fbpx

بسبب الكيماوي ..كدنا نتحول إلى أرقام

المشاهدات: 2354

المكتب الاعلامي لمدينة المعضمية

 خاص ” أنا قصة إنسان”

كالمجنون ركضت إلى غرفة أطفالي صارخاً بهم كي يستيقظوا من نومهم ,كان صوتي كصافرة إنذار انطلقت في كل أرجاء المنزل,فالقذيفة التي سقطت قد خرج منها دخان مائل للاصفرار , وكان حدسي صائباً فكما توقعت كانت قذيفة كيماوي أطلقت على كل الحي إذ كانت نافذة غرفة الأطفال مفتوحة  وتملكني الرعب من أن يستنشقوا الغاز الناتج عنها فبدأت أصرخ لزوجتي وأبي وأمي كي يستيقظوا .

كانت صور أهالي الغوطة بعد ضربهم بالكيماوي هي أولى المشاهد التي بدأت تتوارد إلى ذهني , خفت من مشاهدة أطفالي ممدّدين على الأرض والزبد يخرج من أفواههم ومع كل صورة كان صراخي يعلو أكثر فأكثر حتى سمعه الحي بأكمله, كنت أصرخ ” كيماوي .. فيقوا يا ناس ضربونا بالكيماوي”.

Untitled-10لم أحتمل ذلك المشهد حين رأيت أطفالي في غرفتهم وقد بدأ الزبد يخرج من أفواههم الواحد تلو الآخر ,حيث سبقني الغاز إليهم كانوا كالعصافير التي تذبح في أقفاصها, هرعت أحملهم وأخرج بهم من غرفتهم . وضعت محمد وكرم على كتفي  ومن ثم حملت ابنتي جودي ودخلت زوجتي لتحمل الطفلين الآخرين. أنا أب لخمسة أطفال , وأعيش مع أبي وأمي وأختي في ذات المنزل.

خرجنا جميعاً من البيت ,لكن الحظ لم يسعفنا فقد تنشقنا جميعاً الغاز الناتج عن القذيفة .

في الطريق, كان صراخ الناس يفوق أي صراخ في هذا الكون , منهم من سقط أرضاً والزبد يخرج من فمه, فيما لم تتحمل صدور أغلب كبار السن الغاز فسقطوا على الأرض مسلمين أرواحهم لخالقها ,و من ضمنهم كان أبي وأمي العجوزين إذ لم يستطع أبي النهوض من فراشه رغم كل محاولات أمي لمساعدته ,فعلى الرغم من استنشاقها هي الأخرى للغاز إلا أنها رفضت أن تترك أبي وحيداً في حين كان بإمكانها أن تنقذ نفسها لكنها بقيت ممسكة بيده وماتت بجانبه ,فهي لم تغادره لحظة في حياته , وبقيت معه رفيقة دربة حتى في مماته.

في الطريق , بدأت أعراض الكيماوي تتملكني وزوجتي , بدأ الهذيان وضيق التنفس ولم تعد قدماي تساعداني على حمل أولادي ولا حتى على حمل نفسي .سقطت زوجتي  ومعها الطفلين وبدأ الدم ينزف من رأسها على إثر ارتطامه بالأرض.

حاولت أن أمسكك يدها لكني سقطت أنا الآخر مزبداً, حالي كحال زوجتي وأطفالي , ولم ترَ عيناي حينها سوى شاب كان كالملاك يتوجه نحوي, فطلبت منه المساعدة في نقلنا نحو إلى المشفى الميداني.

الطقل محمد أحد ابناء العائلة اثناء وجوده في المشفى الميداني بعد اصابته بضربات الكيماوي
الطقل محمد أحد ابناء العائلة اثناء وجوده في المشفى الميداني بعد اصابته بضربات الكيماوي

في المشفى كنا بأجسادنا الممددة على الأرض والمسعفون يبذلون ما استطاعوا لإنقاذنا ,أجساد المصابين ممددة في كل مكان بالمشفى الذي هو بالأساس مجرد نقطة طبية صغيرة بالكاد تستطيع علاج المصابين بالقذائف العادية ,فما بالكم بإصابات الكيماوي.

أغلب المصابين كانوا أطفالاً لم تستطع أجسادهم مقاومة سم الغاز وقوته وفارقوا الحياة سريعاً ,فيما فارق أغلب كبار السن الحياة أيضاً قبل وصولهم إلى المشفى .

نحن كعائلة ,استطعنا النجاة وتجاوز هذه المحنة ,لم يمت أحد منا في ذلك اليوم, كلنا أفقنا من الكابوس المرعب , ولمدة شهر كامل لم يستطع أحد منا أن يميز الآخر وكنا نعاني الأعراض ذاتها , من هذيان ,و صعوبة في التنفس والرؤية وغيرها من أعراض التسمم بالكيماوي.

جودي ... بعد نجاتها من ضربات الكيماوي وقد وضعت النظارات نتيجة تاثير الكيماوي على بصرها
جودي … بعد نجاتها من ضربات الكيماوي وقد وضعت النظارات نتيجة تاثير الكيماوي على بصرها

وها نحن اليوم كلّ منا يلازمه مرض  مختلف بسبب استنشاق الغاز الكيماوي السام, فجودي ابنتي باتت تضع عدسات طبية , ومحمد يعاني من صعوبة في المشي بعد أن تضاعف معه مرض عصبي سابق , وأنا أخذ شعري يتساقط , زوجتي أصيبت بحالة نفسية من الحمل بعد أن سمعت عن تشوهات الأجنة لنساء تعرضوا للمواد السامة .. أما كرم فله قصة مختلفة إذ بدأ بالكلام بعد أن ظننا قبل ذلك اليوم الأسود أنه أبكم ..

قال لي أحمد رغم كل ما كلّ ما حل به وبعائلته  : ” لا مانع عندي من أن أعيش ذات القصة ,إن كان في ذات اليوم سقوط نظام الأسد. كدنا في ذلك اليوم أن نتحول لمجرد أرقام تذكر من بين أرقام الموت.. لكننا تحولنا  إلى أرقام بين أرقام المصابين.

واليوم  تخلصت من لعنة الرقم, وتحولت إلى قصة على العالم بأسره أن يسمعها , ليعرف ما يحدث لنا.

تاريخ هجوم الكيماوي 21-8-2013

المكان: معضمية الشام

مرفق مع هذه المادة صور للأطفال خلال إصابتهم بضربات الكيماوي وصورهم بعد مثولهم للشفاء.

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع