتاريخ والجغرافية، كان أحد أهالي “الرقة”، قد شاهد السائق الغريب عن المدينة، يدهس ابنه الصغير دون قصد، فما كان منه إلا أن أرسل ابنه إلى المستشفى مع أحد أقاربه، وأدخل السائق ضيفاً عزيزاً إلى منزله، ودعاه لطعام الغداء دون أن يخبر زوجته بما جرى، وحين كان جالساً يتجاذب أطراف الحديث مع ضيفه الغريب، وصله نبأ وفاة ابنه، وكأن شيئاً لم يكن؟.. استمر بحديثه بشكل عادي حتى إذا ما هم الضيف بالذهاب لمعرفة مصير الصغير؛ طمأنه أن حال طفله بخير ولا خوف عليه.

كان ذلك قبل العام 2011، عندما كانت “الرقة” تضج بساكنيها، وتفتح منازلها لضيوفها قبل أن تدمر هذه المنازل، وتسوى بالأرض. وارتبط اسمها بالقتل والذبح والتنكيل.

و”الرقة” التي فرضت فيها الجزية على المسيحيين أثناء حكم “داعش” كانت بالأمس القريب تمارس عادة اجتماعية لا يشاطرها بها مدينة أخرى، وتنص العادة على أن الشاب الذي يتقدم لخطبة فتاة من حي آخر، وكان والد الفتاة “مسلماً” فإنه يطلب من طالب المصاهرة أن يذهب إلى كبير الحي المسيحي لينال موافقته على هذا الزواج أولاً، وفي الوقت ذاته كان المسيحي يقيم ولائم الإفطار في شهر رمضان.

مجتمع الرقة الجميل لم يكن يقتصر على الرجال فقط، فلم تكن النساء أقل نشاطاً ووداً منهم، ومن العادات النسائية أن المرأة التي يغيب زوجها عن المنزل بداعي السفر أو العمل أو أي مبرر، فإن جاراتها يجتمعن ويذهبن للنوم عندها حتى لا تبيت لوحدها، فالنساء يعتبرن أنه من العار عليهن أن تبيت جارتهن في المنزل وحيدة، وقد تحتاج شيئاً أو تخاف من غياب زوجها، وهن نائمات في منازلهن بعيداً عنها. فمن حول نساء الرقة إلى سلعة للبيع؟.

خرج “داعش” بعد أن حول المدينة إلى ركام، ودخلتها “قسد” مع وعود أمريكية بإعادة الإعمار على شاشات التلفزة، والتي اقتصرت على إزالة الأنقاض من ثلاثة شوارع في المدينة، حيث قامت بها “منظمة التدخل المبكر” الأميركية المتعاقدة مع الإدارة الأمريكية بحجة إعادة الإعمار. ويعلم الأهالي العائدين أنهم هم من يدفعون الثمن في أحياء تحكمها “قوات سورية الديمقراطية” الذين نهبوا بيوت الأهالي، وحولوها إلى هياكل عظمية غير قابلة حتى للموت. المدينة الغارقة بالحزن والظلام عادت بقدم واحدة، مراهنة على ما تبقى من أبنائها كي يزيلوا بقايا الجثث المتراكمة هناك، ويضعوها في مقبرة واحدة لترتاح أرواحهم المتطايرة، وتبدأ الحياة من جديد.

“الرقة” التي سويت بالأرض، يحاول أهلها الآن العودة إلى الذكريات والحنين، حتى على حساب ما تهدم، فكل الأماكن محفورة بالذاكرة الحية، ولا يمكن لمدينة تمتلك كل الطيبة والكرم والأبداع أن يدمرها المارقون.  ألم يقل “ابن رشد” أن الأفكار كالأجنحة .. كذلك هم أبناء الرقة المليئين بالأفكار.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع