fbpx

“ابنة الأكراد” التي كسبت رهانها بعد ثلاث عشر عاماً

المشاهدات: 353

شفان إبراهيم 

في غرفة لا تتجاوز الخمسة أمتار، تحتضن بين جدرانها اللبنية المتواضعة قطعاً تُراثية شاهدة على تاريخ شعب عاش في تلك المنطقة منذ آلاف السنين. إرثٌ فلكلوري ولوحات أثرية تحمل المُشاهِدّ على تخيل نمطية الحياة في تلك الحُقبة.

مجموعة أوانً وقِطعَ فخار شعبية قديمة تملأ مساحة غرفة خصصتها السيدة “حزنا” /50 عاماً/ المُلقبة بـ”KEçA KURDA” أيّ ابنة الكُرد باللغة الكُردية، للاحتفاظ بذكريات الزمن الماضي: «أخبرتهم أنكم ستندمون على استهزائكم، وسيأتيكم اليوم الذي لن أسمح فيه لكم بأخذ الصور في معرضي».

في إحدى زوايا المعرض، وضعت “حزنا” الجرجرة “Cencere” وهي ما كانت تُستخدم قديماً بطحن المحصول الزراعي على اختلاف أصنافه، حيث يقودها شخص، ويُربط حمارين إلى الآلة، ويدوران بها فوق المحصول المُكوم فوق بعضه، ثم يتم فرزه عبر غربلته، ثم عرضه على الهواء لتنظيفه مما تبقى من الشوائب والأوساخ والأتربة، يوضع في أكياس مُخصصة لها.

في الركن الأخر صنعت “حزنا” دُمية كبيرة، ككناية عن العروس الكُردية، وتقول: «ألبستُها ما كانت ترتدي العروس قديماً، ووضعت شريطاً لاصقاً على فمها، فالمرأة لدينا لم يكن لها رأي في قبول أو رفض العريس، ولم تكن تعرف ما ينتظرها في غرفة نومها، فوضعت هذا الدب كرمز لبعض الرجال، ورَصفت إلى جانب الدمية مجموعة من الأواني والزخارف التي كانت العروس تصحبها معها يوم زفافها».

وعلقت إلى السقف في منتصف معرضها الــ”مشك” أو “Meşik”، وهو ما كان يُستخدم لصناعة رائب اللبن والزُبدة عبر الخض المستمر لكمية من لبن الغنم أو البقر لساعات، ومن قبل امرأتين. عدا عن أدوات طحن القمح وصناعة الخبز وموكب العروس والزيّ والفساتين الكُردية القديمة وغيرها.

في قرية “معشوق” شرق القامشلي التابعة لمحافظة الحسكة، وقفت “حزنا” متحدية المصاعب ومتاعب الحياة، رافضة مباهج الدنيا، فقد بدأت مآسيها من تركها للمدرسة بسبب ضرب معلمها لها وهروبها وشعورها بالخوف المصاحب لكلمة مدرسة ودرس، وراحت تساعد أسرتها بزراعة الخضروات وحصاد القمح وقطاف القطن منذ سن العاشرة.

ثم كان رجوعها من السويد، بعدَ إصرار والدتها العودة لأسباب وصفوها بــ”الخاصة”، وتعرض الأم للشلل وتفرغها للعناية والاهتمام بها، فليس هناك سندً أو مُعيل لهما، نتيجة وفاة والدها منذ أكثر من عشرين عاماً، واستقرار أخيها في السويد.

لكن ذلك لم يمنعها من الحلم: «إن لم أستطع الحصول على الشهادة والتعليم، لكن بمقدوري عمل شيء مميز، فبدأت بإنشاءِ معرض خاص للفلكلور والزيّ الكُردي القديم منذ عام 2006 ، وبدأت من الأدوات الموجودة في البيت».

ترغب “حزنا” بتوفير ما يشرح للأجيال القادمة عن تراث أسلافهم، وأضافت: «كُنت أفكر لماذا لا أجمع تلك الأدوات، فتكون دليلاً للأجيال القادمة، وجزء من تاريخ أجدادهم، فبدأت بجمع  كُل ما له علاقة بأنماط العيش الكُردي القديم».

راودتها فكرة الاستفادة الإيجابية من مأساة الهجرة، حيث «طلبت منهم ألا يرموا تلك الأدوات، وخيرتهم بين أن يُعيروني إياها، أو يبيعونها أو يحتفظون بها، المهم أن لا يتم رميها».

ثم بدأت “ابنة الأكراد” بالتجوال في الريف الكُردي، فتنقلت بين كوجرات، وآليان، وسنجق، وهي مناطق تتوزع في تبعيتها الإدارية إلى مدينتي المالكية والقامشلي: «كُنت أوفر من مصروف البيت وأشتري به ما أحتاجه لمعرضي، وأدفع أجرة المركبات التي كانت تتنقل بيَّ بين تلك المناطق».

لكنها تضع كل أعباء الحياة في طرف، والطرف الأخر، فما عانته من وسطها والأهالي نتيجة اهتمامها وشغفها بتجميع ما يشرح الحياة الكُردية قديماً من أدوات طهي وطعام، ومواسم الحصاد والأعراس، كان كبيراً: «وصفوني بالمجنونة، والغبية التي تُضيع مالها وجهدها على أشياءً لم نعد نستعملها».

لم تتلق المساعدة حتى من أقرب مُقربيها: «حيث حاربني الجميع في البداية، فقط شقيقتي الأصغر “عجم”، وبنات أختي ساعدوني بتجميع بعض القطع». أمام زيادة الضغط وكُثرة المنتقدين وجدت ضالتها لدى أخيها “برزان” في “السويد” الذي شجعها وقال لها «أنه أمر مهم ورائع، استمري وسأرسل لك ما تحتاجينه».

يبدو الحزن العميق بادياً على عينيها وهي تنظرُ إلى سقف غرفتها، تتنهد وتتذكر بحسرة كيف وصفها بعض أقاربها وجيرانها بالعيب والعار لأنها خرجت على إحدى المحطات المحلية تتحدث عن بدايات عملها، «تخيل قالوا لي يا عيب الشوم، عارٌ كبير أن تخرجي على شاشات التلفاز وتتحدثي عن هذه الأمور، حتى أختي الكبيرة التي تسكن القرية عاتبتني وأسمعتني كلاماً قاسياً جداً، وبقيت أتردد كثيراً قبل الخروج إلى شوارع وساحات القرية. وبعد فترة من البرود والجمود في العمل، عاودت مُجدداً، وقررت العودة إلى عملي ورغبتي، فالتراث الكُردي يستحق منا كل هذا التعب».

تتمنى “حزنا” من جميع النساء الكُرديات الاهتمام بالتاريخ والتراث وحمايته من الاندثار، «فهذا جزء من نمطية عيش أجدادنا، وسيأتي يومٌ لن تعرف الأجيال الكُردية القادمة شيئاً عن نوعية حياة أسلافهم». وهي تسعى إلى توسيع وتطوير عملها؛ لكن الوضع المادي يعيق طموحها، تتمنى أن تجد من يُساعدها في تطوير مشروعها وحلمها الذي تجد شخصيتها فيه، وتشعر أنها تملك العالم كله.

 

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع