fbpx
أخبار
صورة من موقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي العمل في تركيا

العامل السوري في تركيا … عمل مضاعف ورواتب لاتكفي إيجار المنزل

منذ قدوم محمد (32 عاماً) إلى مدينة غازي عنتاب جنوب تركيا، اختلفت الحياة عليه بصورة كبيرة، إذ ازدادت عليه فترة العمل عما تلك التي في سوريا، عندما كان موظفاً في شركة إنشاءات بثمان ساعات دوام يومياً.

اليوم وصلت ساعات دوامه إلى 11 ساعة، يضاف لها ساعة مواصلات من وإلى العمل، حيث يقول محمد: “ورغم ذلك الراتب لا يكفي سوى إيجار منزلي وفواتير مختلفة، لذلك كان لابد من عمل زوجتي حتى تتعدّل كفة الميزان ويصبح بإمكاننا تغطية تكاليف المعيشة”.

خلافاً لما كان في سوريا، يحدد نظام العمل في تركيا 45 ساعة عمل كحد أقصى، في كل المؤسسات والشركات العامة والخاصة، مع إمكانية زيادة ساعات الدوام إذا ما كان الموظف يعمل في القطاع الخاص، مقابل احتساب أجر إضافي للساعات الزائدة.

المشكلة بالنسبة لمحمد وزوجته إيناس، تحوّلت من عمل بساعات إضافية إلى مشكلة حياة محصورة في العمل، ليس فيها الكثير من الوقت للحياة الاجتماعية خارج إطار العمل.

يوضّح محمد: “نلتقي أنا وزوجتي آخر اليوم، ساعة واحدة، بعدها نستسلم للنوم لنبدأ في اليوم التالي دواماً جديداً ويوم عمل طويل، أشعر أنني عالق بدوامة لا خروج منها، إذ من جهة لا يمكننا ترك أعمالنا حتى لا نمسي في الشارع، ومن جهة أخرى أصبحت حياتنا عبارة عن عمل فقط”.

يعيش في تركيا 3.6 مليون سوري – بحسب دائرة الهجرة التركية – يعاني معظمهم من نظام العمل نظراً للوقت الطويل والأجور المتدنية.

لكن على الجانب الآخر، يمر الأتراك بنفس التجربة حتى قبل قدوم اللاجئين السوريين، ويعانون مؤخراً من تدني مستوى المعيشة بالنظر إلى انخفاض سعر صرف الليرة التركية، وازياد أسعار المواد الغذائية والفواتير المنزلية.

في 24 آب/ أغسطس، أعلن عمال أتراك في مدينة غازي عنتاب إضرابهم عن العمل، احتجاجاً على الأجور المتدنية – بحسب صحيفة gazeteduvar التركية، فيما لا يكف موظفون وعاملون آخرون عن الشكوى من الأسعار والرواتب.

يقول نصري، 36 عاماً، وهو تركي من مدينة غازي عنتاب “2500  ليرة تركية (تقريباً 450 دولار أمريكي) لا يمكن أن تكفي عائلة ولا بأي شكل من الأشكال، لكن أيضاً لا بديل حالياً، إذا ما نظرنا إلى واقع فرص العمل في تركيا”.

بالنسبة للسوريين الوضع مختلف، إذ يمتلك نصري منزلاً – كما يقول – وبالتالي هو ليس بحاجة إلى دفع إيجار، فيما تزيد فواتير السوريين، فاتورة ضخمة جديدة بوجود إيجار المنزل، وهو ما يضطر أفراد العائلة للعمل أو على أقل تقدير الأب والأم.

هدى، 36 عاماً، من مدينة حلب مقيمة في العاصمة التركية أنقرة تقول: “راتبي 2200 ليرة تركية (أقل من 400 دولار أمريكي) وراتب زوجي أكثر بقليل، ومع ذلك بالكاد نستطيع تأمين متطلبات حياتنا، باختصار نحن نركض وراء لقمة معيشتنا لا أكثر”.

يقدّم الهلال الأحمر التركي مساعدات مالية للسوريين المسجّلين ضمنه، ووفقاً لشروط معينة، وبالتالي لا يستفيد كل اللاجئين من المساعدات، ورغم ذلك بلغ عدد الحاصلين على مبالغ مالية من الهلال 1.3 مليون لاجئ سوري منتصف عام 2018، بحسب ما ذكره رئيس الهلال الأحمر التركي، كرم قنيق لوكالة الأناضول الرسمية.

المشكلة بالنسبة لهدى وزوجها، وسوريين كثر، ليست فقط مادية، وإنما هي متعلقة بالحياة الضيقة ما بعد العمل، إذ توضّح هدى: “بالإضافة إلى كوننا بعيدين عن عائلاتنا وأقاربنا، ازدادت الحياة هنا غربة، فقط عمل، أكل ونوم، لا نشاطات أو هوايات وفي معظم الأحيان لا وقت لنطمئنّ على أهلنا في سوريا، وقتنا أصبح مرهون للعمل، ومن دون العمل لا نستطيع أن نعيش”.

هدى ليست الوحيدة مع زوجها في نمط الحياة هذا، إذ يعيش معظم العاملون في تركيا ذات النمط، حيث ينهمكون كل الأسبوع في أعمالهم، ليأخدوا قسطاً من الراحة يوم الأحد وهو يوم العطلة الرسمية.

يقول مصطفى، 29 عاماً، وهو تركي، يعمل في مجال قطع تذاكر الطيران “الحياة الاجتماعية في تركيا ضعيفة للغاية، فقط عمل ثم عمل، ننتظر مساء يوم السبت ويوم الأحد، لنرتاح قليلاً ونقوم بزيارات بسيطة، لكن باقي الأسبوع عبارة عن تعب متواصل”.

مصنع-أنسجة-يعتمد-على-الأيدي-العاملة-من-سوريا-في-غازي-عنتاب

تضيف ثناء، وهي سيدة سورية تعمل في ذات مجال عمل مصطفى “حتى يوم الأحد يقضيه معظمنا في المنزل، كنوع من الاسترخاء بعد أسبوع أشبه بالمعركة”.

من منظور ثناء، مشكلة ساعات العمل الطويلة، لا تنعكس فقط على إهمال الحياة الشخصية ثم الاجتماعية عموماً، وإنما تنعكس على حياة الأطفال، وقلة الاهتمام بهم، حيث تقول: “لدي طفل بعمر الـ4 سنوات لا نجد أنا ووالده الوقت الكافي للاهتمام به، نقوم بارساله عند الصباح إلى الروضة، ويعود معنا مساءاً، وعندما نعود لا مجال للعب معه أو تعليمه، أمامنا فقط يوم يتيم هو يوم الأحد، ولا أعتقد أنه كاف”.

وفقاً لـ ثناء، ابنها بدأ منذ عمر السنتين ونصف بإظهار نوع من العصبية، تفوق الوضع الطبيعي، وهو ما يشير إليه مختصو علم النفس بـ”محاولة الطفل لجذب انتباه الأهل”.

رهام الصابر، 39 عاماً، ناشط في مجال الدعم النفسي للأطفال تقول: “بُعد الأهل عن الطفل لأوقات طويلة كما في حالة تركيا، يسبب له مشكلات نفسية بكل تأكيد، وخصوصاً إذا ما توجه في عمر صغير إلى الحضانة وبالتالي إلى مجتمع غريب يحتاج هو للتأقلم معه”.

وتتابع رهام “محاولة التأقلم تلك، تتطلب منه وقت وصلابة لم يختبرها من قبل، وإذا لم ينجح قد يكون عرضة للاستغلال من قبل الأطفال الآخرين، وهنا يكون دور الأهل، فإذا لم يكونوا حاضرين لتقوية طفلهم وإشعاره بأهميته وحبهم له، ربما تصبح قضية ضعف شخصيته جزء من الشخصية العامة له حتى عندما يكبر”.

في دراسة كشفت عنها صحيفة ديلي ميل الأسبوع الفائت حول تأثير حضور الأطفال في المدارس بعمر مبكر، قالت أن هؤلاء الأطفال أكثر عرضة بنسبة 30% للإصابة بالاكتئاب، لأنهم يكافحون من أجل التركيز أو فهم الدروس أو تكوين صداقات مع أقرانهم الأكبر سنا.

لا تنعكس بالتالي ساعات العمل الطويلة على المعيلين فقط، وإنما على الأطفال، ثم على المجتمع بشكل عام، وفي الحالة السورية ضمن تركيا، دخل المجتمع السوري في تلك الدوامة، حيث الخروج يحتاج إلى مشاريع خاصة قد ينقص معها وقت العمل، أو ربما يزيد.

 

حسام الزير – غازي عنتاب

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع