fbpx

دروب التهريب أو رحلة «الهروب القسري» من درعا والقنيطرة

المشاهدات: 619

 

 

كادت عبوة ناسفة أن تقتلع قلبه وهو يحاول عبثاً تعويض ما خرّبته الأمطار في حقله الصغير، فكانت هذه الندوب العميقة الإنذار النهائي بعدم جدوى الحياة هنا، خاصة بعد أن بات الاستفزاز والتشبيح سمة عامة لأي تحرك في قرى “القنيطرة” التي خرجت من يد المعارضة، ودخلت في التسويات الروسية.

هروب وهجرة جماعية تشهدها قرى وبلدات القنيطرة ودرعا لم تشهدها أيام الحروب الطاحنة بين الأطراف المتقاتلة، حيث كان هناك أمل ما يدغدغ رؤوس الناس دون أن يتيقنوا مكنوناته، ولكن بعد أن وقع الجميع في المصيدة، باتوا على يقين أن الرحيل هو الخيار المر الصحيح، خاصة بعد أن تلقوا ضربات متتالية أسقطتهم أرضاً.

بعد أن هجر عبد الرحمن البرماوي دراسته الجامعية، واعتكف زمناً طويلاً بعيداً عن الصراعات حوله، قرر أن يهتم بقطعة الأرض التي ورثها عن والده، ورافضاً كل العروض التي تقدمت له باشتراك مع فصيل معارض في أحداث الثورة، لعلمه ليقين أن الثورات لم تنضج بعد، وليس هناك من قائد قادر على جمع الناس وتحرير سوريا من التبعيات والفساد والارتباط مع الخارج، وكان مؤمناً بصيرورة التاريخ القادرة على اقتلاع كل هذا العث والخراب. موقفه السري والمعلن من نظام الحكم ومن الأحداث العسكرية والقوى المتنازعة على الأرض؛ جعلته هدفاً لهؤلاء جميعاً، وكانت الخدمة العسكرية السيف المسلط على رقبته، وبعد الدخول في المصالحات والتسويات كان لا بد من التحرك، فلا المواسم استطاعت سد حاجته للمال، والحواجز رحمته من الابتزاز، فقرر الرحيل نحو تركيا.

باع قطعة الأرض، واتفق مع مهرب في بلدة “تسيل”، وحزم قليلاً من الثياب والذكريات، وركب سيارة خاصة باتجاه إدلب. وطوال الطريق وهو يفكر بالخطر، والوقوع في المحظور، لكن المهرب الحذق كان طوال الطريق يبث في نفسه ومن معه الطمأنينة، خاصة أن كل عناصر الحواجز الموزعين على الطريق كانوا مسالمين، ويشتركون في اللعبة بطيب خاطر، ولم يشعر ركاب السيارة أن في المنطقة حرب تدور، ووصلوا إلى إدلب بيسر وسهولة، ومن هناك كان شخص آخر متكفل بنقلهم إلى الحدود.

يقول الناشط المدني عبد الله محمد عبد العزيز لموقع أنا إنسان: «تصاعدت عمليات السفر خارج الحدود بشكل كبير، وشهدت القرى والبلدات هروباً جماعياً غالي الثمن، ففي القنيطرة، وعلى الرغم من سيطرة مركز المصالحة الروسي على كافة التفاصيل اليومية، إلا أن القلق اليومي والضغط الذي مارسته الأجهزة الأمنية التابعة للنظام جعلت أيام القتل والتفجيرات والقنص أرحم، وخاصة أولئك الذين عاشوا في مناطق التسوية، أو يريدون العودة إليها، فعليهم أن يدفعوا الكثير من المال، ويتعرضوا لاستجوابات ينتج عنها ابتزاز مالي حتى ينتهون من هذا الجحيم».

وأكد عبد العزيز أن الخسائر الزراعية كانت إحدى أسباب الهروب، فالجميع في هذه المناطق يعتمد على المواسم الحقلية، وجاءت الأمطار والسيول الغزيرة لتقضي على أي أمل بالنجاة. فقلت فرص العمل، ولم يعد هناك ما يجعل العيش في الوطن له رائحة أو لون.

ومن الأسباب الأخرى التي جعلت حركة النزوح الأخير نحو الخارج؛ الالتحاق بالجيش، فالتسويات لم تعف الهاربين من الخدمة، وأعطتهم مهلاً قصيرة حتى يسلموا أنفسهم إلى أقرب شعبة تجنيد، وهو ما لا يرغبون به نهائياً، خاصة وأن الحرب ما زالت مشتعلة، ولا أحد يعلم متى يمكن أن تخرس البنادق.

يقول الناشط الإعلامي محمود سلامة عن تفاصيل الهجرة: «هذه الأسباب أنتجت موجة هجرة جديدة، وكبيرة نحو الخارج والتي تتم عبر مهربين متمرسين، وهم يشكلون شبكة مصغرة تعتمد التخطيط الدقيق والمضمون، خاصة لوجود العوائق الكبيرة أمامهم؛ مثل الحواجز والتفييش عليها، وكون الزبائن بغالبيتهم من الشباب أو المطلوبين أمنياً، والمتخلفين عن الخدمة في جيش النظام».

ويؤكد سلامة أن هناك مهرب في منطقتهم المحاذية للريف الغربي من محافظة درعا يقوم يومياً بتهريب عدة أشخاص يصل عددهم إلى خمسة نحو تركيا أو لبنان، وكل رحلة لها طرقها وأساليبها وثمنها الباهظ. لكن المؤكد أن هذه الشبكات قد انتعشت بشكل كبير في الشهور الماضية، خاصة مع حركة الاغتيالات وازدياد التضييق الأمني في مناطق المصالحات.

والمفاجأة التي لا تخطر على البال، أن الطريق نحو تركيا والذي يكلف الشخص الواحد 2000 دولار أمريكي يمر من إدلب عبر حواجز النظام الكثيرة. أما إلى لبنان فهو سهل نسبياً، وتحسب التسعيرة حسب المسافات، حيث يبلغ الثمن بين 1200 حتى 1500 دولار على الشخص الواحد.

أحمد أبو رجب من سكان محافظة درعا، وأحد الذين ينتظرون دورهم قال: «لم يعد لنا شيء هنا، الثورة انتهت، وخسرنا معها أحبائنا وأرزاقنا، والذين استفادوا منها يسرحون ويمرحون مع النظام وروسيا. كل الذي أعرفه أنني راحل وغير آسف على شيء».

بالمقابل فإن سبب رحيل محمد أبو نبوت من أهالي محافظة درعا عائد إلى الإذلال الذي يتعرض له كل يوم على الحواجز، وقال لأنا إنسان: «أتعرض كل يوم للتهديد بسبب تأييدي للمصالحات، وفوق هذا أتعرض للإذلال من حواجز النظام. بات الخروج من المنزل عبئاً ثقيلاً لا يرحم، ولهذا قررت الهجرة إلى بلاد لا أعرف أحداً بها، حتى لو كلفني ذلك الموت».

بين عشرة وخمسة عشر مهرباً ينشطون في المحافظتين كل يوم، وهو ما يجعل الأرقام تتصاعد مترافقة مع بيع للعقارات بأسعار بخسة، مقابل الهروب من الجحيم السوري إلى أي مكان لا يعرف العنف والتمييز.

 

 

سامر النجم أبو شبلي

 

 

تعليقات فيسبوك
التعليقات: 0

تعليقات مباشرة على الموقع