fbpx

إرهابيو اللاذقية مجردون حتى من انتقامهم

المشاهدات: 949

 ياسمين العلي

أخيراً سيخرج من هنا، ثماني سنوات قضاها من عمره في هذا المكان، سجن اللاذقية المدني، “الجحيم” كما يفضل تسميته، ليس جحيم المتلصص الذي تحدث عنه مصطفى خليفة في روايته “القوقعة”، هو لم يسمع أصلا بهذه الرواية التي ذاع سيطها بعد اندلاع الثورة، تلك الثورة التي جعلته إرهابياً كيفما اتفق، ما زال يذكر حتى الآن عندما حكمه القاضي أبو سارية دون أن ينظر لوجهه أو يسمع روايته، حكمه خلال دقائق، حدد مصيره في غرفة ضيقة بمحكمة الإرهاب الوحيدة بدمشق، التي ستنظر بملفات عشرات الآلاف من الشبان، هي محكمة استثنائية كنا أخبروه، استثنائية فعلاً، فهي لا تخضع لقانون أو نظم وضوابط، القضاة فيها يقرأون  تقريراً أمنياً كُتب على عجل، يتلون حكماً تتضمنه أوراق هذا الملف، كتبه محقق فرع أمن لا يجيد القراءة، محقق التفت إلى الكاتب الجالس قربه وقال له ” سجل عندك، أنكر…أنكر…أنكر…”، الكاتب كتب أن صاحب الملف يتعامل مع جماعات إرهابية وسيحكم هكذا، وعلى القاضي التلاوة، المحقق في فرع الأمن بدمشق لم يصدق أنه لم يخرج بمظاهرات الرمل الجنوبي في اللاذقية أو حتى دعمها وروج لها، أقسم له أنه بريء ولا علاقة له بكل شيء، ” بكفي إنك من الرمل لتكون إرهابي، وإذا ما كنت إرهابي هنت متعاطف معِن” ، قالها المحقق ودونها في تقريره الذي وصل لمحكمة الإرهاب بدمشق،  وعليه أصدر أبو سارية الحكم بسجنه…سجنه لاثنتي عشر عاماً…

في حزيران 2012 تأسست محكمة الإرهاب كبديل لمحكمة أمن الدولة، والتي كان مصطفى أحد روادها الأوائل، دور المحامي فيها شكلي، ومعروفة بفساد قضاتها الذين يتغيرون بشكل دائم بعد ان تملأ جيوبهم بأموال معتقلي فروع الأمن، تلك الفروع التي قضى أيامه زائرا فيها بدمشق، أوقفه حاجز عند مدخل الرمل وهو عائد للمخيم بعد أن دخله “الجيش” وطهر وحرر، لم لا يعود فهو لم يقترف شيئاً، “النسوان ينزلوا والزلم تضل جوا”، هكذا أمر عنصر الحاجز الذي وجه بتحويل السرفيس بسائقه وركابه الذكور إلى فرع أمن الدولة، الذي حولهم بدوره إلى دمشق، كان كل شيء عام 2011 يحول لدمشق،  فالقضية ساخنة والنظام مهدد والاعتقالات في أوجها لمن له علاقة بالثورة ولمن ليس له علاقة …وما أكثرهم، اعتقلوا السرفيس أيضاً، هكذا أخبره مالكه الذي كان معه في نفس المهجع بسجن اللاذقية، جميع الركاب حكموا بنفس الرقم، 12 عاماً، فقط لأنهم صدقوا النظام عندما قال لهم عودوا، هؤلاء الركاب الذين ربما مروا قرب متظاهر أو لهم أقارب انسحبوا وقتها لمنطقة الحفة وحرروها،  لا يهم ما هي التهمة، المهم أن المحققين في أفرع الأمن نجحوا بإيجاد تهمة لهم مرتبطة بالارهاب، تمويل إرهاب، تعاطف مع الإرهاب، ترويج لأفكار ارهابية، مكالمة هاتفية مع الإرهاب،  والأهم من كل هذا إن القاضي لم يحكمهم بالإعدام كما حكم آلاف الإرهابيين دون وجه حق.

كغيره من ركاب هذا السرفيس، خرج مصطفى لحسن السير والسلوك، التزم خلال سنواته الثماني بأوامر ضباط الشرطة المشرفين على السجن، خرج وعمره يناهز الثلاثين، فجأة وجد نفسه رجلاً ثلاثينيناً، بجيبه 300 ليرة ومفتاح منزلهم بالرمل، مجرداً من حقوقه المدنية ومن أملاك لا يملكها، هكذا هو القانون في بلد اللاقانون، فالإرهابي ليس له شيء، إلا ورقة كتب عليها بالحبر العريض أنه “محكوم”، وفوق هذا كله هو الآن خائف، خائف أكثر من الخوف الذي شعر به عندما مرت قربه أول مظاهرة خرجت في الرمل الجنوبي ، وقتها خاف وهرب واختبأ في منزله ثلاثة أيام رفض خلالها التوجه لجامعته خوفاً من أسئلة الفضوليين حول ما يحصل في حيه الفقير، لم يرهم سوى بضعة مجانين يعتقدون ان النظام يزاح بصيحة “حرية”، صيحة دفع هو ثمنها ثماني سنوات من عشرينيات عمره، فترة كان يجب أن يرى نفسه فيها خريجاً، موظفاً، عاشقاً، متزوجاً،  ما زال يذكر حتى الآن كلمات خلدون زميله في السجن الذي قال له، “يازلمة في ناس تهجرت وتهدمت بيوتا”، لا يعنيه الأمر، هم خرجوا طلباً لحرية لا يريدها، هو الآن يريد فقط سنوات عمره الذي راح ثمن ثورة لا تعنيه لا إن هي فشلت أو حتى أسقطت النظام.

كان دائم الخوف، يشعر أن أمراً عظيما ينتظره لا يعرف ما هو، لن ينسى ذلك اليوم الذي أخبره فيه مراقب المهجع أنه سينال حريته، باتت تثير غثيانه هذه الكلمة، لكن لا يهم فهو سيخرج، ظن بادئ الأمر أن السبب عفو عام انتظره طويلاً، لكن المراقب أخبره أن الإرهابيين لا عفو لهم من السيد الرئيس، فالعفو لأرباب السوابق من سارقين وقاتلين فقط، أما هو فحسن سيره وسلوكه أسعفه، إرهابي بسيرة حسنة، لكن لحظة، لن نفرج عنك، هذا ما أخبره به آمر السجن، “سنحولك للشرطة العسرية فأنت الآن مطلوب للخدمة الإلزامية، وعلى اعتبار انك إرهابي عليك إجراء بعض المعاملات لتحصل على تسريح مؤقت، ريثما ينظر الأمن العسكري بأمرك”، “لكنني إرهابي كيف ساحدم الوطن؟؟، تجرأ وسأل، “لايهم…الموت هناك لا يفرق”، أتته الإجابة….

حصل على التسريح المؤقت وخرج محملاً بقهر وحقد تجاوز حدود مدينته التي أحبها يوماً، يريد أن يقتلهم جميعاً، كل هؤلاء الأوغاد الذين أرادوا حرية لا يريدها، كنزيل في السجن المدني ظن أنه يعرف أخبار لاذقيته، غلاء فاحش، شبان يهربون، موجة نزوح من حلب، معارك يسمع أصداء انتصار الجيش الباسل فيها عبر وسائل إعلام رسمية لا يشاهد سواها، كان يظن أنه يعرف المجريات، لكنه صدم لهول ما رأى، فقر مدقع، وجوه جديدة تعلوها الكآبة، شريحة منفصلة عن الواقع، ميليشيات وسلاح وفوضى، مدينة مهلهلة تعبت حتى أرصفتها من الحرب، والموت…الكثير من الموت  الذي ينتظره هناك، على جبهة ما، موت حصد عشرات الشبان من جيله كان يعرفهم، ماتوا قتلاً تعذيباً غرقاً جهاداَ قهراً فقراَ، الموت في كل مكان وآلته لاتتوقف، الموت ناب عنه وأخذ ثاره من هؤلاء الثوار الذين يكرههم، ومع ذلك كبر الخوف فيه أكثر لا بل والغربة ، يريد الفرار لكن إلى أين، وهو إرهابي مجرد من كل شيء إلا من خوفه اللعين، خوفهأالذي جعله ينكر معرفة مصير رائد عندما سأله والده السبعيني عنه، كان ابو رائد يزورهم يومياً ليسأله عن مصير ولده، إنكار مصطفى المستمر لم ينفع مع العجوز اللحوح، “كيف ما بتعرف ورائد كان معك بنفس الفرع، ليش ما عطوه شهادة حسن سير وسلوك متلك؟؟”، لا اعرف كانت إجابة تخفي حقيقة يرددها سرا ويكتمها خوفاً، “ابنك ثائر…والثائر عندهم لا يمنح إلا شهادة الوفاة”.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع