fbpx
الحرب

الشعب الضاحك في وجه الحرب

علي الجندي 

غوينبلين هو طفل إنكليزي تعرض لعملية تشويه في وجهه لتغيير ملامحه خلال الحرب ولخطأ جراحي يصبح صاحب الوجه الأكثر اضحاكا في العالم.

غوينبلين الذي يتراجع خاطفيه عن فكرة قتله فيلقوه في ليلة عاصفة على ساحل بورتلاند المهجور يلتقي قبل هلاكه بأورسوس الرجل الذي يرعاه ويصطحبه في رحلة تشرد ليصبح خلال 20 عاما المهرج الأكثر شهرة في العالم بسبب وجهه المضحك. يواجه غوينبلين الطفل والشاب آلام الفقر والتشرد والجوع والغربة بضحكة صنعها خاطفيه، ويظهر وجها يضحك الآلاف في المسرح رغم عذاباته، فرغم ما عاناه غوينبلين ” الرجل الضاحك” إلا أن فيكتور هوغو أراد أن يظهر ماذا يختبئ وراء وجه شعب يعاني كافة ضروب الحاجة والآلام والحرمان، وكيف أجبر شعب انكلترا على الرضوخ ومقاومة الظلم والمآسي بوجه ضاحك، الآن بعد 200 عاما على وفاة غوينبلين، تعاد ضحكته لكن لدى السوريين لدى شعب المخيمات والملاجئ والدمار والقتل، هي ابتسامة السوريين في وجه الحرب. ففي مخيمات اللاجئين السوريين ترى ضحكة غوينبلين في وجوه الأطفال ترى مسرح غوينبلين في حديث نساء وشيوخ، عندما يروون مآسيهم بضحكة تعكس مقاومة آفات الحرب.

في حديث ابو محمد وابنته فاطمة ابتسامة تخجل مصور الكاميرا أثناء حديثهم عن فقدانهم 30 شخصا من عائلتهم وهم لا يزالون يأملون بلقائهم، 30 شخصا اختفوا في ليلة واحدة ما كشف أمرهم أثناء هربهم من الحصار هو بكاء الأطفال من البرد والجوع فما كان إلا أن تم إطلاق النار عليهم فتشت جمعهم فمنهم من قتل ومنهم من فقد، ابو محمد وابنته فاطمة وحدهم من نجو، لكن ابو محمد يصر على أن الجميع أحياء وسوف يلتقون، يتحدث عن ذلك بابتسامة وثقة بلقاء أولاده. انا ايضا غوينبلين انا ايضا رجل ضاحك آخر في وجه الحرب، أذكر كيف كنا في الباص بإحدى ضواحي دمشق وكل من يحيط بنا من حاملي السلاح يطلقون النار على الباص أذكر كيف نجا يومها 14 شخصا ومن بينهم انا، يومها كان الكل ينظر للآخر ويضحك من تعابير الخوف في وجهه. أذكر أيضا قول شيخ في حارتنا “هل الحرب حلوة لولا القتل، كل يوم صار في شي جديد بحياتنا”. أذكر قول أحد الصحفيين الأجانب لم يكن يشغلني اجراء المقابلة مع بعض السوريين بقدر ما كانت تحيرنني ابتسامتهم أثناء الحديث عن الحرب. يتابع فيكتور هوغو في روايته عن غوينبلين فيسرد كيف اكتشف لوردات انكلترا بأن غوينبلين هو الابن الشرعي للورد لينيوس كلانشارلي، فيتم تنصبيه وتوريثه أملاك أبيه من اقطاعيات وقصور وعبيد إلا أن غوينبلين يرفض السلطة ويشارع الملوك في خطاب تنصيبه، لكن بسبب وجهه يصبح خطاب تنصيبه سيركا، ليقول لهم أنا البؤس الذي يأتي من أعماق الشعب لقد اتيتم لاحذركم لكي أفضح سعادتكم أنها مصنوعة من شقاء الشعب وهذه الضحكة على وجهي انتم من وضعتموها علي، أنها جريمتكم، أن المتضور جوعا يضحك والمتسول يضحك وسجين الأشغال الشاقة يضحك والعاهرة تضحك واليتيم من أجل لقمة عيشه يضحك والجندي يضحك، فصنعتم هذا الضحكة على وجوه شعبكم بحيث تتحول كافة ضروب الهلاك وكل ألوان الفاقة والكوارث وكل ضروب الألم المبرح إلى تكشيرة فرح مرعبة، لكن هذا الضحك يعبر عن الأسى الشامل هذا الضحك يعني الكراهية لكم، والصمت القهري والغضب والقنوط هذا الضحك نتاج لضروب التعذيب والاكراه. أيها السادة أني أقول لكم إن هذا الشعب هو أنا الذي تضطهدونه وتسخرون منه، لكن المستقبل هو ذوبان الثلج القاتم وما كان جامدا سيغدوا سيلا سوف يأتي يوم يحطم فيها انتفاض معين اضطهادكم ويرد فيها زئير على صيحاتكم الهازئة. احذروا من التجمهر الأليم الذي تسحقونه اخفضوا عيونكم في النظر إلى اقدامكم لأن الحشود تحتضر والادنى أثناء موته يجعل الأعلى يموت. أنقذوا الآخرين إن هلاك السفينة ليس أمرا عديم الأهمية بالنسبة لأي مسافر ليس هناك غرق لهؤلاء من دون أن يكون هناك ابتلاع للجميع، أن الإعصار يبتلع الجميع. من منا نحنا السوريين لديه القوة ليقول قول غوينبلين أمام العالم، هل لمصاب حرب أو مشوه أو مقعد أو أرملة القوة ليقول ذلك امام مجلس لوردات، ربما الأطفال يقولونه إذ لا خوف يلجم صدقهم.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع