fbpx
تعرف على نساء
Image by Free-Photos from Pixabay

تعرف على نساء هربن من داعش .. قصص حقيقية

لم تكن مهمة الوصول إلى نساء كن تحت عباءة داعش سهلة. حصلنا على بعض أرقام السيدات بعد أن شدّدن على إبقاء الأمر سرّاً، واشترطن عدم الإفشاء بمصدر الأرقام لكثرة التهديدات التي تصلهنّ، والوعيد بقتلهن عاجلاً أو آجلاً.

بعد هروبهن من قبضة داعش صرن بين نارين. نار التكفير ممن عرفهن كنساء التحقن بالتنظيم المتطرف واتهامهن بالكفر والزندقة والتهديدات بالقتل من المتمسكات بفكر داعش، ونار العودة إلى الحياة “الطبيعية” في مجتمع ينظر بعين الريبة لكل من انضم إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والمعروف باسم داعش.

في المقابل نساء كثيرات حظرن أي محاولة للتواصل معهن بعد التعريف عن هويتي كصحفي، فيما من لم تقم بالحظر فوراً، استمرت بالحديث لفترة بسيطة -وهذه حالات قليلة جداً- بعد محاولاتنا الحثيثة من خلال حديث ودود وتعهد بإخفاء هوياتهن، إلا أنها أيضاً انتهت إلى شتائم من نوع (يا صحوات .. يا مرتدين)، وبالحظر في نهاية المطاف، ولم تعد أي منهن للتواصل رغم كل المحاولات.

أولى القصص ممن تحدثن كانت مع أم أحمد الهمداني، الاسم الحركي الذي اعتاد الناس على مناداتها به، منذ زواجها الأول من أبي قسورة العراقي والذي لم تكن تعرفه إلا بهذه الكنية، إذ لم تكن تهمها التفاصيل كثيراً مقابل السعي لتحقيق هدفها الذي لطالما حلمت به وخاطرت بحياتها من أجل تحقيقه، حلم الحياة في ظل الخلافة الإسلامية.

كانت أم أحمد تبلغ من العمر 22 عاماً عند دخول داعش إلى منطقتها، وبحسب قولها “تابعت إصداراتهم البرّاقة ودعوتهم إلى الإسلام والخلافة”، وأرادت اللحاق بصديقتيها اللتين كانتا بعمر 19 عاماً حينها حسناء وماريا، واللتين سبقنها بعدة أشهر إلى مبايعة الأمير الموكل بالمنطقة الشرقية في سوريا.

إلا أن حكاية إعجابها بالتنظيم يعود على سنوات خلت عندما “كنتُ في السابعة عشرة من عمري رأيت إصداراً لتنظيم الدولة الإسلامية يظهر تعامل جنود الدولة مع رعاياه من حيث الاهتمام بحلقات العلم والمساجد وتوزيع الزكاة والمساعدات، وما إلى ذلك مما تظهره الكاميرا من طيب الكلام وسعة الابتسامات التي تعلو محيّا هؤلاء الجنود أثناء دعوتهم المسلمين لالتحاق بهم، ووجوب الهجرة من أرض الردة التي نسكنها، لقد تشجعنا للهجرة خاصة بعد سيطرة الدولة على الرقة في عام 2014 واستيلائها على مناطق في ريف حلب وتدمر ودير الزور وتمكنها من الدخول والخروج إلى مدينتي الحسكة مما يتيح لنا خروجاً آمناً وطريقاً سليماً للوصول إلى مركز الاستتابة والتطويع في محافظة الرقة”.

تزوجت الهمداني من أبي قسورة العراقي الذي يبلغ من العمر أربعين عاماً فور انتهائها من الدورة الشرعية، والتي خرجَت منها بوجوب الزواج وعدم جواز بقاء امرأة دون مُحرِم شرعي في أرض الخلافة، فوافقت طاعةً للأمر خوفاً من عصيان الأمير الذي يعتبره الأتباع عصياناً لأوامر الله تعالى -كما تم تدريسها في الدورة، وأردفت تقول “كنت أعيش تلك الأحداث كالحلم. لا يمكنني التفكير لمجرد لحظة واحدة، فجل ما علينا فعله هو طاعة الأمير وعدم السؤال فيما لا يفيد وحتى عدم البحث عن هوية الرجل الذي أصبح زوجي، وأن أربّي المولود القادم بعد عدّة أشهر على حب الخليفة، والأهم من كل ذلك هو عدم التواصل مع أي من أفراد عائلتي لأنهم في حكم الردة ويعيشون في الديار الكافرة، بل إن التبرؤَ من كل هؤلاء وحصر الولاء فقط لأتباع الدولة هو من أهم شروط صحة البيعة”.

تقول الهمداني في حديثها لموقع أنا إنسان: “لم نكن نحن النساءَ على درجة كبيرة من الأهمية لدى جنود الدولة، وإنما انحصر دورنا في كوننا سلعة يتمتع بها الرجال المهاجرون من دول أخرى بشكل شرعي، وهذا ما شعرت به عند زواجي من سيف الدين التونسي (هكذا عُرّفتُ باسمه) منذ اختياره لي من قِبل الأمير بعد مقتل زوجي الأول في غارة للتحالف على أحد المقرّات العسكرية، والذي أنجبت منه طفليّ أحمد وسارة”.

وتضيف الهمداني: “كانوا قد أقنعوا آلاف المهاجرات بأن المرأة خلقت لهذه المهمة فقط، وأن خمارها وزواجها من رجال الخلافة، والطاعة العمياء هو الجهاد الذي سيهدم البيت الأبيض في وسط أمريكا، ورأيت من الأعمال الشنيعة الكثير والكثير بعدما كانت أفعال اعتدنا على عدم التأثر بها، منها الإعدامات في الساحات العامة أمام النساء والأطفال من أجل تربيتهم على الدم والعنف والتعزير (وهو حكم شرعي في الإسلام بمعنى العقاب أو التوبيخ، ويسبق إقامة الحد كأن يُسجن السارق ويُعنّف قبل قطع يده إن تكررت سرقته، وأن يسجن ويعاقب من يتلفظ بألفاظ تمس الذات الإلهية قبل إقامة الحد الشرعي في حال تكرار الذنب)، والغرض من تربية الأطفال بهذه الطريقة فهو لترهيبهم من الوقوع في الخطأ، وكي يعتادوا على إقامتها عندما يكبرون إضافة لإقامة الحدود والجلد وقطع الأيدي وغيرها.

بعد معارك الباغوز تم أسر الزوج والعائلة (كانت أم أحمد حاملاً في طفلها الثالث من زوجها التونسي) في مخيم الهول في ريف الحسكة، ورغم الأسلاك الكهربائية والحراسة المشددة التابعة لقسد وكاميرات المراقبة الكثيرة، إلا أن هذه العوائق لم تحل دون محاولاتها الهرب، حتى ساقها الحظ إلى التعرف على صديق قديم لأخيها يعمل في حراسة المخيم، والذي قام بدوره بتهريبيها وإيصالها إلى منزل أهلها مقابل 9 آلاف دولار، لتعود برفقة أطفالها الثلاثة دون أن تعرف المصير الذي ينتظرها حيث لا يحمل الأطفال أي هوية أو جنسية، إذ كانوا يوثقون الولادات في سجل النفوس في مكاتب داعش وتم اتلاف جميعها عند سقوط عاصمتها المزعومة.

الكثير من الأسئلة والمخاوف يعج بها عقل هذه المرأة التي انتسبت للتنظيم طوعاً وشعرت بالخطأ الذي ارتكبته لاحقاً، شأنها شأن آلاف النساء السوريات والمهاجرات اللاتي أحاط بهن سور المخيم، مع وجود آلاف منهن لا زلن يعتقدن ببقاء التنظيم وتمدده، وتنتظرن الغوث من قيادات التنظيم ليتابعن حياتهن كما السابق، وهذا ما يمكن أن تراه في بعض المقابلات التلفزيونية التي أجراها مراسلون في أماكن احتجازهن.

طائفة أخرى من النساء من الملتحقات بداعش عن غير قناعة وهن اللواتي التحق أزواجهن بالتنظيم واضطررن – طوعاً أو كرهاً – للانضمام له، ومنهن رائدة (اسم مستعار لامرأة من ريف دمشق) التي تقول: ” كنت قد تزوجت قبل بدء الثورة العام 2011 من رجل ملتزم دينياً، وذهبت برفقته إلى أداء العُمرة وكنت أحيا حياة سعيدة مطمئنة، وكثيراً ما كنت أستمع إلى أمنيات زوجي القديمة، تلك التي حاول تحقيقها بالذهاب إلى الجهاد في حرب العراق عام 2003 ولكنه فشل بالوصول، ومن قبلها محاولة الالتحاق بالفدائيين اللبنانيين عندما كان ما يزال في ريعان شبابه، فقد كان يعتقد أن حزب الله هو منظمة جهادية تقاتل إسرائيل”.

وتتابع رائدة: “لقد استمرّت حياتي بشكل هادئ إلى حين سيطرة مجموعات تابعة لتنظيم الدولة على مناطق حوض اليرموك في ريف درعا و ذهاب زوجي لمبايعة الأمير هناك في عام 2016 دون علم أحد، وبعدها بمدة قريبة عاد من أجل اصطحابي وأطفالي للذهاب معه، فحاولت منعه بشتى الوسائل إلا إنه هدّدني بأخذ أطفالي والذهاب في حال تعنتُّ أكثر، فوافقت مكرهةً”، وتضيف: “لقد كنت على علم تام بجرم هذا التنظيم وبشاعته ولكن آثرت الصمت وترقبتُ الفرصة للهروب أنا وأطفالي أو إقناع زوجي بالعودة، إلّا إنّ ذلك كان من المستحيلات، ومضت الشهورُ تلوَ الأخرى لحين خرج زوجي يوماً برفقة زملائه في معركة من أجل التصدي لمحاولات الجيش الحر باقتحام منطقة حوض اليرموك فأصيب ومات بعد عدّة أيام”.

وتردف قائلة: ” فقدتُ زوجي الذي أحببته كثيراً ولم أجد الفرصة حتى للحزن عليه، فقد كان ذلك ممنوعاً لدى التنظيم، ثم أرسلت خبراً إلى الأمير برغبتي بالعودة إلى أهلي إلا إنه رفض إذ يعتبر ذلك ردّةً عن الدين وموالاةً للكافرين، فاستمرّت محاولاتي بإقناعه كثيراً من خلال وسطاء يتكلمون معه لكنه رفض، وكان آخر رفض مشروطاً بانتهاء العدّة الشرعية وبعدها يتم البحث في هذا الأمر”.

وهنا كان لا بد من خطة للإفلات “حينها وجدتُ وسيلة للاتصال بأهلي من أجل تأمين خط العودة لأنني قررت الهرب في حال رفضه، وكان لابد من التنسيق مع الجيش الحر الذي يحاصر المنطقة وتم ذلك فعلاً إلا إنهم اشترطوا تسليم مجموعة تتبع للتنظيم وإيقاعهم بالفخ، وكانت الخطة بمحاولة إقناع الأمير أن أشكّل خلايا نائمة لهم في ريف دمشق وتنفيذ عمليات اغتيال بحق عدة شخصيات، فوافقتُ وألقي القبض على المجموعة تلك وعدتُ لمنزلي بشكل سرّي، ولكن لم أستطع كشف هذا الأمر حتى الآن خاصة بعد عدة بلاغات من أفرع الأمن بوجوب تسليمي أو تبليغ السلطات في حال تواصلتُ مع أهلي”.

أمير القاسم

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع