fbpx

البراد الخيري مبادرة أهلية لمساعدة المحتاجين في ريف دمشق

في الثالث من تشرين الأول 2019، كانت فتاة في الثانية عشر من عمرها تقف عند منتصف جسر الرئيس بدمشق، وتطلب مساعدة من أحد الشبان الجامعيين كي تسد جوعها، وعلى ما يبدو فإن الشاب كان لا يملك مالاً، أو تجاهل طلبها، وبلمح البصر رمت الطفلة نفسها من أعلى الجسر، وسقطت مضرجة بدمها.

كشفت هذه الحادثة عمق الجوع والفقر الذي وصل إليه كثير من السوريين، فكانت الشرارة التي ألهبت حماس الكثيرين من أبناء مدينة جرمانا ومجلس بلديتها، وفي 22 تشرين الأول كان موعد إطلاق مشروع البرّاد الخيري للمحتاجين والجوعى من سكان مدينة جرمانا التي يقطنها ما يزيد عن المليون نسمة من كل الطوائف والأعراق السورية، المشروع الذي أطلقت فكرته الأديبة عبير غالب نادر بعد أيام من حادثة جسر «الرئيس» المأساوية.

تقول الأديبة عبير نادر: “لأجل روحها ولأجل كل الجائعين، ولاسيما الذين يبحثون عن كسرة الخبز، قمت بهذه المبادرة على أمل أن تعمم، فالغلاء فاحش وكافر، وعلينا ألا نقف متفرجين، حيث كانت الفكرة أن أجمع ثمن برّاد فقط، ونزلت إلى الشوارع أبحث عن مكان لوضعه، فوجدت المكان وفاعل الخير الذي تبرع بالبرّاد”.

والبرّاد هو نفسه البرّاد الذي يقتنيه أصحاب المحال التجارية الكبيرة، ذو الواجهة الزجاجية المخصص للعرض، ويوضع فيه المشروبات والسلع، وقام بشرائه أحد المتبرعين بنصف مليون ليرة سورية، ووضع في الساحة الرئيسية بجرمانا حتى يكون بمتناول جميع الفقراء، ويحفظ الطعام والوجبات القابلة للعطب.

وأبدى رئيس مجلس المدينة موافقته الفورية على إشغال الرصيف، وتم تثبت البرّاد في ساحة السيوف، وقام المجلس بتفصيل قفص حديدي كي لا يتعرض البراد للأذى أو السرقة، وبتلك الخطوات المتسارعة تم توزيع 700 وجبة غذائية متنوعة كل يوم في أوقات محددة، وبإشراف ثمان متطوعات يقمن باستقبال التبرعات والوجبات الغذائية، ويضعنهن بعبوات بلاستيكية، ويغلفن الطعام بانتظار المحتاجين الذين توافدوا بالعشرات من كل أحياء المدينة.

وبحسب نادر، تأتي التبرعات المادية من قبل أهالي مدينة جرمانا، فيقوم المسؤولون عن المبادرة بشراء المعلبات من سردين وطون ومرتديلا، وشراء الخبز والبيض والمسبّحة واللبنة، وتأتي الوجبات الغذائية المتنوعة من المطاعم الكبرى، حيث يتبرع كل يوم خمس مطاعم بوجبات طعام لائقة وموضوعة بعلب بلاستيكية صحية، وتقوم المتطوعات بترتيب الوجبات بشكل متفاوت بين أسرة وأخرى حسب عدد أفرادها، وينظمن الدور، ويبدأن التوزيع من الساعة الواحدة بعد الظهر، حتى السادسة مساء.

اكتشف القائمين على المبادرة، أن الجوع قد نال من عائلات كثيرة يصعب معها تأمين متطلباتهم ببرّاد واحد، وهو ما دفعهم لكي يؤمنوا مبالغ إضافية لشراء برّادين جديدين، ووضعهما في مكانين إضافيين، للوصول إلى كل الفقراء في المدينة الكبيرة التي يقطنها عشرات الآلاف من النازحين والباحثين عن فرص العمل، ورفعوا شعارات (جرمانا خالية من الجوع)، و(إطعام جائع خير من بناء ألف جامع).

في جرمانا عدد كبير من النازحين والعائلات المقطوعة، ولدى السؤال عن آلية الوصول إلى الفقراء والمحتاجين، قالت صاحبة المبادرة عبير نادر: “الفقير المحتاج هو من يأتي إلينا، وكذلك عابر السبيل. لا يوجد تدقيق على الحالات، وهدفنا الوصول إلى الجميع لكي نطعمهم، ولا يمكن لغير الجائع أن يأتي إلى هنا”.

ويقول إبراهيم أحمد الحيدر المساهم في العمل والدعم: “إن المدينة التي استقبلت على مدى سنوات الأزمة مئات الآلاف من الناس، مرّت بحالة ركود اقتصادي خانق، وخاصة سوق العقارات الذي يحتل المركز الأول في العمل والاستثمار، وهو ما جعل مئات الأسر ترزح تحت خط الفقر، وخاصة النازحين الذين راحت بيوتهم وأرزاقهم خلال الصراع الوحشي الدائر إلى الآن”.

ويضيف: “قد لاحظ المجتمع المحلي قيام أطفال صغار في البحث عن الطعام بحاويات القمامة، وهذه الظاهرة المستفزة كانت أحد أهم الأسباب وراء البحث عن مبادرات لكي تقي الناس شر الجوع، وعندما طرحت مبادرة البرّاد الخيري لم يتردد أحد في دعمها، فما جرى للسوريين خلال هذه السنوات لا يمكن وصفه، ويجب على القادرين أن يأخذوا دورهم في ظل الترهل والفساد الحكومي المستشري بكل مفاصل الحياة”.

المبادرة التي تطعم كل يوم 700 عائلة، توسعت لتشمل الثياب والأحذية، حيث بدأت معالم الشتاء تظهر، وكثيرون بحاجة لما يستر أبدانهم، وبهذا كانت جرمانا سباقة في القضاء على الجوع، رغم الأعداد الهائلة التي تقطنها.

ووفقاً لمصدر في بلدية جرمانا لموقع أنا إنسان: “فإن عدد السكان الحالي قد تجاوز المليون نسمة، وتجاوزت عقود الإيجار الثلاثة عشر ألف عقد”، على الرغم من عودة مئات العائلات إلى دير الزور ودرعا، وهو ما يفسر أعداد الفقراء والمحتاجين الكثر الذين قبلوا أن يقفوا على الدور للحصول على لقمة عيش في وطن يأكل خيراته اللصوص.

ومع كل الكثافات السكانية إلا أن الحكومات السورية المتعاقبة لم تلحظ التغير الديموغرافي والسكاني الذي تجاوز عتبة المليون نسمة، وكل هذه الزيادات والكثافة لم تجد صدى لدي وزارة الإدارة المحلية التي تعتبر عدد سكان مدينة جرمانا هو 114363 ألف نسمة، وهذا الرقم يناهز عدد عدادات الاشتراك الكهربائي التي بلغ 113 ألف عداد بحسب وسائل الإعلام المحلية الموالية للنظام في العام 2017.

وتأتي المساعدات والهبات المالية من وزارة الإدارة المحلية إلى البلديات حسب عدد أفراد المدينة المسجلين في النفوس فقط، دون احتساب القاطنين فيها منذ سنوات، وفي حالة مدينة جرمانا، فإن المساعدات المالية، والميزانية السنوية تأتي لحوالي 115 ألف نسمة فقط لتطوير البنية التحتية من طرق وصرف صحي ونظافة ومياه وغيرها، وهناك أحياء كثيرة تعاني من اهتراء بنيتها التحتية، وانعدام النظافة، ومشاكل في الصرف الصحي والطرق.

وقد حاول المجلس المحلي السابق للمدينة رفع الرقم إلى 165 ألف نسمة، كي يستطيع الحصول على أموال إضافية من المعونات السنوية للبلديات، لكن الجهات الوصائية ترفض القبول به، ما يجعل الخدمات والبنية التحتية تتعرض للتهالك كل يوم، عدا قضايا البيئة والنظافة العامة والفوضى، والازدحام.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع