fbpx

آثار إدلب بين السرقة والتدمير والتهريب المنظم

المشاهدات: 210

 

نهى الحسن

 

 

لم يكن باسم الحايك (٤٣عاما) من بلدة خان السبل يتوقع أن يصبح ثريا بعد الفقر، وذلك عقب عثوره على أحد الكنوز القيمة في منطقة تل الحصن الأثري الموجود في ريف إدلب الجنوبي، حيث اتخذ الحايك وأولاده من مهنة التنقيب عن الآثار مهنة أساسية خلال المأساة السورية، مستغلا مع كثيرين ما تمر به البلاد من ظروف صعبة وفوضى فضلا عن غياب الرادع الأمني، فباتت المواقع الأثرية في إدلب وريفها مسرحا للتنقيب العشوائي غير المشروع خاصة وأنها من أكثر المناطق الغنية بالآثار في سوريا.

 

تحتل إدلب موقعا رياديا في سوريا بالنسبة لعدد المواقع الأثرية، ويبلغ عدد المواقع في المحافظة حوالي 760 موقعا أثريا تعود إلى حقب زمنية مختلفة وفيها  40 قرية أثرية تشكل 5 ماركات مسجلة على قائمة التراث العالمي وهي ما تسمى المدن المنسية أو المدن الميتة، ويوجد في المحافظة متحفان، الأول متحف معرة النعمان ويعتبر ثاني أكبر متحف فسيفساء في الشرق الأوسط، لاحتوائه على أكثر من 1200 متر مربع من لوحات الفسيفساء، إضافة لكونه مبنى تاريخي يعود للعهد العثماني، والمتحف الثاني هو متحف إدلب الذي تكمن أهميته في كونه يحتوي على الرقم المسمارية التي تم اكتشافها في إيبلا وعددها أكثر من 15000 رقم مسماري توثق تاريخ المنطقة قبل أكثر من 5000 سنة قبل الميلاد .

 

الباحث في علم الآثار سامر الشيخ يتحدث لأنا إنسان عن الانتهاكات التي حدثت بحق آثار إدلب وريفها قائلا:«لقد تعرضت الآثار العريقة للاتنهاكات المختلفة سواء عن طريق التنقيب العشوائي الذي يهدف للبحث عن الذهب، حيث يقوم المنقب فيه بتخريب كل شيء بغية الوصول إلى الذهب، أو من حيث سرقة الآثار وتهريبها إلى خارج البلاد، ولا يمكن توثيق حجم المسروقات من الآثار وإحصاءها بسبب حالة الفوضى التي تعم البلاد، فضلا عن طبيعة مهنة الآثار التي تحاط بالسرية، إلا أن حركة بيع الآثار السورية تنشط في تركيا عن طريق أشخاص يشكلون صلة وصل بين البائع والشاري».

 

ويضيف الشيخ بأن هناك العديد من الأبنية الأثرية كالكنائس، والمدافن، والقصور، والبيوت، والأسوار لم تسلم هي الأخرى من القصف الممنهج بمختلف أنواع الأسلحة من قبل قوات الأسد والطيران الروسي الذي طالت غاراته البشر والحجر في المنطقة، ومن أهم المواقع التي تعرضت للقصف والتدمير شبه الكامل: تل إيبلا الأثري، أفاميا، آثار البارة، متحف المعرة، وغيرها الكثير، خصوصاً أن العديد من الفصائل المسلحة أخذت من بعض هذه المواقع مقرات لها، دون مراعاة لحرمة هذه المناطق الأثرية.

 

ويتوجه الكثير من المنقبين بحسب الشيخ إلى هذا العمل نتيجة قلة فرص العمل وتفشي البطالة وطمعا بالثراء السريع، ومنهم معاذ السعيد( ٣٩عاما من قرية كفروما) يتوجه صباح كل يوم إلى المواقع الأثرية مصطحبا معه عدة الحفر، وفي كثير من الأحيان لايحالفه الحظ فقد يعمل لأيام وأحيانا لشهور دون فائدة، وفي بعض الأحيان يجد بعض العملات المعدنية فيبيعها لأحد التجار في المنطقة بأسعار زهيدة، ويستخدم السعيد في عمله جهازا خاصا كان قد استأجره من أحد المنقبين قي القرية كونه لايملك ثمن جهاز، إذ يستطيع هذا الجهاز كشف اللقى بعمق ٧٠-١٠٠سم في باطن الأرض، ويصدر هذا الجهاز أصواتا معينة يشير كل صوت إلى نوع من أنواع المعادن، إلا أن حال السعيد كحال الكثير من المنقبين الذين لم يوفقوا حتى الآن بلقى أثرية ذات قيمة، إلا أنه مصمم على مواصلة بحثه عله يوفق ذات يوم بلقى ثمينة، فهو يعاني من البطالة منذ أكثر من ٦ سنوات ولديه عائلة كبيرة ويحتاج الكثير من المال لسد احتياجاتها في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي تعيشها البلاد في الوقت الراهن.

 

أما زهير( ٣٥عاما) من قرية حيش كان يعمل صانعا في ورشة لتصليح السيارات، فتغيرت حياته وانقلبت إلى أحسن حال بعدما عثر على تمثال ذهبي في إحدى المواقع الأثرية القريبة من قريته، ليبيعها لأحد التجار في المنطقة بثمن باهظ لم يصرح عنه حتى الآن بحسب أحد أقاربه، وأصبح اليوم يمتلك العقاقير والأراضي والمحلات التجارية.

 

كما تحولت العديد من المواقع الأثرية تحت وطأة الحرب إلى مأوى للاجئين الذين فروا من نيران المعارك المشتعلة، حيث قامت بعض العائلات بتقطيع المباني الأثرية التي سلمت من الضرر إلى أكثر من غرفة وبناء جدران إسمنتية داخلها، وفتح أبواب ونوافذ بها ما أدى إلى تغيير شبه كامل في ملامح هذه الأوابد، وطمس معالمها الأثرية، فأبو صالح (٤٩عاما) الذي نزح مع عائلته من ريف حماة الشرقي قصد موقع شنشراح الأثري وقام بترميم مايمكن للسكن، يقول أبو صالح لأنا إنسان بغصة: «لم يعد أمامنا من خيار آخر بعدما اضررت للنزوح مع عائلتي سوى اللجوء إلى هذا الموقع الأثري لأحمي بجدرانه أطفالي من برد الشتاء وحر الصيف، على مبدأ أن البشر أفضل من الحجر، حيث قمت بإعادة بناء الجدران المدمرة وسقفتها بالشوادر والنايلون ، فنحن لا قدرة لنا على دفع إيجارات البيوت التي وصل آجار بعضها ل٣٠٠$شهريا».

 

ونتيجة لهذه الفوضى العارمة والانتهاكات المختلفة التي طالت الآثار في المنطقة ظهر في إدلب نشطاء متطوعون أخذوا على عاتقهم حماية الآثار والحفاظ عليها فقاموا بتأسيس مركز آثار إدلب الحرة. مؤسس المركز ومديره المختص بعلم الآثار أيمن النابو (٣٩عاما) تحدث لموقعنا عن أهداف المركز والصعوبات التي يعاني منها قائلا: «يهدف مركز آثار إدلب الذي تم تأسيسه في النصف الثاني من عام ٢٠١٢ إلى الحفاظ على الإرث الثقافي الموجود في إدلب من خلال القيام بأعمال الحماية والتوثيق والترميم، ويضم المركز عددا من الأكاديميين والمختصين بعلم الآثار بالإضافة لمهندسين وقانونيين».  

 

ويشير النابو إلى أن هناك العديد من الصعوبات والعوائق التي يواجهها عمل المركز، سواء من حيث ضعف الإمكانيات المادية التي تعيق توسيع كادر المركز بتوظيف المزيد من المراقبين والفنيين ،إضافة لعدم اعتراف المنظمات الدولية به، كما يعاني الفريق العامل قي إدلب وريفها أيضامن القصف المتواصل الذي يعيق عمله، إضافة لعدم وجود قوانين واضحة في المحاكم الشرعية المنتشرة في الشمال السوري تجرم الانتهاكات بحق الآثار، ويطالب النابو بمبادرة من أجل التشبيك مع الجهات المعنية كافة في المحافظة سواء كانت مجلس المحافظة أو الشرطة المجتمعية أو المحاكم من أجل إيجاد قواعد قانونية قابلة للتطبيق في المحاكم الشرعية تجرم الانتهاكات التي تقع على الممتلكات الثقافية من قبل المجتمع المدني سواء كانوا أفراد أو جماعات من أجل الحد من هذه الانتهاكات»، وينوه النابو أنه من الخطط المستقبلية لحماية التراث الثقافي إقامة دورات من أجل تأهيل الأكاديميين والخريجين الجدد في علم الآثار وتمكينهم من العمل الميداني بغية تهيئتهم للعمل في شتى مجالات الآثار في محافظة إدلب وفي الشمال بشكل عام.

 

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع