fbpx
محمد حربة واحد من قلة تعمل في مهنة صناعة مكانس القش في إدلب (تصوير: يمامة أسعد).

بالصور: في ادلب صناعة مكانس القش مهنة بالكاد على قيد الحياة

المشاهدات: 192

رغم انتشار المكانس البلاستيكية المستوردة إلا أن صناعة مكانس القش على قيد الحياة في إدلب. اعتماد المهنة على المهارات اليدوية يجعل مصيرها غامضاً، وكذا مصير العاملين فيها.

بين كومة من القش، أخذ محمد حربة (أبو حمادي) 40 عاماً ينسق الأعواد؛ ويرتبها الواحدة تلو الأخرى، كي يصنع منها حزمة، تأخذ شكلها النهائي، لتصبح مكنسة من القش الطبيعي المتناسق، حيث كانت وما زالت مهنته الأساسية في أوقات محددة من السنة، على الرغم من كل الأنواع البلاستيكية المستوردة التي غزت الأسواق.

يثبت أبو حمادي بين قدميه قطعة خشبية على شكل حرف T، ويربط في رأسها سلكاً معدنياً، ويشده ليصل إلى مجموعة القش بين يديه، لتربط وتشد على عدة مرات، فتكون يد المكنسة (المشباط باللهجة الادلبية)، وبعدها يحضر دفتين من الخشب، تحيط القش من وسطه، ويحكم ربطها من الجوانب، ويبدأ مرحلة الدق، وشد الخشبتين كي يتوازن شكل القش، ويرق ليشكل جسم المكنسة، ويحضر أخيراً إبرة ليخيط بخيط من النايلون المكنسة، فتتماسك؛ ثم يمشطها، ويقص أسفلها، لتبدو في النهاية مكنسة القش تلك.

عن هذه المهنة يقول: «بدأت العمل بها مذ كان عمري 12 سنة، وأتقنت صناعتها في الخامسة عشر (كانت أجرة المكنسة 100 ل.س، أي ما يعادل 2 دولار في ذلك الوقت، ويحتاج العامل ليصير معلماً فيها ثلاث سنوات)، والآن تعدى عمري الأربعين، وأنا لا أزال أعمل بها رغم أنها مصلحة متعبة جداً، وبات مدخولها ضعيفاً، حيث كان بإمكاني صناعة بين 200 و300 مكنسة في الشهر، كان دخلها في عصرها الذهبي من 12 إلى 15 ألف ليرة، أي ما يعادل 300 $ قبل 15 عاماً من الآن، واليوم يتراوح الدخل الشهري بين 50 إلى 70 ألف ل.س، أي ما يعادل 120$. فقد غزت المنتجات الصينية الرخيصة السوق، وبات الطلب عليها ضعيفاً، خاصة بعد انتشار المحال التجارية بغالبية المناطق، وبات الطلب على المكانس المحلية حسب الرغبة».

السيدات اللاتي يستعملن هذه المكانس لهن رأي في تفضيلات أدوات النظافة، فالسيدة رقية (24 عاما من كفرسجنة) تحب النظافة وتسعى للمحافظة على نظافة بيتها لكنها تبحث عن «الوسائل الرخيصة ماديا، بسبب الأوضاع الحالية، لذلك أختار من أدوات التنظيف ذات الكلفة القليلة والتأثير الجيد، وبالنسبة للمكانس أستعمل القش التي تنظف أكثر لكنها تتلف بسرعة أكثر من النايلون خصوصا إذا تعرضت باستمرار للماء، فيما تدوم المقشة البلاستيكية لمدة أطول»، من جهتها لا تزال أم عبدو (60 عاما) تستخدم مكانس القش «لأنها أطرى عالايدين وبتنظف الزوايا، وما بتوجع الايد، بينما مكانس النايلون بتوجع الايد صح أنها تبقى لمدة أطول لكن لا تنظف الزوايا».

يؤكد أبو حمادي أنه تعلم من والده هذه الحرفة التي يتجاوز عمرها 200 سنة، وأن بداياتها كانت بحلب، ثم انتقلت إلى إدلب، حيث تعتمد على ما يجلبه عمال وتجار من ريف الرقة من نبات القش، وبحسب المؤرخ فايز قوصرة فإن «المهنة تراثية ومازال هناك ما يسمى بصناعة المكانس في إدلب، وأن آل زيداني هم أشهر من مارس واهتم بهذه الصناعة، ومازالوا يمارسونها بالحي الشمالي، وهناك مكان آخر بعد زقاق السيباط، لصناعة المكانس والمشابيط، إلا أن المهنة تكاد تندثر،  وكانت صناعة الحصر من القش صناعة رائجة في إدلب، وخاصة من قبل النساء اللواتي وجدن فيها مكسباً وربحاً مادياً معقولاً يتغلبن فيه على الحياة؛ قبل أن تنتشر صناعة الحصر البلاستيكية المستوردة من الخارج، حيث كان القش يأتي بكميات كبيرة من سهل الغاب، وتقوم النسوة بشرائه من التجار وبائعي المفرق في بازار بجانب حي الرمادية الغربية يوم الثلاثاء، ويأتي يوم الأربعاء لتقوم النساء ببيع الحصر في نفس المكان، حيث كانت هذه الحصر مخصصة لمد أرضية المساجد. وتقول إحدى الوثائق أنه في عام 1880 ميلادي جاء تجار من حلب لشراء الحصر من أجل مدها في الجامع الكبير، لكن هذه المصلحة التقليدية لم يبقى منها سوى محل واحد يعمل بها جانب جامع المبلط، بالإضافة إلى صناعة المكانس».

إلا أن العمال الحاليين هم على ما يبدو آخر المشتغلين بها، يقول أبو علي العامل في هذه المهنة عما عاناه منها: «لن أعلمها لأولادي؛ لأن الدخل الذي كانت تحققه في الماضي أفضل من راتب الموظف في تلك الفترة، أما اليوم فمردود هذه المصلحة (المهنة) لا يتجاوز نصف راتب الموظف، ونحن لا نريد تعليمهم مصلحة لا تطعمهم ولا تغنيهم من جوع».

تكمن الصعوبات لهذه المهنة حالياً في تأمين المواد الأولية من القش وخيوط النايلون والإبر، والتي يقدمها التاجر للعمال، حيث يقوم التاجر بشراء طن كامل من القش، ويقوم بشحنها إلى الأسواق في إدلب، ويتم توزيعها على الراغبين بالعمل أو العاملين في هذه المصلحة، ويبيعهم بسعر الدولار هبوطاً وصعوداً، إضافة، مع حساب العمولة المدفوعة على الطرقات لتمريرها.

وكغيرها من السلع تخضع هذه السلعة لأتاوات (مبلغ مالي يدفعه التاجر ليسمح عناصر الحاجز بمرور البضائع دون عقبات) الحواجز التي يفرضها النظام أو الفصائل المسلحة التي تسيطر على المعابر حيث يقول أبو حمادي: «يقوم التاجر بدفع أتاوات للحواجز، التي تمر منها المواد، ولا نعلم مقداره، وبالنسبة للعمل تتبع أجوره ونفقاته للدولار، ولا يتم ذكر المبالغ التي يدفعها التاجر أمامنا، فنحن نقوم بالعمل مصانعة، نأخذ أجرنا على تجهيز القطعة 300 ليرة؛ أي ما يعادل نصف دولار، ويقوم التاجر بتصريف المنتج».

يسند أبو حمادي ظهره متأوها ويقول «هذه المهنة من المهن الصعبة، التي تعود على عمالها بتردي الصحة، فالجلوس لتلك الساعات الطويلة، يؤثر على الظهر والقدمين، بسبب القعود الطويل، وقلة الحركة، ولكن للقمة العيش ضريبة قاسية».

 

 

يمامة أسعد

 

*تم تحديث الموضوع بتاريخ 30/9/2019
تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع