أنا السوري اللاجئ في لبنان … وهذه قصتي

المشاهدات: 903

أقف على جانب الطريق المؤدي إلى المدينة وأمنح نفسي حفاوة اختيار سيارة الأجرة التي سأستقلها.. أحدق في وجوه السائقين والركاب قبل أن أختار إحدى السيارات لا على التعيين عندما يصيبني الملل من الانتظار أو عندما أشعر أن الوقت بدأ يداهمني.. أصعد وأومئ برأسي ببساطة، فهنا لست في سوريا ولست مضطراً لإلقاء التحية…

تحية تفضحني وقد تعرضني للابتزاز عندما يكتشف هذا السائق أني سوري الجنسية.. ببساطة أنا أمنح نفسي حرية الكلام في الوقت الذي أجده مناسباً، أي بعد دفع الأجرة المتعارف عليها وعندها سأكون قد فوتت الفرصة على السائق المتحاذق، وبعدها سأنهي الرحلة معه بعبارة الانتصار المشفرة (ع اليمين معلم) أو (ع رياحتك اخي)، وعندها سأنظر نظرة قناص أخيرة إلى وجه ذلك الرجل الذي فوت فرصة استغلال معاناتي اليومية.

لم أنم جيداً البارحة وأنا أستعرض السيناريوهات المفترضة لعملية استلام المساعدة الغذائية من أحد فاعلي الخير الذي أرسل لي مشكورا” رسالة نصية تبلغني بوجوب حضوري في الساعة التاسعة إلى المكان الفلاني مصطحباً هاتفي لأثبت أني متلقي الرسالة مع وثيقة تسجيلي في الأمم المتحدة، فحريتي الشخصية تحتم علي توقع بعض التصرفات وردود الأفعال المطروحة من قبلي، فالقضية أكبر من كونها تلقي معونة.

تتقلب في ذاكرتي صورة تلك الصبية المتطوعة في إحدى المنظمات اﻹنسانية وهي تطلب مني ومن باقي الحضور الوقوف في صف أحادي منظم تسهيلاً للإجراءات ولعدم استهلاك المزيد من الوقت، فأجيب أنا “بنعم” بكل رحابة صدر، وأمضي بعيداً حاملاً على كتفي تلك السلة النموذجية.

وأنا أخطو غريباً في حي أبي سمراء الطرابلسي متسائلاً عن العنوان المرفق بالرسالة تتشابه في ذاكرتي الشوارع والأرصفة وتضيع معالم المكان في باحة أفكاري الخلفية، وكأنني أمشي في أحد أحياء مدينة حمص ولكن لست أميز أحدها بالضبط، فأنا شاب قروي لا يهوى الأبنية المتزاحمة.. أحدق في ساعة يدي وأمضي بسرعة أكبر مقترباً من موعدي.

ما كل هذه الزحمة؟ ولماذا كل هؤلاء الخلق هنا؟ رجال ونساء وأطفال وشيوخ وفوضى لجوء ووجوه متعبة بأعين شاردة، وبين الهسهسات أسمع صوت امرأتين تتحاوران بشفافية: (لماذا نأتي من الساعة السابعة إن كان الشيخ لم يأت بعد، وفي هذا البرد القارس نترك أطفالنا؟!).. وذاك الرجل العجوز المستند بكل ثقله إلى نصف جدار ممسكاً بيده عقب سيجارة عربية توشك على الانتهاء بينما يلعب بعض الأطفال الإصدار الجديد من عسكر وحرامية (جيش حر وشبيحة).

منحت نفسي الحرية مجدداً باختيار مكان وقوفي متجنباً الحديث مع الكثير من الواقفين مثلي ممن ينتمون إلى العديد من أطياف المجتمع السوري وكأنه مجلس شعب مصغر، ولكن لا ضرورة للخوض في الأحاديث الجانبية.. وما هي إلا لحظات حتى ارتفع ذلك الصوت الجهوري منادياً الجميع بضرورة الاصطفاف في طابورين منفصلين للرجال والنساء كل على حدى، فاخترت مكاني غير المتقدم واللامتاخر مانحاً نفسي أفضلية تقييم الوضع الحالي.

أنا في العادة أكره الضجيج والصراخ في هكذا مناسبات، وأحب الهدوء والسلاسة في سير الإجراءات، فكلنا نعرف مايجب علينا فعله.. لذا دعونا ننهي ما اجتمعنا لأجله بأقل تعب؛ ومع ذلك كان لابد لي من استحضار ما يشجعني على الصمود مع تهافت الناس باتجاه النافذة لذلك علي العودة إلى المنزل محملاً بالمعونة أو أن أستعد لتلقي اللوم على عدم الحصول على ماهو في النهاية من حقي.

دخل الشيخ إلى كشك التوزيع وبدأ بإذاعة الأسماء وفق الترتيب الأبجدي وبدأت المعمعة وتعالت القرقعة والتف بعض المقربين حول الرجل وبدؤوا بتسهيل تسليم المعونة إلى البعض؛ بينما أقف مراقباً مع جمهور الغرباء الواقفين خلفي، ومضى الوقت سريعاً في تفاصيل القضية واقترب دوري فاقتربت، ودنا سعدي فدنوت، ولكن كان الجواب قاسياً (لا اسم لك عندي)، فسكت.. ولكن هذه رسالتكم عندي وفيها الموعد والعنوان!، فقال: لقد أرسلها رجل غيري ويبدو أنه أحد أقاربك ممن يقطنون الحي أحب أن يلهو معك قليلاً.. وكان الجواب أني لا أعرف أحداً في هذا الحي وهذه المرة الأولى التي أقصدكم فيها.. فأجابني: كلكم تقولون هذا مع أنكم في كل مرة تأتون إلى هنا وتزاحمون الناس بلا طائل وأنا صاحب أمانة لا أستطيع إلا أن أوصلها إلى مستحقيها !!!…

لم يملك الرجل الواقف أمامي الا أن يغادر النافذة بعد هذا الحوار الجامد متأففاً مخذولاً وكان علي الاختيار سريعاً، فأنا لن أرغب أن أكون مكان هذا الرجل في هذا الموقف المحرج أبداً لذا سأنسحب تلقائياً متجنبا” الخوض في حديث كهذا، وسأدعي أني أخطأت العنوان كالعادة ولم أصل إلى مكان المساعدة إلا متاخراً، وسأعطي نفسي الحرية مجدداً في اختيار التوقيت المناسب للانسحاب، فهذه ليست المرة الأولى التي أتخلى فيها عما احتاجه مقابل كرامتي فليس بالخبز وحده يحيا اﻹنسان .

أنا السوري عبد الله الطويل …وفي رأس المقالة ” صورتي ” 

أما عن هويتي … فهي سورية 

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع