بسطة الجوارب في جرمانا… ملاذي الأخير في دمشق

المشاهدات: 3633

نور كريمة 

تبتسم أم محمد في وجه زبائنها رغم مفاصلتهم إياها على السعر الذي تطلبه مقابل )زوج جوارب ولادي(، ابتسامة الرضا التي لا تفارق وجهها سمة في العائلة الصغيرة التي تتناوب على البيع إذ يشاركها العمل على البسطة الصغيرة الكائنة في جرمانا أطفالها الثلاثة يتناوبون فيما بينهم ويقتسمون الرزق الذي قد يبدو قليلا لسد متطلبات العائلة.

أم محمد ككثير من النساء السوريات اللواتي غيرت الحرب ظروف حياتهن لكنهن رفضن الاستكانة وقررن العمل لتأمين معيشة أسرهن دون أن يضطررن لطلب المساعدة من الآخرين.

نزحت أم محمد مع عائلتها من ريف حلب الشرقي عام 2014 إلى منطقة السد وقطنت مع عائلتها في مخيم هناك انتقلوا بعدها إلى عفرين ليبقوا هناك قرابة العامين أمضتهما بعيدا عن زوجها الذي اتجه إلى دمشق تصف أم محمد تلك الأيام بالصعبة للغاية تحاول ألا تغرق في حزنها “لله لا يدوق الي دقناه لحدا” ومن عفرين غادروا إلى مدينة جرمانا على أطراف العاصمة دمشق ليستقروا في شقة “على العضم” استأجروها من مالكها مقابل سبعة عشر ألف ليرة سورية.

عمل زوجها على بسطة صغيرة لبيع الجوارب في الشارع العام لمدينة جرمانا وكانت تشاركه العمل، فيتقاسمان المهام هو يذهب لتأمين البضاعة وتبيع هي وغالبا يتناوبان على البيع أو يتشاركانه هذا ما سهل مهمتها بعد غيابه فقد أصبحت على معرفة كافية بمتطلبات السوق وبالتعامل مع التجار.

قبل أسبوعين بالضبط قرر أبو محمد التوجه إلى حلب لرؤية والديه الذين لم يلتقيهما منذ أربعة أعوام، وحين توقف الباص على نقطة تفييش القطيفة قام العنصر بطلبه لسوقه إلى الخدمة الاحتياطية.

تقول أم محمد: ” كان يتوقع أن يطلبوه للاحتياط فقام قبل فترة صغيرة بتعريفي بالتجار الذي يشتري البضائع منهم لأكون مستعدة للعمل في حال ذهابه وبالفعل حدث ما كان متوقعا”.

بعد رحيله قررت أن تستمر بالعمل لديها مسؤولية كبيرة عليها تحملها، ترفض المرأة الثلاثينية أي مساعدة من أحد “تأمين لقمة عيش لأربعة أطفال صغار ليس سهلا وأنا قادرة على العمل فلم لا أفعل ذلك أليس ذلك أفضل من أنتظر في طوابير الجمعيات الخيرية لأستلم حصة غذائية قد تأتي كل أربعة أشهر وقد لا تأتي”.

الكثير من أقربائها رفضوا عملها بحجة أنه عمل لا يناسب المرأة، لكنها وزوجها لم يأبها لانتقادهم كان همهما الوحيد أن تعمل لتامين دخل يكفي الأسرة الصغيرة دون الحاجة إلى عون من أحد.

في عمل كهذا أكثر ما تخشاه النساء هو التعرض لمضايقات من الشارع لكن أم محمد تنفي تعرضها لأي موقف مزعج خلال عملها بل على العكس تماما فهي تحظى بمعاملة جيدة من جيرانها التجار. تخبرني ضاحكة: “من قال أن المرأة كائن ضعيف لدينا القدرة على حماية انفسنا قد أبدو لطيفة للغاية لكن لدي من القوة ما يكفي عند اللزوم”.

لم تكمل تعليمها درست حتى الصف الرابع الابتدائي وتوقفت بعد ذلك بناء على رغبة أهلها، تتمنى كثيرا لو أنها أكملت تعليمها لذلك تصر دوما على الاهتمام بتدريس أولادها فهي رغم معرفتها القليلة تحاول مساعدتهم في دروسهم بعد الانتهاء من عملها، يسعدها ذلك للغاية وتكتمل سعادتها في كل مرة يأتون فيها إلى المنزل بعلامات ممتازة.

ابنتها بيان ذات الأعوام الخمسة تجلس مع أخيها محمد ذو الأعوام الثمانية في غياب أمها تمسك قلما وورقة تكتب الحروف والأرقام التي تعلمتها في المدرسة ورغم انتهاء العام الدراسي إلا أن شغفها بالتعلم لم يتوقف أقترب منها لأرى ما تكتب تضحك بخجل قائلة: “أريد أن أستعد جيدا للعام القادم” ابتسم مخبرة إياها بأن العطلة الصيفية طويلة وهناك متسع من الوقت، لكنها تريد أن يمضي الوقت بسرعة لتكبر وتصبح محامية حلم كبير لطفلة في الخامسة.

يربت محمد على كتفها بحنان ويخبرني بأنه نجح إلى الصف الثاني وحصل على تقدير من المعلمة، قد يبدو هذا النجاح طبيعيا للبعض لكنه مدعاة فخر بالنسبة لمحمد الذي لم يتمكن من متابعة دروسه بشكل في العام الفائت فحصل على علامات متوسطة في الصف الأول الابتدائي هذا ما جعله يقطع عهدا على نفسه ليثابر على دروسه وينجح بعلامات ممتازة هذا العام. “أنا سعيد للغاية لأنني ناجح” يخبرني أن أنتظر قليلا يذهب إلى منزله بسرعة ليحضر التقدير الذي أهدته إياه المدرسة ليريني إياه ينظر إلي بفخر قائلا “سأستمر في الدراسة حتى أكبر وأصبح مهندسا ناجحا”.

تختم ام محمد كلامها : بسطة الجوارب في جرمانا، هي قلعتي الاخيرة للصمود في هذه الحياة القاسية، هي مكاني الوحيد للصمود في دمشق التي لجأ اليها كل الهاربين”.

 

 

التعليقات من صفحتنا على فيسبوك

التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع