fbpx

السجن والزواج الإجباري خيارات الأرامل المر

المشاهدات: 3429

 

 

«لقد كان ظلمُ مجتمعِنا لنا أكبرَ من ظلم قتل أزواجنا، إذ نعتبر هؤلاء قتلةً بالأصل وأعداء للشعب السوري بالمجمل، أما ظلمُ ذوي القربى فأشدُ مضاضةً وخاصة تلك النظرة إلى الأرملة على أنها قاصر يسهل النيلُ من عرضِها، ويشعرونها بالذنب بما حل بها».

بهذه الكلمات لخصت نجلاء الحسن حالها كأرملة مع ثلاثة أطفال بعد استشهاد زوجها في مجزرة الحولة الشهيرة.

إلا أن لسان حال المجتمع لا يكتفي بالإشارة إلى ما حصل، إنما يتعدى الموضوع إلى أفعال إجبارية على المرأة الخضوع لها دون نقاش، حيث تعامل والدها معها على أنها «عارٌ يجب التخلصُ منه بأسرعِ وقت إما بالسجنِ والإقامةِ الجبريةِ في المنزل أو بتزويجي من أولِ خاطبٍ يتقدمُ لي مهما كانت مواصفاته وعمره».

اختارت نجلاء الزواج، لكن من شخص متزوج حيث «قررت القبول بالزواج من شخص كنت أرى فيه خيراً ومخلّصاً من الجحيم الذي أعيشه كل يوم حتى لو كانت النتيجة حرماني من أطفالي إذ إن أهل زوجي اشترطوا علي التنازل عنهم في حال قررت الزواجَ، وافقت على ذلك الشخص عندما أرسل لي يريد استشارتي قبل القدوم إلى أهلي لتتم خطبتي بشكل رسمي كما جرت العادة»، ورغم صعوبة القرار لأن من أبرز تبعاته التخلي عن حضانة أطفالها لصالح أهل الزوج، إلا أنها حاولت إقناع نفسها بأنه الأفضل، لكن الرياح لم تجر كما تشتهي، وكانت الكارثة عندما علمت زوجتُه الأولى بذلك «وسبقته إلى منزل أهلي تؤلف القصص والحكايات المشينة بحقي مما أثار ذلك في نفس والدي الشعور بمس شرفه لينهال حينها عليّ ضرباً مبرحاً تسبب لي بجروحٍ وكدماتٍ وحالةٍ نفسيةٍ تعيسةٍ تلازمني بشكل دائم وخاصةً بعد خسارتي لأطفالي بسبب هذه الحادثة لخوف أهل زوجي على سمعة الأطفال مني».

هذه القصة لم تقتصر فقط على امرأة بذاتها أو منطقة محددة وإنما هي ظاهرةٌ اجتماعيةٌ أليمةٌ تفتك بالنساء السوريات اللاتي يعانين من آلام الحرب في كل يوم أكثر من سابقه، وهذا ما تؤكده رائدة (اسم مستعار) الموظفة في مركزِ تنظيمِ الأسرةِ في الحولة، قبل أن يسيطر نظام الأسد على منطقة الحولة ويلغي كافة نشاطاتِ المركز، إذ تقول «مثل هذه القصص كان يتم احتوائُها نسبياً إذ يتم تقديمُ كفالات لليتامى، وتأمين أعمال منزلية لأمهاتهم تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم، دون اللجوء إلى أهلهم الذين يرون فيهم عالةً».

في  جعبة رائدة العديد من القصص، كقصة غادة ابنة الثلاثين عامًا والتي تزوجت قبل اثنى عشر عاماً، وكان زوجها يعمل قبل الثورة في بيروت ليؤمن مصاريفَ العائلة، ولكنه صار عاطلاً عن العمل بسبب إصابته بنوبات صرع، وبعدها بعدة أشهر قُتل برصاص نظام الأسد، وزاد من معاناة العائلة الحصار المفروض على المنطقة مما اضطر المرأة للعمل في الزراعة بأجر زهيد لا يسد رمقهم بعد طرد سلفها لها ولأولادها من المنزل وتخلي أهلِها عنها.

الأمر نفسه تقريباً تكرر مع مريم التي قُتل زوجُها في معاركَ «حربنفسه» وترك لها ثلاثة أطفال يتامى، ولأنها غيرُ مؤهلةٍ علمياً، اضطرت للبقاء في بيت أهل زوجها لرفض أهلها استقبالَها في مسقط رأسها، وعدم رغبتهم في تربية أبناءِ رجلٍ غريب -من وجهة نظرهم- فرضخت للعيش في كنف حماتها الظالمة، لتعمل في حصاد المزروعات ورعاية الأبقار في مزرعة خاصة بمرتب قليل، إضافةً إلى تحملها للضرب والإهانة المستمرة من إخوة زوجها المتوفى، فيما اضطرت رقية (29 عاماً) للسكن في منزل أهل زوجها وفرض عليها الزواج بشقيق زوجها (تمت تصفية الزوج في سجن حمص المركزي) بعد انقضاء عدتِها الشرعية.

بعض النساء لم تحتمل الضغوطات وفقدت بعضهن الأمل مما تسبب بحصول حالات انتحار، منها «حالتا تسمم عن عمد أدت لوفاة في العام المنصرم، وأخرى لفتاة عزباء استشهد خطيبها فسممت نفسها بعد محاولة أهلها إجبارها على الزواج بآخر، ورغم محاولات العديد من المنظمات المدنية توجيه المجتمع للطريق الصحيح بهذه المسائل، والعمل على كثير من حملات التوعية إلا إنها لم تؤتِ أكلَها بالشكل المطلوب»، تقول رائدة.

بحسب إحصائية لمخاتير منطقة الحولة بريف حمص التي تنقسم إلى أربعة قرى «تل ذهب، كفرلاها، تلدو، الطيبة» فقدت أكثر من تسعمائة امرأة أزواجهن بين شهيد قضى على يد عصابات الأسد ومعتقل تَغَيب في السجون القسرية دون أدنى معلومة عنهم، وبقيت أغلبهن دون كفيل لأطفالهن عرضةً لكافة أنواع الابتزاز من أجل تحصيل لقمة العيش التي تسد رمق أطفالهن.

إن هذه الأحداث تفضح وحشيةَ المجتمع الذي يعاقب من لا ذنب له بما حلّ به من ألم وتجعلنا عاجزين عن تخيل كمّ الجاهلية التي لا تزال مسيطرةً على قلوب هذه المجتمعات، والتمسك بالعادات التقليدية الظالمة والمجحفة التي عزز وجودها نظام البعث طيلة سنوات حكمه، وتكشف مدى تقصيرنا إعلامياً وتعليمياً ودعوياً عن وضع حد جذري لهذه الظواهر التي تتسبب بدمار عاطفي وقمع عنيف لحرية المرأة وكرامتها لدرجة أن إحدى النساء اللاتي ذكرت قصصهن بشكل مختصر باتت ترجو مني عدم ذكر اسمها خوفاً من الضرب أو ربما القتل بقضية الشرف والتكلم مع صحفي مما يمس من سمعة العائلة.

 

أمير القاسم

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع