الأم: شجاعة

المشاهدات: 354

ثائر الزعزوع 

بعد أن فقدت ولديها بطريقتين مختلفتين الأول قضى بسبب قصف طائرات النظام السوري على قرية السكرية القريبة من مدينة البوكمال منتصف العام 2013، وأما الثاني فقد أعدمه تنظيم داعش لأنه كان أحد مقاتلي الجيش الحر الذين قاوموا دخول التنظيم إلى المدينة، وجدت « شجاعة » نفسها مسؤولة عن سبعة أطفال وزوجتي ابنيها، دون أن يكون لديها ما تعيل به هذه الأسرة الكبيرة، وخاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي بدأت بالتقهقر شيئاً فشيئاً، ولأنها رفضت أن تتلقى مساعدات الآخرين التي كانت تقول إنها تعطى للعاجزين أما أنا فلست عاجزة، وسأعمل…

استطاعت بعد وقت يسير أن تؤمن عملاً في أحد الحقول، كانت تنهض من نومها في الخامسة صباحاً وتحمل زوادتها بعد أن توصي كنتيها بالتزام البيت، لأن « الدواعش الأنجاس » كما تصفهم لا يتركون أحداً من شرهم، أجرها الزهيد كانت لا تستطيع من خلاله تأمين ما تحتاجه الأفواه الجائعة من طعام، لذلك فكان لا بد من حل إضافي، فكرت مطولاً قبل أن تقرر تحويل منزلها إلى مخبز صغير تعمل فيه مع كنتيها، تعد الخبز وتبيعه للناس وخاصة بعد أن قامت قوات النظام بقصف المخبز الآلي في المنطقة، كانت تشتري الطحين وتعجنه وتخبزه وقد قامت ببناء تنورين إضافيين في منزلها لأن التنور الصغير لم يعد كافياً بسبب زيادة الطلب، وفيما كان الأطفال يكبرون من حولها، كانت علامات التعب قد بدأت تظهر عليها وهي السبعينية التي أثقل ظهرها حملها الثقيل، أنا امرأة مسكينة تقول، عشت مع زوج مريض سنوات طويلة كان يعمل شهراً ويمرض شهراً، وحين بدأ الولدان يعملان وبدأت أرتاح قليلاً خطفهما الموت مني سريعاً، لكن الحمد لله أنهما تركا لي أولادهما، صحيح أن هذه الأفواه تحتاج لمن يطعمها، ولمن يشتري لها اللباس، لكن لا بأس، سأظل أعمل حتى لا يجوعوا ولا يبردوا…

مرت سنة على عملها، كانت أحوالهم تتحسن شيئاً فشيئاً، لكن « شجاعة » ليس مقدراً لها أن ترتاح على ما يبدو، فقد دمر صاروخ أطلقته إحدى الطائرات نصف منزلها، ولنقل إنه دمر مصدر رزقها فلقد هطل ذلك الصاروخ على مخبزها الصغير، ولم يبق منه شيئاً، احترق قلبها وهي ترى عملها يتطاير، لكنها كانت مرتاحة أن أحداً من أطفالها الصغار لم يتعرض للأذى، كانوا يغطون في نومهم في الجانب الآخر من البيت، اكتفت بما تبقى وقررت أن تبدأ من جديد، لكن الأوضاع كانت تزداد صعوبة فما كان سهلاً عمله قبل سنة صار شبه مستحيل اليوم، عادت لتحمل معولها وتعمل أجيرة في الحقول، تهوي بمعولها على الأرض أكثر من عشر ساعات كل يوم، حين تعود مساء يكون ظهرها قد تصلب ولم تعد قادرة على الحراك لكنها تنهض صباح اليوم التالي بهمة عالية، تحاول أن ترمم البيت لكن دون جدوى…

لكن الحياة تستمر، الأطفال يكبرون، ابن أسعد ولدها الأكبر صار في التاسعة من عمره، ترى فيه وجه أبيه، تضمه وتنسى تعبها، يحيط بها الصغار مساء لتطعمهم بيديها، فيما الكنتان تطوفان حولها، تحاول كل منهما أن تفعل شيئاً… تقول: أعلم أنهما جناحان مكسوران، مسكينتان لا تستطيعان عمل شيء، لا تريدان الزواج بعد زوجيهما، تريدان حماية أطفالهما، تعلمان بأنهما قد تستيقظان ذات صباح لتجداني جثة هامدة، أنا عجوز هرمة…

اشتد القصف، طائرات تلقي حممها دون هدف، كل يوم ثمة ضحايا جدد،  بدأ الناس ينزحون فرادى وجماعات، لم يعد ثمة مكان آمن، خلت البيوت المحيطة بها، وهي محتارة ماذا يمكن أن تفعل، ترى الخوف في عيون صغارها وأميهما، في ذلك الصباح حين سقط صاروخ قريباً من البيت شعرت أنها إشارة، وأن عليها أن تحسم أمرها، حزموا الأشياء القليلة التي يملكونها وساروا مع السائرين، كانت تتقدمهم بظهرها الذي لا يعرف الانحناء، ساروا يومين كانوا يلوذون من الطائرات في ظل شجرة هنا، أو بيت مهدم هناك… أقلتهم شاحنة حتى أوصلتهم إلى أحد الحواجز، سألها رجل الحاجز أين تذهبين يا عجوز قالت وهي لا تنظر إلى وجهه… بلاد الله واسعة…

لكن بلاد الله كانت تضيق في وجه « شجاعة » ناموا في العراء أياماً، وأكلوا ما يجود به المحسنون أياماً، كانت تشعر بالمرارة مع كل لقمة تمضغها، هي التي رفضت أن تمد لها يد المساعدة فيما مضى، هي الآن تدوس على كرامتها وتقبل مستسلمة، فهي لم تعد تملك المال، بعد شهر من الترحل والتنقل وصلوا أخيراً إلى مدينة الحسكة، هناك حيث لا تعرف أحداً، لكنها تلتقي بين المتجمعين في إحدى الساحات أحد أقاربها، لا تسأله أن يساعدها، لكنها تطلب منها أن يؤمن لها عملاً، يضحك الرجل يا « شجاعة » وهل أنت قادرة على العمل؟

بعد يومين بدأت « شجاعة » عملاً جديداً… هي اليوم تعمل وتسكن مع عائلتها الكبيرة في مزرعة للأبقار… أجرها زهيد، لكنها تشعر أنها بخير، تقول سأظل أعمل ما دمت أتنفس، الحياة تستمر، الأطفال يكبرون، و « شجاعة » لم ينحن ظهرها بعد

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع