أنا اللبنانية وفيقة معتوق … أنا الجرثومة السورية

المشاهدات: 4546

 انا من ولدت مع الحرب الأهلية في لبنان ..وفي أيامي الأولى قالت لي أمي أن الطائرات السورية حلقت فوقنا وأحرقت مخازن التابلينغ  للغاز وحولت السماء إلى ضباب وجحيم …

لطالما كانت حياتنا الاجتماعية شبه معدومة ,بدءاً من وجودنا في ملاجئ تحت الأرض تحمينا من القصف ,حتى ملازمتنا المستشفيات نتيجة مرض أصاب أخي في الحرب إلى أن  انتهت حياته مع الإعلان الرسمي لانتهاء الحرب في لبنان .

ومشينا في الحرب الحقيقية ..حرب لملمة الأشلاء والنهوض بأعصاب شبه محطمة وقدرات شبه معدومة.. أحببت رجل سوري وتزوجته وكانت صفة الهوية ملتصقة به أكثر من أي صفة إنسانية أخرى. كنت دائماً أرى  ردة الفعل ذاتها : “سوري ؟!!!! ” ,حتى أن أبي الذي عودني على الحرية والعدل وعدم التمييز أحنى رأسه قليلاً حينها وقال بخجل مقهور : ” ألا يمكن أن يكون غير سوري ” لعلمه بتفاصيل القمع في الأربعينيات , الذي لم يستطع المواطن السوري تجنبه مهما حاولت عائلته تجنيبه إياه ومهما كان نفوذه قوي لتفاديه ..فهو موجود في الشارع وفي نظرات الناس وصمتهم … هذا الصوت الكاتم للناس كنت أفهمه على أنه حكمة وتحفظ …كنت فخورة بزوجي السوري العاقل المتزن الحكيم … وكنت أشعر معه بالأمان ، ذات الأمان الموصوف في سوريا ، لذلك كان وجودي معه أينما كنا ” وطن “…كان وجودنا لبعضنا وطن  …

تخرجت من سنتي الجامعية الأخيرة بعد سنة من الرعب الذي خيّم علينا من جراء اجتياح إسرائيل لمناطق حيوية في لبنان وهروبنا إلى بيت العائلة في سوريا …وكانت ابنتي الرضيعة قد تخرجت معي أيضا وفي عيونها تحمل دهشة خوفنا. سافرت بعدها مع زوجي إلى الإمارات العربية المتحدة, ولم أشعر بالغربة لأنني   كنت أعتقد أنني وجدت وطناً عربياً يحمل وطننا الصغير … ولا يسقطه .

انا الجرثومة السورية 3في سنه 2010 كانت الأزمة الاقتصادية قد حضّرت هجومها على حرمات الصمود الفردي لتاريخ طويل من التصبير … وكانت أيضاً تحضّر لقطع أرجل الطاولة السورية الآمنة وكشف ما تحتها … سقطت الأعمال وتوقفت الرواتب لما يقارب السنة الكاملة … تراكمت علينا الديون وكان علينا العودة إلى لبنان حيث أصبحت ردة الفعل :” يييييي سوري !!! لا تقولي هذا أمام أحد “.  كنت في منتصف حملي الثاني أنتظر صبياً, ولم يستطع زوجي السوري مرافقتي لأنه لا يريد العودة إلى الطائفية السورية في لبنان بعدما استعاد مركزه الإداري وكرامته في الإمارات ,حيث أن للسوري مقام محترم لشهرته بعمله الجيد وأخلاقه الرفيعة … أذكر جملةً قالها زوجي حينها : ” أموت هنا ولا أعود إلى لبنان “… كان يحلم أن نعود يوما إلى سوريا لتأسيس شركتنا الهندسية معاً… هذا المشوار المرهق على كل المستويات النفسية والعصبية والعقلية والجسدية والعائلية والاجتماعية والتربوية لابنتي من سوريا إلى لبنان إلى الإمارات العربية ,لم  ينته , بل بدأ عده العكسي.

أنجبت طفلي وأنا أشاهد الأطفال تموت بأفظع الطرق وأبكي عجزاً عن الصراخ … كنت لشدة خوفي, لا أريد أن ألد. تغيبت عن موعد الطبيب النسائي حتى بدأت شهري العاشر ، منتظرة لأن يزول الخوف ويتوقف القتل ,لكن وحده قلبي الذي كاد يتوقف, ووحدها الفرص كانت تزول … دخلت إلى المذبح … تحطم “الوطن” الذي كان يجمعنا …تحطم الأمان … تحطم في سوريا وتحطم في لبنان وتحطم في بيتنا المتفاخر بقصة حب تخطت العائلة والهوية والدين !!! عام 2011 كانت ولادة يقابلها حطام … وهبة من الله يقابلها انتقاص من البشر …حب يقابله خوف …أدركت حينها أنني غريبة على تلك الأرض وأحتاج إلى اللجوء لأرض لا تنفي وجودي ولا تحولني إلى مجرد ختم مقيم محدود لا يمكنه أن يمنح لبنانيته لأطفاله, ويعاني منهم كأنهم غرباء في بيته, ويتعذر مع نفسه في أي وطن عربي آخر كأنه غريب عن لغته العربية .

أنا الجرثومة السوريةفي هذه الأثناء انتقلت العدوى السورية إلى أولادي.. كانت الممرضة تملأ معلومات الدفتر الصحي بابتسامة عريضة فقدتها فجأة عندما وصلنا إلى رقم السجل والجنسية حيث قالت وهي تنظر لابني في حضني : “سوري !!!!  لماذا لم تقولي هذا منذ البداية ؟؟ لا يحق له بدفتر صحي، هذا قرار من وزارة الصحة ” ,مزقت الدفتر وذهبت …

 عند خروجي من المشفى توجهت إلى مقر وزارة الصحة لأخبرهم أن ابني يحمل جرثومة معدية وهو يحتاج لدفتر صحي كي يتابع توثيق علاجه, وتفاجأ الموظف عندما قلت له أن تلك الجرثومة هي الهوية السورية …منحني الدفتر بكل خجل واعتذر نيابة عن المستشفى وعلمت أنه فعلاً قرار وزاري والممرضة كانت تقوم بواجبها برغبةٍ عميقة للواجب المهني ممكن !! … أما ابنتي فدخلت متفوقة إلى المدرسة أخلاقياً ودراسيا, وحظيت بمحبة وشعبية مميزتين, وعندما أتيت بالأوراق تفاجأ الموظفون: “سورية! همممم …أهلاً وسهلاً بها لكن نحتاج إلى إقامة و  و  و….” لكن أنا أمها !!! أنا لبنانية !!! قالوا بأسف : لكن جوازها  سوري … لا حول الله ! … تم التساهل لأننا كمجتمعات لا نرفض بعضنا لكن انتمائنا السياسي يرفض انتماء الآخر ,ولو ألغيت الانتماءات ,لكان الجميع ينتمون  إلى إنسانيتهم التي لطالما أنقذت مواقف العدوى الجرثومية  التي انتقلت حتى إلى الأولاد في المدرسة, وبطريقة ما طعن طفل ابنتي المسالمة بالقلم في عينها وكانت اللحظة الحاسمة . أعماني الغضب والحقد ودمرني الخوف … لم تفقد عينها لكنها فقدت الأمان ..هذا الوطن الوهمي الذي كنا نحيكه لها بالأوهام حتى يحميها لحين أن تكبر …تحطم مجدداً.

ناضل زوجي في الإمارات حتى استعاد نصف رواتبه ودفع ديون البطاقات الائتمانية حيث وصلنا للحضيض “الصفر” , وحظي بوظيفة جديدة …طبعاً بعد الحرب السورية فقد السوري قيمته الوظيفية فأصبح عمله مضاعف وراتبه ثلث الراتب الأساسي ,لكن الأهم أننا خرجنا من لبنان . تعلمت ابنتي النشيد الوطني اللبناني في لبنان وتعلمت النشيد الوطني الإماراتي في الإمارات وكانت ملاحقة دائماً لتنوع لكنتها : “يا ماما مش وليس مو … قولي كتير وليس وايد …أنا وليس أني …! ” ضاعت الفتاة وكانت تجهل كيف ترد …حتى سألتنا مرة : ” ماما أنتِ لبنانية وبابا سوري ونعيش في الإمارات، أنا ماذا أكون ؟ ” . السؤال بسيط وواضح لكنه أرعبنا ..نظرت إلى زوجي نحاول معا تلفيق أكذوبة جديدة لكنها كشفتنا بنظرات من الشك الموضوعي  , فهز زوجي رأسه وقال : ” معها حق …معها حق …” اختصر غصته وقال : ” أنت عربيه يا بابا …عربية سورية ” … خفضت رأسي أناجي قلبي :” يا رب …الجرثومة … لا تنقل لها تلك الجرثومة” … فتشت في مواقع الإنترنت على كيفية تحصيل فيزا إلى أمريكا…الوطن الذي قامت قوميته  على تعدد الجنسيات ولا يأبه لتلك الجرثومة … بل أن مناعته معتمدة عليها . لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي قد ضجت بعد بموجات اللجوء ,ولم أكن على علم من أنه يمكننا اللجوء إلى أوروبا خاصة وأننا نحمل الإقامة الإماراتية , ولم أجد إلا طريقة واحدة يتم من خلالها منح الفيزا لأعضاء نقابات الكتاب العرب لدورة سنوية تقام في أمريكا كل سنة لمدة ستة أسابيع مدفوعة كاملة … فكرت في نفسي : ” الكل يكتب وأنا مهندسة وخيالي واسع لماذا لا أكتب رواية أدخل فيها النقابة وأقدم على الفيزا, وعندما أصل أتقدم في طلب اللجوء ,وحينها لن يقتلعني أحد من مكاني …لن يرفضني أحد أو يرفض أولادي …سوف أعطيهم هوية تكسر كل الحواجز التي تربيت عليها في الحرب وفي المطارات وكل المؤسسات الكبيرة والصغيرة .

انا الجرثومة السورية 1وهكذا بدأت مشوار النضال للهوية , لم أكن حينها أفهم معنى ” هوية” …. مشوار ثلاث سنوات أعاقتني خلالها الكثير من الظروف حتى وصلت لأول خطوة في الخطة وهي نشر الرواية ، وعندما صدرت و أمسكتها بيدي أصابتني رصاصة صمت موجعة … تألمت أحشائي ودمعت عينيّ : “لقد ولدت طفلي الثالث وهذا لن يخيفه أحد… لن يغتاله أحد …هذا وطني وخلودي ,مهما كان صغيراً فهو الآن موجود وسينتشر كالجرثومة ! ” …

 أحيانا نمشي طويلاً لنشتري طعاما للبيت … نصل متأخرين ..ويكون السوق قد أقفل ,لكننا نعود من مشوارنا محملين بالأمل ليوم غد… القطف العشوائي على طرقات مألوفة بعطاءها يبقينا على قيد الحياة حتى نستطيع  النظر … تحطم الوطن وحلت مكانه الجرثومة … تحطم الأمان وحل مكانه الخوف … تحطمت الهوية … لكن الأمل قد حل مكانها. وحدها الهوية الإنسانية لا تموت ولا تسلب ولا تباع ولا تشترى ..

آمنت دائماً أن الإنسان لا يمكن أن يموت  دون أن يحمل معه عبرة من الحياة أو قصة تحكى… أنا قصتي تحكي هوية ليست سورية , ولا لبنانية… بل هي هوية إنسانية.

من أكون ؟

 انا اللبنانية وفيقة معتوق … أنا إنسان… من كوكب الأرض .

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 7

تعليقات مباشرة على الموقع

  1. قصة مؤثرة جميلة، أحسست بدفء عواطفك
    الله يكون بعوننا نحن العرب ممن جنى علينا حكامنا و فرقونا عن أخوتنا
    لي اعتراض لو سمحت على كلمة لا حول الله فالله وحده له الحول و القوة و هذا المصطلح شائع لكنه فيه نقص للذات الإلهية جل وعلا
    تقبلي مروري
    سعدت جداً بقراءة مقالك و أتمنى لك و لعائلتك التوفيق

    1. شكرا لك منيرة …معك حقك كان لازم اكتب لاحول ولا قوة إلا بالله لكن تحت وطئة الفاجعه لا نقوى على إعطاء الأولوية للكلمات فنختصر فيهم الزمن وهناك يقع الخطأ. ..
      بالنسبة لرأيك السياسي ، مقالتي تناولت سلوك إجتماعي غير مقبول …. إذا ظلمتنا حكامنا بحكم إعطائنا لهم السلطه لذلك فمن المجحف على المستوى الإنساني أن نظلم بعضنا … الأنظمه يتم تطبيقها على الأفراد فقط عندما تثبت انها انظمه صالحه ومكتمله ونابعة من طبيعة حاجة المجتمع نفسه …بينما نحنا كعرب نزيد على الظلم غربه … نضيف على ضعفنا نقاط ضعف جذريه …
      إذا اردنا أن نكون شعوب ناهضه يمكنها أن تنقذ ما تبقى من انسانيتنا علينا أن نتعامل مع الفرد وليس مع هويته … نحن بشر من فصيلة بشريه واحدة ولسنا حيوانات يتم ابادتها وتحويلها إلى وباء … اذا كان هنالك إعتراض على صفة معينه عند شعب معين فليتم تناولها بشكل تربوي ثقافي موضوعي من دون إقحام إنسانية الأفراد في الموضوع حتى لو كانو هم جوهر الموضوع. ..
      انا اطالب فقط بإحترام انسانيتي قبل حقوقي …فقط .
      وشكرا لمرورك منيرة اسعدني تعليقك .

  2. اسلوبك سلس ورائع شدني لقرأة القصة من القها ليائها مع انتا هالايام منعمل scan سريع عالمضمون ..قصتك يعلني منها الكثيرون هذا ما جنيناه من التمزق والتشرذم العربي !

  3. صحيح بسيمه … هذا واقع مؤلم …لكنه قابل للتفاوض ?
    الإصلاح دائما ممكن وأنا لم أسكت … فعلت ما بوسعي وسأبقى أحاول …هذه انسانيتي وليست سيارتي حتى اتخلى عنها واشتري غيرها … نصنع انسانيتتا مرة واحده ومن ثم ننقلها …
    شكرا لمرورك بسيمه .

  4. شكرا لجمال كلماتك ،في سوريا كنا كرد ونناضل لنشعر بالمساواة مع الاخرين بعد الحرب والنزوح اصبحنا سوريين في بلد نحن اخوة باللغة والتاريخ مدينة اربيل ومع النزوح الاخر اصبحنا عرب في مدينة كانت جزء من سوريا مدينة انطاكيا التركية واخر المطاف نحمل صفة غرباء ولكنا يحترمون اشتراكنا معهم بصفة الانسانية وتستمر الحياة، لك ولاطفالك واطفالي واطفال العالم السلام والعدالة والمحبة دوما

  5. شكرا شيرين …فعلا السلام والمحبه والعداله على أيدي البشر في كل مكان …الأمل بالشيئ يجعل وجوده رهن اصرارنا عليه … ونصر على الأمل.

  6. في عصر الوحشية المودرن ، الطفولة مستباحة و الأمان مسلوب في تلك البلاد بنسختها المُجرثمة للقرن الواحد و العشرين !!!
    حين تفتحت عيناي على هذا العالم سعى والداي دائماً لإسعادي و إظهار الجانب البريء و المعصوم من الخطايا و الكره و الصفات المشينة فيه ، و لكني و بمرور السنين و توالي الفواجع رأيت عجائب السلوك من أبناء جنسي و بدأت أطرح تساؤلاتي البدائية ، كيف نكون كلنا بشراً و هذا يُعامل بصفة الهوية و فلان تقتلع من قاموسه كلمة إنسان لكونه من بلاد لا يستسيغ جيرانه ذكر اسمها ، و أطفال يُحرمون نور عيونهم و فرحة و عذوبة أيامهم الأولى في هذه الدنيا لأنهم “سوريون” ، و يحملون معهم جرثومة الهوية التي لم تكن يوماً إلا منارة للعالم و الإنسانية و لكنها بفعل الإنسان نفسه و همجية بني البشر غير العاقلين مغيبي الضمير و الفهم تحولت لجرثومة و وباء اسمه العنصرية النتنة .
    لقد فعلت الصواب بهجرتك مع الأولاد ، أيتها الكاتبة و الإنسانة النبيلة , أحييكِ و أضع بين يديكِ يداي بكل افتخار و محبة و احترام و تقدير لصبرك و نضالك و الصدق في قول أسرارك .. و إنسانيتك العظيمة ?
    و اعلمي أن القادم أجمل و أنه مهما تطاول بنيان الجهل في عصرنا يبقى داعموه ضعفاء مقهورين و مسلوبي القوة فتنهار محاولاتهم لقتل الإنسان فينا …. طالما عملنا معاً لبناء صرح البشرية الموحد العظيم و الخال من الحدود و المعابر و الهويات ووهم ما يسمى اختلاف الجنسية .