fbpx
أخبار

الثروة المهدورة .. كيف تدار عمليات تهريب الأغنام في سوريا؟

براتب شهر كامل يمكن لمتوسط الدخل في سوريا الحصول على أربعة كيلو غرامات من لحم الخراف فقط، حيث ورغم انخفاض قدرة المواطنين الشرائية في عموم البلاد وانخفاض الطلب إلا أن أسعار اللحوم الحمراء تتخذ منحى تصاعديا متواصلا منذ سنوات، لأسباب عديدة أبرزها التهريب الذي بات يهدد باستنزاف وفقدان الثروة الحيوانية على المدى القريب.
ورغم منع حكومة النظام والإدارات المحلية في الشمال السوري و”الإدارة الذاتية” لقسد منذ مدة طويلة تهريب الأغنام من مناطق سيطرة كل منها إلى الخارج، لمنع ارتفاع الأسعار بشكل أكبر، إلا أنّ هذه الاجراءات بقيت حبرا على ورق مع استمرار عمليات التهريب إلى دول الجوار.

وتساعد عدة معطيات في استمرار عمليات التهريب أبرزها قلة الطلب على اللحوم الحمراء في سوريا، وارتفاع أسعارها في دول الجوار مقارنة بسوريا، وارتفاع أسعار العلف، ورغبة المربين بتحقيق الأرباح.
وخلال جولة لموقع “انا انسان” على الأسواق بلغ سعر كيلو لحم الخاروف “الهبرة” في العاصمة دمشق بين 9500 و1000 آلاف ليرة، بينما بلغ سعر الكيلو في إدلب 8000 ليرة ، وفي مناطق سيطرة” الإدارة الذاتية الكردية” يتراوح بين 6000 و7000 للكيلو الواحدة.
ويرجع أبو أيمن وهو لحام في مدينة إدلب سبب اختلاف الأسعار بين منطقة وأخرى إلى حجم الثروة الحيوانية في كل منطقة ومقدار الطلب عليها وحجم الاجراءات المتبعة لمنع عمليات التهريب، مشيرا في الوقت ذاته أن أسعار اللحوم أصبحت كالبورصة كل يوم سعر جديد.

أرقام واحصاءات:
في تشرين الأول الماضي قدّر رئيس الجمعية الحرفية للّحامين بدمشق إدمون قطيش حجم تهريب الأغنام من سورية إلى دول الجوار بما يقارب 3000 رأس من الخراف العواس يومياً.
ونقلت صحيفة “الوطن” المقربة من النظام، الاثنين 10 شباط، عن قطيش قوله، إن” الفارق السعري للأغنام بين السوق المحلية وأسواق الدول المجاورة، خاصة في لبنان، كان سببًا في عملية التهريب”.
من جانب آخر ذكرت وكالة “يكيتي الكردية” نقلا عن مصدر مطلع في” الإدارة الذاتية” قوله إن عملية تهريب المواشي من المناطق التي تقع تحت سيطرة “قسد” لم تتوقّف، رغم القرار الذي أُصدِرته الإدارة بتاريخ ١٦/١/٢٠١٩ القاضي بمنع تصدير او تهريب المواشي.

أما في مدينة الباب بريف حلب الشمالي فتؤكد مصادر محلية خاصة لموقع” أنا انسان” (فضلت عدم ذكرها لدواع أمنية) أن عمليات تهريب المواشي لا تزال نشطة يوميا، رغم قرار اللجنة الاقتصادية في المنطقة بمنع تهريب المواشي إلى خارج المنطقة.
واشارت المصادر أن أعداد المواشي المهربة تختلف يوميا لكنها قدرت في الوقت ذاته العديد بين 50 إلى 100 رأس حيث تتم عمليات تهريب بتغطية من متعاملين في “الجيش الوطني السوري” مع مجموعات التهريب.

كيف تحصل عمليات التهريب؟
تنشط عمليات التهريب في كافة المناطق الحدودية في أنحاد البلاد إلى دول الجوار حيث تتم عمليات التهريب للأغنام من مناطق النظام إلى لبنان والعراق والأردن، فيما يعمد المهربون في مناطق سيطرة فصائل المعارضة إلى تهريبها إلى مناطق النظام للاستفادة من فرق الأسعار، بينما تتم عمليات التهريب من مناطق سيطرة “الإدارة الذاتية” إلى إقليم كردستان بالعراق بشكل أوسع.
يقول أحمد غنيم (اسم مستعار لضرورة أمنية) وهو تاجر مواشي من ريف حلب لموقع “أنا انسان” إن تهريب المواشي لا يتم إلا من خلال الاتفاق مع القوى العسكرية المختلفة التي تسيطر على الأرض في المنطقة، مضيفا أنه من الصعب تلافي مناطق التماس دون الحصول على ضوء أخضر.
ويشرح غنيم حديثه بالقول :” هناك سماسرة معروفون يأتون بين الحين إلى سوق المواشي في مدينة الباب يشترون من المربين، وتنقل هذه الرؤوس عبر مهربين ليلا عبر سيارات شحن من قرية السكرية الكبيرة في مناطق المعارضة إلى قرية مخزوم التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية”.

ويؤكد تاجر المواشي أن عملية التهريب تتم لقاء رشاوى مالية تبلغ 10 دولار عن كل رأس غنم، تقدم إلى مسؤولي بعض فصائل “المعارضة” التي تُدير الحواجز العسكرية، ومن أبرزهم “فرقة الحمزة”.
وأضاف غنيم الذي يعمل في هذه المهنة منذ سنوات عديدة :” تعتبر مناطق الإدارة الذاتية هي محطة فقط حيث تنشط من هناك أيضا عمليات تهريب للمواشي ويتم نقلها عبر معبر سيمالكا الحدودي أو عبر قرى حدودية ومنافذ غير شرعية إلى إقليم كردستان، هذه العمليات تجري بشكل شبه يومي ولا تخفى على أحد”.

على الجانب الآخر تتم معظم عمليات التهريب من مناطق سيطرة قوات النظام إلى لبنان والعراق عبر منافذ وطرق متعددة.
ويعتبر سوق الملاحة القريب من بلدة الفرقلس بريف حمص نقطة تجمع رئيسية لتهريب الأغنام القادمة من مختلف مناطق سيطرة النظام، بحسب ما يؤكده مربي أغنام في مدينة الرستن تواصل معه موقع “أنا انسان” وفضل إعطاء المعلومات دون ذكر اسمه.
وأضاف المصدر أن طرق التهريب تتم عبر سماسرة يشترون الأغنام ويقومون بتجميعها في نقاط قرب الحدود ثم ينقلونها عبر الحدود مشياً، أو ضمن سيّارات تحظى بتغطية بعض عناصر الجمارك.

 

لماذا ينشط التهريب؟
يعزو مربو الأغنام سبب نشاط عمليات التهريب إلى عدة عوامل أبرزها ارتفاع أسعار العلف وانخفاض قيمة العملة السورية، وتراجع الطلب المحلي مقابل غلاء أسعار الأغنام في دول مجاورة.
ويباع رأس الغنم في دول الجوار بثلاثة أضعاف سعره في سورية حيث يصل سعر الخروف إلى 250 دولار أمريكي، في الأردن، ولبنان، والعراق، فيما لا يتجاوز سعره في سورية وحسب وزنه أكثر، من 100 ألف ليرة سورية.

يؤكد ماجد أيوب وهو مربي أغنام في ريف حماه في حديثه لموقع “أنا انسان” أن مربي الأغنام ورغم ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء في السوق المحلية إلا أنهم غير سعيدين بالوضع الحالي، نتيجة تراجع الطلب مضيفا في الوقت ذاته أن المربين “مضطرون لبيع ماشيتهم للمهربين لأنهم سوق سيتحملون مصاريف إضافية”.
ويوضح أيوب حديثه بالقول: “ارتفاع أسعار الأعلاف، والأدوية البيطرية، وغياب الدعم وانتشار عمليات النهب والسرقة وغياب المراعي جميعها عوامل أدت لتدهور أعداد الثروة الحيوانية ودفعت المربين للبحث عن أفضل الخيارات”.

من جانبه عزا خالد زيدان وهو قصاب سابق في مدينة جسر الشغور سبب نشاط عمليات التهريب إلى الضعف الكبير على المادة نتيجة ارتفاع أسعارها وتراجع القدرة الشرائية للأهالي.
وأضاف القصاب: “معظم محلات بيع اللحوم الحمراء في المنطقة أغلقت أو تحولت لبيع لحوم أخرى مثل الديك الرومي أو الدجاج، كنا سابقا نبيع خاروف كامل كل يوم، أما في الوقت الحالي فإن الخروف الواحد يبقى عندنا أسبوع، الأهالي يشترون بالغرامات، اللحوم هنا أصبحت من الكماليات”.

ما هي الخسائر:
بحسب إحصاءات وزارة الزراعة والثروة الحيوانية التابعة للنظام في العام 2012 بلغ عدد الأغنام نحو 18.8 مليون رأس، بينما تراجع هذا العدد إلى 13.5 مليون رأس بحسب أرقام الوزارة ذاتها في العام 2015.
وتبرز خطورة استمرار عمليات التهريب بحسب المهندس الزراعي أيمن زينو في فقدان أنثى الخراف المرغوبة بشدة في دول الجوار، ما يهدد “بفقدان النوع وخسارة كبيرة في الثروة الحيوانية في البلاد وعدم تجددها”.
ويرى زينو المقيم حاليا في ريف إدلب أن أعداد قطيع الأغنام أقل بكثير مما تعلنه وزارة الزراعة لاسيما مع فقدان مساحات واسعة من المراعي خلال العمليات العسكرية في البادية السوري وريف حماه.

وحذر الخبير في حديثه الخاص لموقع “أنا انسان” من خطورة جزء أساسي من الأمن الغذائي السوري في حال استمرار عمليات التهريب وتجاهل القوى المسيطرة على الأرض في كافة المناطق.
وفي ختام حديثه أكد زينو أنه “لاحل أمني لمشكلة التهريب”، وإنما بتوفير البيئة المناسبة لعمل رعاة الأغنام وخفض أسعار العلف ودعم المنتج المحلي والتوقف عن عمليات التصدير.

وكان المستشار الفني في “اتحاد غرف الزراعة السورية” عبد الرحمن قرنفلة أقر في العام 2015 في تصريح لموقع “الاقتصاد” السوري أن متوسط ما يتناوله الفرد في الدول المتقدمة من إجمالي اللحوم نحو 121 كغ في أستراليا و117 كغ في أميركا و102 في الأرجنتين و87كغ في الكويت، بينما لم يتعدى نصيب الفرد السوري من إجمالي ما يتناوله من اللحوم 21كغ عام 2011 متراجعاً عن 24كغ عام 2008.

حسام الجبلاوي

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع