fbpx
أخبار

الفريكة من حقول القمح إلى موائد العوائل في شمال غرب سوريا

مع نهاية شهر أيار من كل عام تمتلئ جنبات الطرق العامة والفرعية في الشمال المحرر، بعشرات الأطنان من سنابل القمح الخضراء، ما يُنبئ المارة بحلول موسم إنتاج “الفريكة” الذي شهد ازدهاراً هذا العام مقارنةً بالأعوام السابقة رغم تقلّص المساحات الزراعية.

وشهدت مناطق المعارضة خلال الفترة الماضية ارتفاعاً كبيراً في درجات الحرارة والتي وصلت الى أربعين درجة مئوية، ما تسبّب في احتراق بعض المحاصيل الزراعية، وهذا دفع المزارعين للإسراع في حصاد حقول القمح وتحويله إلى فريكة خوفاً من تعرضها للاحتراق.

 

وقال “أبو رضوان شيخ” ثلث الذي يعمل مزارع في مدينة سرمين بريف إدلب: “لديّ مساحات واسعة من القمح والتي أحرص على حصادها في شهري حزيران وتموز من كل عام، لكن حين بدأت درجات الحرارة بالارتفاع أواخر شهر رمضان، سارعت لحصاد سنابل القمح وهي خضراء لإنتاج الفريكة منها، خشية تعرض محصولي للاحتراق وتكبّد خسائر فادحة، كما حدث مع بعض الفلاحين العام الماضي”.

وأضاف أبو رضوان لموقع (أنا انسان): “مع سيطرة قوات السلطة السورية على مساحات واسعة بريف إدلب مطلع العام الحالي، أصبحت نقاط تواجده قريبةً من الكثير من المساحات الزراعية، وبالتالي قد تتعرض الأراضي للاحتراق بقذائف المدفعية، ولا سيما النقاط العسكرية المتمركزة في محيط مدينة سراقب”.

كما شهد هذا العام هطولاً غزيراً في الأمطار، ما ساهم في نضج حبات القمح، وهذا شجّع الفلاحين لإنتاج الفريكة، كون الحبوب الناضجة تحقق ربحاً أكبر للفلاح، إضافةً إلى أن الحصاد المبكر الذي تتطلبه صناعة الفريكة، يسمح للمزارع بتجهيز أرضه لزراعتها في الموسم الصيفي من قطن أو ذرة وغيرها.

 

 

طقوس خاصة للزراعة

ويعتبر ريفي إدلب وحلب من المناطق المشهورة في إنتاج الفريكة على مستوى سوريا، حيث تمر بمراحل عديدة قبل أن تصل إلى المستهلك، فهي تستخرج من حبوب القمح الأخضر قبيل جفافها بمدة لا تتجاوز عشرين يوماً، حيث تحصد السنابل وهي خضراء.

وتُحرث الأرض في تشرين الثاني من كلّ عام لمرتين، الأولى قبل نشر البذار، والثانية أثناء عملية الزراعة ورشِّ المبيدات، ويجب أن تكون الأرض غير مزروعة قبل عام، أو زُرعت بالخضروات الصيفية كالبندورة والخيار، حتى تكون التربة “مرتاحة”.

وحول طريقة زراعة الفريكة وحصادها، قال “زاهر اليوسف” مزارع في بلدة احتميلات بريف حلب: “يجب إنتاج الفريكة من القمح القاسي وهو ما يزال في مرحلة النضج الشمعي، أي يكون ذو لون أخضر، وتستمر هذه المرحلة لأسبوعين فقط يجب أن يستغلها المزارع لإنتاج الفريكة، لأنه بعد ذلك يصبح القمح أصفر اللون، ولا يمكن إنتاج الفريكة منه”.

ويستطيع المزارعون حصاد 100 – 200 كيلوغرام من الفريكة من كل دونم من الأراضي المزروعة بالقمح، وذلك حسب طبيعة الموسم وكمية الأمطار التي هطلت، والعناية التي يقدمها الفلاح لأرضه.

وأضاف “زاهر” لموقع (أنا انسان): “مع حلول وقت حصاد الفريكة، يذهب المزارعون الى الأرض منذ الفجر، حيث يقومون بقطع سنابل القمح عبر الحصّادة أو المنجل، وتستمر عملية الحصاد حتى التاسعة صباحاً، ومن ثم يتم وضع سنابل القمح في العراء على شكل خطوط، تسمى بـ (السرب) لتجفيفها عند ذروة ارتفاع درجات الحرارة ظهراً، وتعرضها للرياح”.

 

 

الحرق المتقن سر النكهة

في وقت العصر تكون السنابل قد جفت تماماً تحت أشعة الشمس، عندها يجمع المزارعون سنابل القمح ويضعونها على الأرض بشكلٍ طولي، ويتم إشعال النيران فيها تدريجياً عن طريق استخدام القش، لأن تكويمها يؤدي إلى اشتعال النيران فيها بسرعة وتصعب السيطرة عليها، وهنا يُمسك المزارع شوكةً بيده لتقليب سنابل القمح، كي تتعرّض للنيران من كل الأطراف مع مراعاة اتجاه الرياح.

وأشار زاهر اليوسف إلى أن “الحرق يعطي الفريكة طعماً لذيذاً، ولكن يجب الانتباه إلى عدم زيادة درجة الحرق، والتي تُكسب حب الفريكة طعماً محروقاً ما يُخفّض من جودتها”.

كما قام بعض المزارعين بابتكار طريقةٍ لتسهيل عملية حرق الفريكة وزيادة الإنتاج، وتوفير الكثير من الوقت والجهد والتكاليف، تتمثل في صناعة غربال كبير من الحديد على شكل اسطواني.

ويحتاج هذا الابتكار لعاملين اثنين فقط للقيام بعملية الحرق، حيث يقوم أحد العمال بوضع سنابل القمح المجففة داخل الغربال، ومن ثم يقوم الآخر بتعريضها للنار عبر أنبوب من الغاز (الشلمون)، ومن خلال تحريك الغربال بشكل مستمر، تتساقط حبات الفريكة المحروقة عبر ثقوب الغربال، بينما تبقى العيدان والشوائب داخله.

ويستطيع المزارعون عبر استخدام هذه الطريقة، زيادة الإنتاج واختصار الوقت وتوفير العمال، حيث يمكن للغربال أن يحرق أكثر من خمسة دونمات في اليوم، بينما لا تتيح الطرق التقليدية حرق أكثر من نصف دونم في اليوم.

وعقب انتهاء عملية الحرق، يتم تعريض الفريكة المحروقة إلى أشعة الشمس مجدداً بعد عزل الرماد والشوائب والأعواد عنها، حيث توضع على شكل طبقة رقيقة في العراء لتجف، وفي حال عدم توفّر المساحات لفردها على شكل طبقة رقيقة، يمكن تجفيفها وهي بحالة أكوام مع تحريكها من وقتٍ لآخر، وتكون رطوبة القمح عند حصاده 35 – 50%، وفي نهاية عملية التجفيف تصل الرطوبة إلى 15% أو أقل من ذلك.

بعد انتهاء المراحل السابقة يصل المزارع إلى المرحلة الأخيرة وهي الدراسة، والتي تحدث عنها أبو ممدوح صاحب أحد الدرّاسات في ريف إدلب: “اتنقّل بين قرى ريف إدلب حيث يكون المزارعون قد جمعوا محاصيلهم من الفريكة على شكل أكوام، عندها نقوم بجرشها واستخراج حبوب الفريكة والأعلاف منها، ومن ثم تعبئتها بأكياس وتغليفها وبيعها في الأسواق”، مضيفاً أن “الفلاحين يمنحونه العلف المستخرج من الجرش كأجر له بدلاً من المال”.

وتفصل الدرّاسات حبات الفريكة عن سنابلها وما تبقى من أعواد وشوائب، وينتج عن الجرش ثلاثة منتجات: فريكة خشنة وفريكة ناعمة تستخدمان للطبخ، إضافةً إلى النخالة وبقايا دقيقة (بودرة) ويستخدمان للأعلاف.

 

 

عمال الفريكة ضحايا الخداع والاحتيال

ويعمد بعض التجار والفلاحون الى استئجار عمال لإنتاج الفريكة في ظل تعدد مراحل تحضيرها، ما يوفّر مصدر دخل للأهالي في الشمال المحرر، وخاصةً النازحين في المخيمات، الذين لا يملكون مصدر دخل.

ومع سيطرة السلطة السورية على مساحاتٍ واسعة في ريفي حلب وادلب، اتجه الفلاحون الذين يملكون أراضٍ قريبة من الحواجز، لقطاف سنابل القمح ونقلها بالسيارات إلى أماكن أكثر أمناً، ومن ثم تجفيفها وحرقها ودرسها وتحويلها لمراكز البيع والاستهلاك، وتعتبر هذه الطريقة أكثر تكلفةً من العمل في الحقل، لكنها تخفّف من المخاطر التي قد يتعرض لها العمال عند إشعال النيران.

ولم يخلو العمل في مجال الفريكة من المخاطر والمشكلات، وقال أبو عرب من قاطني مخيم الكرامة بريف ادلب الشمالي: “جاء تاجر الى المخيم وطلب عمال لحصاد الفريكة وحرقها، وأغرانا بأجرة يومية جيدة، فلم نتردّد في القبول، وبالفعل انطلقنا في فجر اليوم التالي الى الأراضي الزراعية وبدأنا عمليات الحصاد”.

وأضاف أبو عرب “مع حلول العصر بدأنا بعمليات حرق السنابل، وفجأةً سقطت قذائف مدفعية في منطقةٍ قريبة منا، عندها علمنا أن التاجر اصطحبنا الى أرض قريبة من حواجز السلطة السورية، ولولا مشيئة لله لكنا تعرضنا للوفاة أو الاصابة”.

كما تعرض عمال آخرون للخداع والاحتيال، وقال منصور العكلة نازح في ريف الباب: “تعرضنا للخداع أكثر من مرة، ففي احدى المرات اتفقنا مع صاحب أرض على تقاضي 5 آلاف ليرة كأجرة يومية، إلا أنه دفع لنا 3 آلاف ليرة فقط، بحجة أن الإنتاج في آخر اليوم لم يكن كما يريد”، مضيفاً “بعض التجار استغلوا حاجة النازحين للعمل وقاموا بخداعهم أيضاً، حيث أخبروهم أن العمل سيكون في أراضٍ آمنة، بينما أرسلوهم للعمل في مناطق قريبة من حواجز السلطة السورية وقوات قسد”.

 

 

طعام فاخر وطبق مميز

تعدّد مراحل حصاد الفريكة إضافةً إلى المشقة، وزيادة تكاليف الأيدي العاملة والحصادة والبذار والأسمدة، ينعكس على أسعارها بشكل ملحوظ، حيث يرتفع سعرها في فصل الشتاء، ويبلغ ثمن الكيلو الواحد منها بين 1500- 2000 ليرة سورية، بينما ينخفض ثمنها في أيام حصادها ويتراوح بين 800-1200 ليرة بحسب الجودة وحجم الحبوب.

وتعد الفريكة “السوادية الطليانية” أجود الأنواع، وتعد من الأطعمة الفاخرة لدى السوريين، حيث تطبخ إلى جانب اللبنية أو الشاكرية، ويؤكل معها لحم الغنم أو الدجاج وتزيّن بالمكسرات، كما تستخدم أيضاً لحشو المحاشي أو الخاروف أو الدجاج.

 

 

وتقول أم صبحي خيزران، وهي ربة منزل من الأتارب بريف حلب: “تعتبر الفريكة من الأطباق التقليدية المميزة، وتقدم في العزائم الفاخرة، وتحتاج إلى براعة في طبخها، ويشتهر إعدادها في مناطق الشمال إلى جانب اللبنية، وهو لبن مطبوخ يحتوي على الرز واللحم”.

وتضيف أم صبحي “كما نصنع من الفريكة حشوة مع اللحم ونضعها داخل العجّور، حيث يُطهى في مرقة الدجاج أو اللحم، ويقدم إلى جانب اللبن مع الثوم”.

 

وتراجعت قيمة الليرة السورية خلال الفترة الماضية، حيث وصلت الى 1800 مقابل الدولار، ما تسبّب في ارتفاع الأسعار بمافيها الفريكة، والتي وصل سعر الكيلو منها الى ألفي ليرة، بعدما كان سعره العام الماضي لا يتجاوز ألف ليرة، ما دفع كثير من السكان للعزوف عن شرائها، والإقبال على شراء البرغل (الكيلو بـ 600 ليرة) لاستعماله في الطهي.

 

هاني العبد الله

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع