fbpx

«أطفال» بين مقاعد الدراسة وسلاح الكراهية

المشاهدات: 211

 

لا وجود لإحصائية دقيقة عن الأطفال الذين تحولوا بين ليلة وضحاها إلى مقاتلين ضد قوات النظام الأمني في سوريا، ولا يمكن معرفة عدد الذين راحوا ضحية المحرقة السورية، ومن قتلهم أو اعتقلهم بسهولة، فعلى الرغم من معرفة حجم المأساة، إلا أن التوثيق كان غائباً لصعوبة المهمة، وتشابك الأحداث، والتهجير والنزوح المستمر، لكن الأطفال في درعا لم يعودوا أطفالاً، وبات من نجا من الموت شاهداً على الواقع.

لم يكن يوم 27 شباط 2011 يوماً عادياً، إذ شهد اعتقال أجهزة الأمن السوريّة لــــ18 طالباً في مدينة درعا، وكانت الشرارة التي أشعلت ثورة في سوريا، إلا أن ردة فعل النظام العنيفة ومقابلة الحراك بالعنف كانت بداية المحرقة التي لم يسلم منها مئات آلاف الأطفال الذين كانوا وقوداً للحرب، وتحولوا خلال سنوات لمقاتلين أو نازحين أو مجبرين على العمل دون مراعاة لسنين طفولتهم بدلاً من أن يكونوا طلاباً على مقاعد المستقبل.

فالطفل مازن الذي كان شاهداً على اقتحام جيش النظام قريته في بداية الثورة السورية؛ وتنفيذه إعدامات ميدانية بحق المدنيين، سجلت ذاكرته تفاصيل مرعبة لهذا الاقتحام الذي اضطره وعدد من الشبان الناجين للفرار نحو مناطق أخرى خوفاً من الاعتقال، حيث كانت الاعتقالات لا تميز بين قاصر أو كبير.

مازن، وهو اسم مستعار؛ من ريف درعا، كان عمره حين اقتحم الجيش قريته 9 سنوات فقط، وقد التحق بعد أن تحول النشاط الثوري إلى الجانب العسكري بإحدى الفرق المقاتلة التي تحارب النظام السوري، وقد بدأ نشاطه الفعلي في سن 13 عندما كان يقوم بمراقبة الحواجز التابعة للنظام؛ لصغر سنه وسهولة حركته في مراقبة النقاط التي كان يتم استهدافها، لكنه مع مرور الوقت شارك في المعارك، وقتل العديد من قوات النظام. وأكد لــــــموقع أنا إنسان قيامه بإعدام عنصر برتبة عريف في الجيش كان مشاركاً في اقتحام قريته؛ عندما وقع اسيراً في احد المعارك، إذ تعرف عليه فوراً، وقام بتصفيته أمام الجميع انتقاماً لأبناء قريته، واليوم تجاوز مازن الثامنة عشرة من عمره، وقد انتقل إلى إدلب، ورفض المصالحة، ويشارك في المعارك الدائرة هناك ضد جيش النظام وحلفاءه، وعند سؤاله عما فعله يؤكد مازن بالقول: «إذا عاد الزمن بي للوراء؛ سأعود للبحث مرة أخرى عن كل من شارك في اقتحام قريتي، واقتل كل عنصر منهم دون رحمة أو شفقة».

في قرية مازن وتحديداً في منطقته التي يطلق عليها «مناطق المصالحات» يوجد العديد من الأطفال الذين مازالوا دون الثامنة عشر من عمرهم شاركوا في المعارك وحملوا السلاح، ومنهم من قتل وحارب بشكل فعلي ضمن مجموعات أو تشكيلات عسكرية، ومنهم أحمد (16 عاماً) شارك في عدة معارك؛ واقتحام حواجز عسكرية، وكان مقاتلاً نظامياً في أحد التشكيلات العسكرية، مازال في منطقته، ورفض الخروج نحو إدلب حيث تحدث عن قصته، وكيف شارك في حمل السلاح، فقال: «أنا من اسرة  اغلب افرداها بين معتقل وشهيد، وحمل السلاح كان خياري الوحيد للانتقام مما حدث. رأيت الفظاعات بحق أبناء مدينتي. بعض الأطفال حملوا السلاح من باب المفاخرة والتظاهر، لكن بالنسبة لي كان ومازال رغم المصالحة هدفي الأول والأخير هو الانتقام، لأن المجرم مازال حياً».

قضية حمل الأطفال للسلاح هي من أخطر القضايا المنتشرة في المناطق التي درات بها معارك في سورية، والخطر الحقيقي يكمن في إمكانية إعادة تأهيلهم، وإمكانية دمجهم من جديد في المجتمع، وهذا الجانب غير متوفر حالياً، بل أنه معدوم تماماً وقابل للمزيد من العنف، وخاصة أن مناطق المصالحات تعاني من وضع أمني غير مستقر، ومداهمات لقوات النظام، وبالتالي عودة العنف مجدداً بشكل قد يكون أكثر عنفاً وقسوة، حيث لا حلول حقيقة تضمن سلامة هؤلاء الأطفال أو علاج نفسي يساعدهم على الخروج من عالم العنف والقتل؛ بل واقع يزج بهم نحو المزيد من الحقد والكراهية والإصرار على الانتقام.

هنرييتا فور المديرة التنفيذية لليونيسف زارت محافظة درعا نهاية العام الماضي حيث يسكن نحو مليون شخص. وأكدت أن مستويات النزوح في المحافظة عالية، مما يشكل ضغطاً إضافياً على الخدمات المحدودة، وقالت إن من بين نحو 1000 مدرسة في المحافظة، نصفها على الأقل تحتاج إلى إعادة التأهيل، كما تكتظ الفصول الدراسية بالأطفال، وبسبب انقطاع عدد من الأطفال عن التعلم بسبب الحرب يمكن أن يتفاوت عمر طلاب الصف الأول من 6 إلى 17 عاماً، ولا يزال العديد من الطلاب منقطعين عن الدراسة، وأضافت: «إن المدارس هي المكان الذي يبدأ فيه زرع بذور التماسك الاجتماعي، لذا نحن بحاجة إلى تعليم جيد يجعل الأطفال يرغبون في الذهاب إلى المدرسة والبقاء فيها».

وقد دعت اليونيسف إلى حماية الأطفال في جميع أنحاء سوريا، وإلى تركيز الجهود من أجل إعادة خياطة النسيج الاجتماعي الذي مزقته سنوات من القتال، لكن ذلك ليس كاف في ظل انعدام الرؤيا والحرب المشتعلة في الشمال، والجمر الذي يلتهب في أكثر من بقعة في سوريا، وخاصة في الجنوب الذي أخمد صوته بالقنابل والطائرات.

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع